المفارقة ترسم في كل مرة – اضواء – فاطمة الحسيني

أحلام عبد الستار إبراهيم الساخرة

المفارقة ترسم في كل مرة – اضواء –  فاطمة الحسيني

  ابتداء من خطوة الغلاف حاول الكاتب ان يلعب على وتر اللغة حين استعمل مفردة ( حلم ) التي يمكن ان تقود الى احد اتجاهين ،  اما الرؤيا مما يحلم به النائم ، واما الامنية مما يراود اذهان المفجوعين بحظوظهم ، وقد نجح في المزج بين الاتجاهين بحكم ما يتوفر عليه من مخيلة قاص متقدة على الرغم من ان نجاحه كان موازياً لفشله في اختيار هذه المفردة تحديداً ، لان نصوص الكتاب توزعت على مجموعة من الامنيات او الاحلام المصّرح بمعظمها علانية ، وبذلك كان الاجدر ان يصبح العنوان ( نثار احلام ) لانه حقاً كذلك !!

  عبدالستار ايراهيم ينتمي الى قبيلة المبدعين، وهذه القبيلة معروفة جداً بشراهتها واطماعها التي لا تمتلك حدوداً نهائية للتعبير عن ذاتها ، ومن هنا تجد الواحد منهم لا يكتفي بشرف الشعر ، بل يسعى الى ضمّ امجاد الرواية  تحت جناحيه ، ولا تكفيه مملكة الموسيقى بل يهفو الى مملكة الرسم كذلك ولو قدر احدهم على الجمع بين الفنون مجتمعة والاداب مجتمعة ، والافكار والفلسفات مجتمعة .. ما تردد لحظة … فهل يفسر هذا عناية ابراهيم المتأخرة نسبياً بفن المقالة الساخرة ، بعد ان اثبت حضوره المتميز في ساحة القصة القصيرة عبر العديد من المجاميع التي رات النور او التي في طريقها الى الصدور ، وعبر اكثر من جائزة حصدها من مؤسسات رسمية واخرى اهلية رصينة ، وبعد ان اثبت حضوره كاتب عمود ثقافي نوعي يكشف عن قارئ فهم ومتابع جاد لحركة الثقافة ، وبعد ان اعطى غير دلالة تنم عن اقترابه من ميدان التحقيقات الصحفية … ابنُ هذه القبيلة ووارث مزاجها وتكوينها لم يقنع ، ولم يكتف بما بين يديه ، فأذا به يطلع علينا بهوية جديدة يصعبُ نسبتُها الى فن بذاته فهي ( صحافة وادب وسخرية ) ، وان كان الكاتب الساخر في هذه الخلطة السحرية اكثر وضوحاً ، لانه اتخذ من لغة الادب والصحافة ( بعد دمجهما) وسيلة الى اعلاء كلمة السخرية !!

  وقد لا يعنينا كثيراً مناقشة ما تطرحه هذه الاحلام الذاتية منها والموضوعية من دوافع مشروعة ، ليست مستحيلة ولا صعبة التحقيق ، بقدر ما يعنينا انها لم تتحقق ولو بالحد الادنى ، ففي هذا التعارض المأساوي بين امنيات بسيطة ، مشروعة ، قابلة للتحقيق ، ولكنها لم تتحقق ، يكمن احد ابرز وجوه السخرية غير الظاهرة للعيان ، حيث استطاع المؤلف استغلالها او توظيفها بسخرية مرة صامتة تدمي القلب لانها تأوهات واوجاع …  واعتراضات نقدية تجعل القارئ ، يرقص على طريقة الطيور !

 أشدد القول على ان الكاتب سخر مواهبه القصصية واهتماماته الثقافية وخزينه المعرفي وعلاقاته الانسانية للنهوض بنصوصه الساخرة وتجربته الجديدة في الكتابة ، مع الانتباه الى انه قد وقف في منطقة مستقلة بعيدة عن معظم الكتاب الساخرين في العراق الذين اولوا عناية للمفردة او العبارة ذات الايقاع الصادم ، واعتقد بلا تردد ان اجمل اساليبه الساخرة هي التي تقوم على الفكرة او المضمون وليس المفردة ، وربما كانت مقالته ( اعادة الارشيف اليهودي) من اكثر الامثلة وضوحاً على هذا المنهج!

 سؤال قد لا يخلو من نمطية ولكنه بالغ الاهمية : هل تخلى عبدالستار ابراهيم عن جديته التي عهدناها في مجاميعه القصصية ومقالاته الثقافية ؟! والجواب بكثير من الايجاز: ان الكاتب وهو غارق في المزاح والمداعبة والسخرية ينتفضُ فجأة ليكشف عن وجهه المتغضن بهموم الجدية والمسؤولية ، فهو حيثما بلغ الخاتمة يترك لدينا قناعة غير مرئية ، أن لا شيء من دون دلالة او اشارة او قصد ، وانه لا يمارس السخرية الضاحكة في سيرك وانما في قاع جهنم وان هناك هدفاً يراد الوصول اليه عبر واسطة نقل ممتعة اسمها السخرية ، وهذا يعني في الوقت نفسه ، انه يقلب قناعاتنا القديمة التي تقول ( كل شيء في خدمة السخرية) ، الى قناعات جديدة تقول ( السخرية مجرد وسيلة لبلوغ غاية ) ، ويرسخ هذه المقولة في عقولنا ونحن نقرأ      ( سيارة ونستون تشرش) لكي نكتشف منْ يقف في خدمة منْ ، وهذا هو الطابع العام لمجمل النصوص باستثناء مقالتي ( دع الضيف يدخل) و( رسالة لم تصل الى جليل القيسي) اللتين حُشرتا على المجـــمـــــوعة ، لانهما مرثيــــتان موشومتان بالأسى الشفيف!

 نصوص ابراهيم تعتمد على ما يمكن الاصطلاح عليه بالمفارقة التي ترسم في كل مرة نوعاً من الكوميديا السوداء ( عندما وصلتُ مدخل شارع المتنبي الفيتُ حراس نقطة التفتيش يغطون في سباتهم … ص14) ، بلغة مكثفة يقيم المؤلف مفارقته الجميلة بين ( حراس نقطة تفتيش ) وبين ( يغطون في سباتهم ) غير ان ذلك يغيب عن اسلوب الكاتب احيانا ، ويأخذه الاستطراد الصحفي والقصصي الذي يفسد اناقة المضمون واكتماله ، ففي مقالة ( ساعاتهم وساعاتنا) كان على المقالة ان تنتهي عند المقارنة بين ماساتنا الحضارية وبين الق الحضارة الاخرى لكي تحقق المفارقة حضورها عبر ما اسميناه الكوميديا الســــــوداء ، ولكن المــؤلف – مــــن دون ضرورة فنية  يستدعي عامل المقهى ويفتعل معه حواراً ويقـــحم اغنية لداخل حسن..!

 المقالة كما هو معروف لها اشتراطات ، من بينها طبيعة العنوان واسلوب صياغته ، واعتقد ان المؤلف لم يول نصوصه ما يكفي من العناية والاختيار فهي اما طويلة اكثر مما يجب بحيث تبدو وكأنها عناوين اكاديمية ، احداها تألفت من( 8 كلمات) ، واما تفتقر الى روح الانسجام مع هوية المقالة الساخرة ، واما موغلة في الايضاح والانحياز على غرار ( مكالمة مع الموسوعي زهير احمد القيسي ) ، فمفردة (الموسوعي) اطراء يستحقه الرجل ولكنه في غير محله هنا، و(زهير احمد القيسي) افقد القارىء متعة التلهف لمعرفة الشخصية ، ولو جاء العنوان على النحو التالي مثلا ( مكالمة مع القيسي ) لاقتربنا كثيراً من شروط العنوان ، وتقودنا الاسماء الى محاولة الكاتب منح نصوصيه اكبر قدر من الواقعية التي تخدمه في الوصول الى المفارقة ، ومن هنا وردت عدة اسماء كان استعمال بعضها مخيباً للامال ، فهو يذكر شخصاً كنموذج للشريحة المعدمة مالياً اسمه ( سعدون هليل) ، وهذا المعدم يتحول في ( مفارقة ) الكاتب الى صاحب سيارة حديثة من افخر الموديلات واغلاها ، ولكن الذي فات الكاتب ان السيد هليل غير معروف الا في اطار محدود جدا ، وليس هذا انتقاصا من شخصية سعدون هليل المعروفة لمن يعرفها برزانتها وثقافتها ولكنه اعتراض على الكاتب لانه لم يختر شخصية معدمة ولكنها معروفة ومشهورة ثقـــافياً وجماهيرياً على نطــــاق واسع ..

 بقـــــدر ما أحزننـــي ان الكـــــاتب على ما يبدو دفع نصوصه الى الطــــبع من دون مراجعة ، او لم يتابعها في اثنـــــاء الطــــبع فظــــهرت حافلة بتكرار بعض المفردات التي اضرت  بالاسلوب ، وحافلة بكثير من الاخطاء على غرار(أحاطا جان وعقيل ،ص15 /س11) وصوابها ( احاط ) ، او ( ساقين مرنحين ، ص15/س12) وصوابها مترنحتين …أقول بقدر ما أحزنتني  هذه الهفوات ، فقد ابهرني المؤلف الى حد الاسعاد وهو لا ينفك يحلق ويبتكر ويحقق نجاحا غير متوقع في اول تجربة له من نوعها ، وقفتْ به او وقف بها على قدم المساواة مع تاريخ عبدالستار ابراهيم الحافل بالمجاميع القصصية والمقالات الثقافية والرصد المتواصل لحركة الادب …