قصة قصيرة
كائن الفراغ – نصوص – عبدالستار إبراهيم
إلى أللا أحد… دون تحيات)
(1)
عندما أتممت تناول فطوري، زقزق بلبل الساعة الجدارية، معلنا تمام التاسعة صباحا، تلك الاثناء قُرع جرس الباب، إرتديت روبي واتجهت حيث مصدر الصوت. هناك، فيما وراء الباب، لم ألمح احداً.. لا احد بالمرة! من دق الجرس إذا؟ ربما احد الصبية النزقين. عدت ادراجي وانا منزعجة قليلا.
بعد منتصف النهار، تناولت غدائي دون شهية تذكر. بعدها شرعت انظف اسناني عند مغسلة السيراميك في فسحة الكليدور. زجاج نافذة الباب مكون من لوحين من الفسيفساء ذات الوان متعددة، ابرزها الازرق والارجواني. وقتها سمعت نقرات اصابع على الزجاج. عجلت بالاغتسال، من ثم واربت ظلفة النافذة. لم يكن ثمة احد! الطارمة خالية إلا من اصص الزهور المصطفة لصق حافة النافذة الواطئة!
عصرا، وانا اجلس في الحديقة باسترخاء وسط كرسيَّ الهزاز المُنَجد بقديفة حمراء، حصل ان اخرجني من سرحاني همس خفيض إلى درجة ان يكون وشوشة او حفيف ذوائب يداعبها هواء رخي، من ثم تلاشى. كان له- حتى بعد ان نأى عن مسمعي- وقع مبهر!
(2)
ما اذكره الآن حدث ظهيرة البارحة، كنت عائدة بعد يوم عمل مضن في الجريدة. وانا اقطع مسافة الطريق الموصلة لمنزلي، شعرت بأحدهم يمشي قريبا مني! إلتفت حواليَّ. لم أر أحدا! تعقبتني الخطوات الغامضة بالسرعة ذاتها (هذا ما ظننته) ليس بالضرورة ان يكون ظلي، كما قد يخطر في الذهن اول وهلة، فالشمس كانت متعامدة مع رأسي. سرعان ماسمعت من يخاطبني برقة. اطرى جمالي واسمعني كلمات ليست كالكلمات، كما تقول اغنية ابنة الرومي. كاد يغشى عليَّ.. إندفعت اكثر بخطى مرتبكة عجولة وانا لا ألوي على شيء!
(3)
إنصرمت بضعة ايام على (حادثة الظهيرة) تلك. بعدها تطور الحال. بت اشعر بوجود ماصرت اطلق عليه (كائن الفراغ) داخل بيتي، حيث اعيش وحيدة مذ شهرين. نعم، انه يذرع الحجرات، والحديقة، ومستطيل المرآب. غالبا بخطوات رتيبة هادئة. لن اكذب حدوسي، انني اسمعه يمشي بين الممرات وعندما يقترب مني ينعدم اي صدى.. كأن قدميه ما عادتا تلامسان الارض!
لاتدهشوا..
في البدء، قرَّ عزمي على ان اتجاهله. تارة انشغل بالاعمال المنزلية او انهمك بتصحيح الاوراق التي تخص عملي، او اخرج إلى الحديقة لاتمايل بعض الوقت على الارجوحة متفكرة بحالي. قررت مسايرته في شطحاته البسيطة والطريفة في آن (هكذا اعتبرتها) ولسبب رئيس، هو انني اعتبرته كائنا غير عدائي (كان هذا من إستنتاجاتي التي لم تثبت صحتها لاحقا) كل ماراح يبدر منه شبهته بدلع مراهقين، وبتصرفات صبية تنقصهم التجربة.. صبية ينتبهون لابسط تصرف مهما كان عادياً وحتى تافها. كل هوسهم ينصب على متابعة ظلال الآخرين. هل يمكن نعته بالفضولي؟ اجل، يمكن ذلك. انها صفة مذمومة تليق بالقادمين من تخوم الصحاري، بيد انها ايضا، ليست صفة ملعونة وسيئة جداً يستأهل صاحبها الجلد.
مع مرور الوقت، رحت اقنع ذاتي (( بما انه غير مؤذ، فلم الغلو في الانزعاج أو التذمر منه)) لذا، صرت احسبه جزءا من المكان الذي يحيطني. ليكن مايكون. ليحمل ما يحمل من نعوت: جن، كائن دون كُنية، يتقن التنكر، حاملا لطاقية الاخفاء.) هل ثمة عندي خيار بديل؟ بالطبع، ذلك الامر تطلب مني الكثير من الجسارة وثبات الجنان. ربما سيهمس احدكم تهكما: لقد تولهت المسكينة بخرافة هي صنيعة مخيال مضطرب ولكنني سأحاججه: هل يمكن التوله والولع بومضة هي نتاج سراب او نثيث قوس قزح؟ بمعنى آخر وجيز: بدا لي كما لو قُدَّ من حزمة ضوء.
بناء على ما اسلفت، نجحت في البدء بنسبة ما في إقناع نفسي ان بمقدوري إحتمال وجوده مادام ذلك لايستفزني، وكنت قد خمنته دمثا، لطيفا ( لِمَ نخشى اللطفاء حقا؟) إستلطفت ذلك الاستنتاج وان كان مشوبا بالحذر. إلا ان شعور من ترتكب خطيئة كان ينتابني بعض الاحايين (اعترف بذلك على مضض) إذ كيف يمكنني – وكيف يمكن للآخرين ايضا- ان استسيغ وجود مخلوق يشاركني الحجرات، ووحدتي، وفراشي (يا إلهي!) اجل، من يدري؟ ربما يتمدد الآن إلى جانبي كما لو كان زوجا! يتسقط شطحاتي ونثيث خواطري (من منا ليس له خطرات منفلتة وربما ماجنة آخر الليل؟) وربما يتطلع بشبق إلى عُريَّ الفاضح!!
انها احاسيس انتجتها العزلة التي وجدتني اتشرنق داخلها مذ سافرت شقيقتي لتقيم مع زوجها المغترب في أمستردام. لم يكن بوسعي منعها من ان تتركني وحيدة. لن انسى عباراتها الاخيرة وانا اودعها في صالة المطار: لقد اعيتني الحيلة في إقناعك. لم تقتنعي بمصاحبتي حيث بلدان الحرية.. يا خايبة، هو هذا بلد ينعاش بيه؟
(4)
مرت بضعة ايام..
هل تصدقون انني اكاد اسمعه يستأذن مني القيام بعمل ما، كأن يغير اماكن الصور الشخصية واللوحات التشكيلية الموزعة على الجدران، أو يغير مؤشر التلفاز، او يتبرع بعمل قدح شاي لنفسه ( وفق مبدأ اخدم نفسك بنفسك) بالفعل، بعد دقائق تتناهى إلى سمعي قرقرة الشاي وهو يغلي في جوف القوري.
هوذا يجرب ان يكون لطيفا معي.
بعض الاحايين، تنتابني قشعريرة مباغتة عندما احس انه سيربت على كتفي او يلامس شعري المنسرح! هل سيتجرأ؟ من شأن ذلك ان يغشيني بخدر لذيذ، ترى، هل لديه رغبة محمومة لإحتوائي؟ جفلت وانا اخاله يمد انامل ناعمة، حذرة، ليمسد خصلاتي! ليس هذا حسب، عادة ما استشعر به يقترب مني باحتراس.. احس فقط بدبيبه الاقرب لوشوشة ولرفرفة حمامة اليفة تدور حواليك. هل سيغدو جزءا من وجودي؟ لو حصل مثل هذا، سيضطرنا واقع الحال ان يسعى كلانا لفهم الآخر وخلق سبل الانسجام معه.
تاليا، هل سنكون على اعتاب تبادل اطراف الحديث.. نتآلف تارة، ونتخاصم تارة اخرى؟ ماجت في ذهني درزينة تصورات. يوما بعد آخر، صار بمقدوري تمييز رائحته. كان ذلك التحول بعض عزائي.. ان استطع رؤيته ملء العين أو لمسه لمس اليقين، فستدلني رائحته عليه. كذلك صرت اخاله يأتي. بتصرفات شتى، كأن يدخل الحمام ليتفرس بالصور الدعائية الملصقة على عبوات الشامبو والمساحيق، حيث صور الصبايا باذخات الجمال.. نصف العاريات تحت شلال الامواه الدافقة من ثقوف الدوش. خطواته لاتترك اصداء على السجاد المفروش.. ولكن، هل يتعين عليَّ رفع السجاجيد ليفضح البلاط وقع خطواته؟ شرعت ابحث عن طبيعة ذلك الهسيس الغرائبي الذي عادة ما يصلني عبر اثير صاف، والذي لايمت لاصوات الاحياء والموجودات بصلة، واخمن ما يمكن ان يدور في رأس ذلك الكائن (هل له رأس) ضحكت من نفسي وانا اتصوره بقامة متوسطة، رشيقة، تستند على ساقيين رفيعتين، وله صوت شبه محبوس في مكان ما من كيانه السراني. في محاولة لتصور هيئته، لم استطع تمثله سوى بهيئة طيف مضبب، وغير مرة، رسمت في مخيالي بروفيلا غير واضح الملامح والقسمات لوجهه (وهل يمتلك وجها؟).
(5)
مررت على صديقتي رجاء في بيتها الذي يظاهر بيتي ويطل على الشارع الخلفي. وبما تسنى لمخيلتي من قدرة على الوصف، جعلت اصف الكائن. قلت: انه يتواجد حوالي اينما حللت. هذا ما اشعر به. سميته ( كائن الفراغ ) ما ان اكون ضمن مداره، حتى تتضوع رائحة زكية كأنها تفوح من باقة زهور كاردينيا، او من زنابق شجيرة شبوي لحظة تفتحها.. عطر مُسكر يتنوع كل مرة. ما ان أحسه قريبا مني، حتى ارهف أذنيَّ، مصخية لهسيس خطواته المحترسة التي لها وقع مؤنس، اثير. انه اقرب مايكون إلى كائن واقعي. ما ينقصه في تصوري هو الحضور الملموس حسب.. لو حدث مثل هذا، فسيتجسد امامي من لحم ودم لامحالة. ربما هو ( ظل شيء ما ) او بحد ذاته مخلوق ذو نور شفيف لايبصر!
تأففت رجاء وهي تقول: ان عقلك ذهب بعيدا.
قلت بيأس: يالتعاستي! انك لاتفهميني جيدا. الاحرى، لا تصدقين ما اقول.. من المستحيل فك شيفرة هذا التابع الغامض الذي يتبعني مثل تموجات مجهولة العناصر والمصدر. لست واهمة ياناس.. انفاسه تكاد تلفح وجهي!
ربتت رجاء على كتفي بعدما لمحت عينيَّ وقد اغرورقتا. اضفت بعد ثوان: حسنا، ما رأيك بما سأذكره الآن؟ ليلة امس وقبل موعد النوم بقليل، إرتفعت درجة حرارتي على نحو مفاجىء. بدا لي ان الامر حصل دون مقدمات. خمنت ان درجة حرارتي بلغت ألـ. 40 ألقيت رأسي المحموم على الوسادة. كنت اعوم في سكون مطبق. اثناء ذلك، ونظري المشوش معلق بالسقف، احسست بمن يضع على جبيني ( كمادة طبية رطبة) جمدت. لم احرك ساكنا. بعد وقت قصير، إنخفظت حرارتي. عندها شعرت بضغينة تجاه نفسي: إذ كيف إعتقدت احيانا انه ربما يكون فظا، مسخاً وشرانيا؟
(6)
لم يستمر الحال على ما هو عليه.. الحال الذي إرتضيته عن رضا محترس تارة، وعن مضض تارة اخرى. اليوم، وبعد قليل من عودتي للبيت، حدث ماكنت اخشاه.. لقد بدأ يتحول إلى تابع ثقيل الظل. صار يتمادى. هو ذا يحشر نفسه في ادق شؤوني، إذ راح يغير اماكن حاجاتي بما يملي عليه مزاجه، فلقد وجدت فرشاة ومعجون الاسنان على وسادتي، بعدما كنت اضعهما كالعادة على حافة مرآة الحمام، ووجدت مكنسة القش موضوعة فوق منضدة الكتابة، وهي التي كنت اضعها إلى جانب حاوية النفايات، لصق الباب الخارجي، ويالصبري! لقد وجدت السشوار مغمورا في علبة العسل!! هنا طار صوابي. انه يتعمد إرباك نظام حياتي. ليس ثمة تفسير آخر. ربما اصيب بمس.. لِمَ لا؟
انه كائن حي على اي حال.
(7)
في اليوم التالي، كررت زيارتي لرجاء، هذه المرة كنت مستاءة جدا. فضفضفت عما يمور في صدري بعجالة وبانفاس لاهثة، إثر إصغائها لي باهتمام، قالت: سأسايرك فيما ذهبت اليه يا غاليتي، وسأفترض انه موجود.)
تساءلت بتبرم وبشيء من الحنق: كيف تفترضين؟ انه يحوّم حوالي في هذه اللحظة التي اكلمك فيها.. احس به يجلس لصقي. مرة دمثا، كيسآ ( لأكن موضوعية ) ومرة اخرى مشاكسا، وقحا اكثر مما أحتمل. تصوري، لقد تبعني هذا الصباح وانا ادخل دورة المياه! اعرف انني اثير التقزز، ولكن ماذا انا فاعلة إذا كان مثل هذا الامر المزعج هو الذي حصل بالفعل؟
بهدوء مفرط، علقت رجاء: هذا ديدن من يدخلن نفق سن اليأس- الوحيدات منهن خاصة – يتخيلن اشباحا بهيئات غرائبية، تارة بوجوه سريالية، وتارة ثانية بوجوه رجال وسيمين لهم كاريزما لافتة.)
قلت بتهكم: يالعبقرية تحليلاتك يا وريثة فرويد.
اردفت وهي تضع ساقا على ساق: هوذا بعض حصاد مطالعاتي لمختلف النظريات التي اكدت على مبدأ (الحلولية في الذوات) خاصة في الذوات القلقة.) خطفت حقيبتي بعصبية مغادرة المكان: لتبقي اسيرة تخرصاتك الميتافيزيقية!
باي.. باي.
(8)
جاءني صوت شقيقتي من هولندا عبر المحمول. اخبرتني بغبطة غامرة انها عثرت لي على زوج مثالي (( في اي شارع وفي اي نفق مترو عثرت عليه؟)) تساءلت ضاحكة وبتهكم. جعلت الاولى تُجزل في مديح صفات فارس الاحلام المقيم معهم في العمارة نفسها، ثم ختمت حديثها: خذي الامر على محمل الجد. لاتكسري خاطري..
انها فرصة العمر لاتضيعيها.)
قلت مجاملة: سافكر في الموضوع.. اعاهدك بذلك.
يبدو ان المكالمة تلك، تناهت لسمع الكائن.. فعلى إثرها غدت الحركات حولي اكثر صخبا وعدائية، وسرعان ما سمعت صدى ضربة غشوم اطاحت بمحتويات أرفف الكاونتر! تهشمت اطقم الصحون والاقداح وقطع الكريستال الثمينة (( ياإلهي!)) إتصلت للتو برجاء. وصلها صوتي على ايقاع لهاث مضطرد.
إهدأي، ساكون عندك بظرف دقائق.
عندما وصلت، رميت نفسي على صدرها ناشجة: سيحطم كل شيء! وفي النهاية سيحطم حياتي! انا على شفير هاوية!
(9)
عندما تطلعت في المرآة صباحا، بعد ليلة مؤرقة لم اغف خلالها اكثر من ساعتين، اظهرت الاخيرة لي مدى شحوب وجهي وبياضه (( لاشك انني مريضة )) شعرت بكراهية نحو نفسي، بل نحو العالم بأسره.. لماذا يحدث معي كل هذا دون سائر العباد؟ هل ينوي اللعب باعصابي لعبة القط والفأر الماكرة؟
انه واهم، بل شديد الغباء.. انا لست فأرة عاجزة، لديَّ مايكفي من العناد والشراسة. سألقنه درساً إذا ماتمادى وحاول لمسي بأذى، اوحتى الاقتراب مني بوصة واحدة. إذا ما تمادى ( اقول إذا ما..) فسأشبج رأسه بالساطور. ربما ثمة من يقول: لن تفعليها.) انا أؤكد باصرار: سأفعلها.) نياته مكشوفة. انه يبغي دفعي للجنون، ولكن هيهات.. انا التي سأجعله يولي وجهه الادبار ويتوه في ديار الله تلاحقه لعناتي.
اجريت جردة ذهنية سريعة، كأنني امام حِسكة شعبية: سابيع البيت بأي ثمن والتحق للفور بشقيقتي، او سأوظف مذ الغد (بودي غارداً) لحمايتي. سأوفر له كرفانا خاصا، وسأجزل العطاء له كيما يكون العين الساهرة والامينة لي. بيد انني في نهاية الأمر الفيت ان كل فكرة طرقت ذهني كانت واهنة لايعاضدها واقع.
(10)
راجعت طبيبا نفسانيا، وبعد ان شرحت له معضلتي، إنفرج ثغره عن إبتسامة خفيفة، من ثم قال وهو يعدل ربطة عنقه: اكثر ما نخشاه نحن اخصائيي التأهيل النفسي، هو ان يصل الشعور بالمرء انه بات قاب قوسين من العدم، فمثل هذا الاحساس يدفع بصاحبه نحو حافة اليأس، تاليا، تستحوذ الرغبة عليه بالانتحار بغية التخلص من وطأة افكار سود اخذت تحفر اعماقه بازميل باشط مسنون!
سألت بقلق: هل تعني انني على اعتاب حالة كهذه؟ ارجوك كاشفني بصراحة.
كلا، كلا بالطبع.) رد بسرعة مردفا: انا اتحدث هنا بعمومية.
قلت وانا افرك اصابعي المعروقة: انا إمرأة مثقفة يا دكتور. اكتب النقد واقرض الشعر احيانا، وانشر قصصا للاطفال. متفأئلة بطبعي على الرغم من انني بلغت السابعة والاربعين.) بعد ان اتممت كلامي، ناولني قنينة ماء بارد، من ثم فرقع خلاصة رأيه بوجهي كما لو يتحدث عن إكتشاف توصل اليه للتو: ان كل ما تصرين على تسميته واقعا، هو في الحقيقة محض تهيؤات من بنات الخيال.)
نهضت حانقة: لو كنت اعرف انني سأسمع منك هذه الخلاصة، ما وطئت عتبة عيادتك.)
بوغت الرجل بموقفي. غادرت العيادة وانا أدردم: تهيؤات، اوهام، اضغاث.. لتذهب كتبكم النفسية إلى محرقة الجحيم!
(11)
يممت وليا صالحا بعد ان نصحتني جارتي المسنة بذلك. زودني الرجل ذو الوجه النوراني المتوج بلحية شهباء خفيفة، بحجاب على شكل مثلث، طالبا مني حرزه داخل منديل معطر بماء الزعفران، ووضعه تحت وسادتي. إثر ذلك، إنصرمت ايام عدة دون ان اشعر بنأمة لكائن الفراغ. تساءلت غير مصدقة: هل اتى حجاب الولي اكله حقا؟
(12)
تجولت في سوبر ماركت المنصور عصرا. إبتعت حزمة بالونات وعلبتي حلويات وقنينة عطر فرنسي واشرطة زينة.. فضلا عن كاسيت غنائي ضم بين محتوياته اغنيتي المفضلة (عقبالك يوم ميلادك) ولكن بسبب قلقي المتفاقم جراء وضعي الاشكالي، صرفت النظر عن فكرة الاحتفال بعيد ميلادي الذي سيحل بعد يومين، ثم – وكما لو تذكرت خاطرا منسياً- تساءلت مع ذاتي: من سيشاركني فرقعة البالونات، وقطع الكيكة، وإطفاء الشموع؟ قطة البيت الكسولة التي تمضي جل يومها تفلي فروتها المقملّة على ثيل الحديقة، هي وحدها المرشحة لمشاركتي المناسبة، وتلك بحد ذاتها مسخرة أنأى بنفسي عنها.
(13)
طلبت اجازة من العمل لمدة اسبوع. قرَّ عزمي على تغيير رتابة ايامي الموتورة، علني اتخلص من وطأة وجوده وامحوه نهائيا من تلافيف ذاكرتي. تنزهت يوم السبت في جزيرة الاعراس، وامضيت الأحد اتنقل بين اكثر من صالة سينما، ومشاهدة اكثر من فيلم، كيما اصدّع رأسي. سحقت ساعات نهار الاثنين في سفرة إلى بابل الاثرية. هناك رأيت جذاذات الجنائن المعلقة التي شيدها العاشق البابلي لحبيبته القادمة من الجبال القصية. في اليوم الرابع، وليت وجهي صوب منتجع بحيرة الحبانية.. فوق رمال الشاطىء، شيدت اكثر من كوخ وقصر، بيد ان مد العصر مالبث ان دفع بامواجه، فهدم كل مابنيته بطرفة عين! نقلت بصري هنا وهناك. تمليت وجوه السياح.. من يدري؟ ربما هو ذاك الشخص الذي يمشي الهوينا وحيدا قرب لسان الامواج، او هو ذاك الرجل الذي يدعي النوم أمام فلته، تحت الشمس الفاترة وقعبته الخوص نازلة حتى قصبة انفه.. هناك، نسيت امر الكائن. تنزهت بين الناس باحساس مفعم بالامان والاسترخاء. كنت كمن ازاح حملا ثقيلا عن كاهله.
في مساء اليوم الخامس، عدت من سفرتي. دخلت المنزل على اطراف اصابعي، وما ان القيت بجسدي على الاريكة، حتى تناهى إلى سمعي صوته قادما من وراء نصف الباب الموارب: (( ارجو ان تكوني امضيت وقتا طيباً.))
وما شأنك أنت؟ صحت بسخط.
عاد الصوت ليقول بنبرة متمسكنة: يبدو انكِ ضجرت مني.
هدرت محتدة: انت لست روحا من ارواح اجدادي كيما يحق لك الاقتراب مني او الحلول في فضائي.
تهمني سلامتكِ.
ما ان تلقفت عبارته، حتى علقت صرخة إحتجاج في حلقي: (( كيف سمح لنفسه ان يخاطبني بهذا الاسلوب؟ هل بات يتصور انه ولي امري وقبطان سفينة حياتي؟))
انا إمرأة مسالمة لا اعداء لي.. لست بحاجة إلى حماية من أحد) قلت، من ثم توقف الحوار بيننا. عنفّت ذاتي ((ينبغي وضع حد لهذه المهزلة.. وضع حد. ولكن كيف؟ كيف؟)) في ذروة اهتياجي، نهضت باقصى سرعة. نترت حقيبتي ثانية وغادرت المنزل. غادرته إلى حيث المجهول. إلى أين سأولي وجهي؟ لا ادري! كانت الدموع المنهمرة هي عنوان وإمارة فضيحتي في الشارع.
























