حزن السنين – نصوص – إبراهيم خليفة‮ ‬

حزن السنين – نصوص – إبراهيم خليفة

لازال رقصنا في يوم تشييع أخي الكبير يؤلمني وتدمع عيني وأنا اكتب هذه الكلمات ،فالشاب الذي يقتل ولم يتزوج يجب زفة إلى مثواه الأخير ،يجب وضع الشموع والحنة والجكليت في صينية ووضعها بالقرب منه ،اليوم حنته وغدا زفته !

لازالت هلال أمي وأخواتي ودموعهن التي تنزل لا تغادر مخيلتي ،رقص أمي بدشداشتها البيضاء والهلاهيل التي تحشرجت من فمها ،الجكليت والتمن الذي كان يرمى على العريس في تابوته والذي امتزج بالدموع واللطم:

أحجي وياي أوليدي ،حاجيني ردي علية ليش ساكيت يمه ؟!

أحجي وياي ،كلي ها يمه ،وين رايح بعد وكت ،ردتك تدفني بيدك مو اني ادفنك

حين طلب مني أبي إحضار جثته من المزبلة التي وضعت بها قبل أن تصل إلية الكلاب وتنهش لحمة ،أدركت إن أخي قد مات ،فكلمة جثة لا تعني إلا شي واحد فقط :الموت

حينما قالها أبي “جثة أخيك “..تعالت الأصوات بالصراخ والبكاء ،ولازلت اذكر إحساسي في هذا الموقف ،خليط من الشعور بالحزن وعدم التصديق وعدم اللامبالاة بكل شي !

أحسست أن قدماي لا تستطيع أن تحملاني فسقطت مغشيا على نفسي ،ارتميت على الأرض ،قبضت على يدي وبدأت اضرب الأرض بكل قوة ،وكأنني أنتقم من الأرض التي سيرقد بها أخي بسلام بعيدا عنا ،بعيدا عن غرفته الصغيرة ومكتبته ،بعيدا عالم المجرمين الذي لم يتحملوا هذا البياض الذي يسكن روحه ،فإذا حضرت الشياطين غادرت الملائكة ،لذلك كان لابد أن يغادر ،ولكن ليس بهذه الطريقة !

حين وصلت إلى المزبلة التي قال لي أبي أنه مرمي بها كما أخبره القاتل في أخر مرة بعد أن عجزنا أن ندفع المليون دولار .وجدت أخي ،كان نائما نومه طبيعية لولا الدم الذي يحيطه من كل جانب ،كان عندما ينام يضع كلا يديه على بطنه وينام ورأسه مائلاً إلى الجهة اليسرى ،هكذا رأيته ،أنه نائم الأكثر ! استقرت ثلاثة رصاصات واحدة في صدره ،والثانية في فخذه الأيسر والأخيرة في بطنه وأتصور أنهم بدأوا بإطلاق الرصاص من الأدنى إلى الأعلى كي يزيدوا من عذابه وأوجاعه في لحظاته الأخيرة !يداه مقيدتان بحبل غليظ لم أستطع أن أفكه بيديه ،حاولت أن أستخدم أسناني ويدي ،لم أستطع أن أفعل شي ،بحثت بالقرب منة عن شي أفك به قيوده فوجدت بطل من الزجاج كسرته وقطعت حبال يديه ،في أثناء محاولتي لقطع الحبال لاحظت أن سبابته الوحيدة التي كانت واقفه ،أتصور أنه نطق الشهادة قبل أن يلفظ أخر كلماته في هذه الحياة كيف كان شكله وهو يستقبل ربه ،هل توسل بالقتلة أن يتركوه يتزوج ممن أحبها ،هل قال لهم أنة لم ير في الحياة أي شي ،الشيء الوحيد الذي رأه هو قلب امرأة صادقة أحبته بالرغم من فقره ،هل قال لهم عندي أب وأم لن يتحملو ا موتي ،عندي حبيبة لا تستطيع ولا استطيع أن أعيش بدونها ،لكنني أتصور أنه لم يقل لهم أي شيء ،لأنة عرف أنهم لم يمروا بتجربة حب حقيقة استطاعت أن تنتشلهم قبل أن يتحولوا إلى كائنات متوحشة تلبس قناع فتبدو كبشر مثلنا ،لا أتصور أنه قال لهم شي …أتصور أنه تبسم والرصاص يحتضن جسده ،وقال والابتسامة لازالت مرتسمة على وجهة بالرغم من خروج الدم من فمه وأنفه :

فزت ورب الكعبة !!