الإنسلاخ والولوج في هذيانات الذات المتأزمة – اضواء – حامد عبدالحسين حميدي

غواية السّاعات لعدنان الفضلي

الإنسلاخ والولوج في هذيانات الذات المتأزمة  – اضواء – حامد عبدالحسين حميدي

لم يكن مجرد هذيان ، انما هو بوحٌ ينسلخ من جسده المتخم بإرهاصات متساقطة من اتون ما كانت تغصّ به ، تلكم الاشارات التي اطلقها دون ان يلتفت الى الوراء ، ولأنه يدسّ نبضاته العفوية من ابتسامات تسلقت جدرانه المنبسطة في رغوة الوقت ….( عدنان الفضلي ) شاعرٌ يسجل حواسه التي تطوق رتابة الوقت لديه ، وهو يزحف نحو احلامه المؤجله في مواجهة ٍ ما .. انه يعيش حالة من التجوّال في الاماكن التي يشدّ اليها رحاله عله يجد ضالته هنا او هناك .. ليترك انطباعاته بكل شفافية دون ان تجرح الاخر بأشواكها .. هو ومجموعته الشعرية ( غواية الساعات ) تلك الغواية التي اغرته بالانسلاخ مما هو فيه ، والولوج في اعماق الاخرين وقراءة ما يدور في افكارهم وخوالجهم التي نخرتها الذاكرة الصدئة ، وهي تلتهم شتات الضياع وسط الفراغات غير المعلنة .. هذه المجموعة فيها : الحضور العفوي الذي طوّعه الشاعر لأجل تحريك المفردات والتراكيب بانسيابية ، انه شاعر جوّال يلتقط مفرداته وتراكيبه من حضور يومي والمتابعة ، وكأني اجده في كل مكان مع الناس البسطاء والمعدمين ، في المقاهي ، والمطاعم المنزوية ، والأسواق ، في المكتبات وغبار اتربتها ، والمتاحف وغثيانها ، انه يعيش حراً طليقاً ، لأنه اختار ذلك وله الحق فيما يراه هو .

في قصيدته ( لا أنثى على حبل غسيلي( أجد أنساناً يفتح ذراعيه للسماء علها تهبه ما يتمنى من راحة ابدية / اجد مقاتلاً يستنجد بما في داخله من بقايا متوالدة / اجد حبيباً يحاول ان يقترب ممن أحبها دون ان يمسّ عذرية القصيدة / أجد تلكم النبضات التي حفرت ضرباتها في ناقوس الوقت صداها هو ذا الفضلي

كنت أعيش قصيدة تلاحقها الديوك والديون

أدسّ بها .. نبضة عفوية ..

تخترق الوقت لتقتل تجاعيد الجدران

حتى موعد إبتسامتك ..

تلك التي جاءت بطعم نون اخيرة

كانت رغوة الوقت الضائع ..

الوقت لدى الشاعر يشكل نقطة ارتكازية / انطلاقية ، انه الدلالة التي من خلالها يشعر بها منفرداً دون ان يجد الاخر معه ليشاركه الهمّ نفسه ، وليبوح له عما يدور في خواطره التي اعلنها ( كنت أعيش / أدسّ ) وهو يرمي بأعبائه وراء جدران الزمن .. التركيب الذي استخدمه الشاعر الفضلي ( الوقت الضائع ) لعله اشارة منه الى (جماعة الوقت الضائع / الأدبية ) تلك التي شاعت في بغداد سنة 1946 ، والتي حظيت باهتمام واسع من قبل الكتاب والنقاد العراقيين والعرب ، لما شكّلته من انعطاف وأهمية في مسار الحركة الثقافية العراقية المعاصرة انذاك .. احلامهم وأمنياتهم ما هي إلا ضياع وخراب ، وهم يتنقلون من مكان الى اخر ، بحثاً عن النفس التي اصبحت مجرد اوهام ومعاناة يومية متكررة ، تلتهمها المطاردة والاجتثاث ، دون ان تجد لها مأوى تلجأ اليه . شعارهم ( فلنرفض الآخرين قبل أن يرفضوا الوقت الضائع ) .

لم أكن لأمطّ حواسي لأبعد منّي

لم أمتلك وقتاً أو مطعماً لتناول احلامي

لم أكن معنياً بالمسامير ..

حتى تلك المزروعة في جسد ( المسيح (

لم أكن .. من الذين يولدون او يموتون

فقط .. حفنة هذيانات ..

النفي بالأداة ( لم ) في التراكيب ( لم اكن / لم امتلك ) اعطت ايحائية في بث التناغم التكراري والصياغة المتوالدة ، فهي عبارة عن ولادة وموت ، وعن هذيانات متساقطة ، لم يملك أي شيء سوى ما في ذاكرته التي بدأت تجسّ التصدعات التي يتعرض لها ، والتي جعلته عرضة الى الانشقاقات النفسية المزروعة في داخله وهي يرى نفسه معلقاً كـ ( المسيح ) تنغرز في جسده ( المسامير ) دلالة منه الى مطبات الحياة القوية .

كل قصائدي ..

سأكتبها ابتغاء مرضاة صدرك

ولا مجال لقصيدة أنذرها ابتغاء وجه الشعر

ولن أترك سطراً ..

يبتسم لغير تدويرة ثغرك .

انه يجد متاهاته في الاخر الانثوي ، الذي له التأثير الدلالي في اشاعة روح الغبطة والسعادة ولملمة الشتات ، فالقصيدة انثى ، والابتسامة انثى وكل ما يدور في ذلك الفلك انما هو انثوي بحتّ ، ولا مجال آخر هناك .. اذا / هي ازمة ذات متصارعة في اثبات كيان يعاني من تصدعات تارة ومن تجاذبات اخرى ، وهي بذا تبحث عن روحها التي تهيم وعلى الرغم مما هي فيه من معاناة .

أما في (عائلة الوطن الأخير) الفضلي ، يضع ما يراه هو لا غيره في وجوه متعددة ( جده / جدته / امه / ابيه / وأخيراً نفسه ) تأزمات وقلق وغرق في ماض ٍ.. يقضّ مضجعه ، وهو يعلق اقتراحات نهاره عليها ، ونزقه في اسواق الرغبة ، وكتاباته فوق مئذنة ، انه وريث شرعي لسلالة / عائلة ، آلت على نفسها ان تكون وطناً كما رآها هو :

وجه جدي..

يغمز الحقول والعباءات

ويمدّ عصاه..

لينقذ مدينة غرقت في السراب

…………………….

جدتي..

تغزل مرايا كل الوجوه

وتطعم الذاهبين الى الحرب

أهازيج مدافة بالعراق

تصنع أرغفة تشبه الخرائط

………………

أمي..

مسلّة اهدروا دمها

تبلل نارها باسم رجل

علّ بني في مصانع النزق

فتلقفتني اسواق الرغبة

………………

أبي..

اله ضجر صمته

كلما شاخ دمه..

تفصدت قطرات جبهته

يزفر يومه..

………………

أنا..

وريث النهارات السمر

نثرت قصاصاتي..

فوق مئذنة راقصة .

هذه الهرمية شكّلت لنا امتداداً في هذيانات عالم لم تنقشع عنه ضبابية الاتجاهات المتشابكة في خرائطية مجهولة ، فالشاعر الفضلي صورة مشتركة لـ ( جده ( آدم ) / جدته ( حواء ) / امه ( حواء ) / ابوه ( آدم ) ) فهي صورة توحّدت فيها كل موروث انساني ، وهي تحمل سمة الارتباط التجذّري لذلك الانسان السومري ، هذه التناسقات الخطابية التي احالتنا الى ان الشاعر ( الفضلي ) يبحث عن ذاته في عائلة الوطن ، جده صورة ( الحقول / العباءات / والمدينة الغرقى ) وجدته ( مرايا / اهازيج / ارغفة ) و امه ( مسلة / نار ) وأبي ( اله ضجر ) وأنا ( وريث النهارات السمر ) هكذا يرى ( الفضلي ) ذاته المشبعة بالانزياحات المتداخلة فيما بينها دون ان تتصادم تلكم التقسيمات المتفرعة ، انه كيان واحد ، لا حدود له ، لأنه وطن وعائلة واحدة .

أما في ( ربيع أجلّته النوافذ ) انها نظرة من ثقب باب هشيم ذاكرة وطن / حيث حاول الغرباء ان ينهشوه على مرأى ومسمع الجميع ، ان يحولوه الى مداخن تبثّ ظلمائها لتتعرى كل الحقائق امامنا دون ان نجد لها مبررات مكشوفة وواضحة ، انه البحث عن ( الذكرى ) الضائعة ، في متاهات الخراب والشتات ، ( الفضلي ) .. يتفرّس / في الوجوه ، علّه يجد منفذاً له للخلاص ..

الغرباء ..

مضغوا اسم وطني ..

مدافاً بشتات الرماد

بعد ان نصبوا ..

مصائد للأفكار الخضر

لماذا .. القدح المعلّى ..

يرفعه الساقطة انباؤهم

……..

الناهشون .. افواه النوافذ

يعرّشون ..

كمداخن منهكة

تسربل دخانها ..

حتى لاكتنا الظلمة

لماذا الآن ..

هما الحيرة والتساؤل اللذان يقرضان اسمال الحقيقة ، حينما يكون الامر محاطاً بهالة من الغياب / التهميش الذي يحوّل الاشياء الى مظلمات متراكمة سوداوية اللون ، فالغرباء هم انفسهم الناهشون ، الذين يمضغون اسم الوطن / وهم يلوكون الظلمة / وهم مصائد الافكار / ومداخن منهكة / هم شتات الرماد .. الذي احال الوطن الى اغتيال وتهريب ، ومصادرة حقوق ، وإنكار للذات المستقاة من ذلك الربيع المؤجّل ..

أما في قصيدته ( مسطولاً ) نجد اكوام حطب لأبجديات وقراطيس ، لإنسان .. فكره ضائع في دهاليز الواقع المريض / المأساة .. انه صورة مؤلمة ، تثير فينا احياناً النفور والاشمئزاز والكره الواقعي الساخط ، لأنها تمثل التناقضات الحياتية التي تنبعث منا دون ان نشعر بها .

قراطيسه تعجّ بحطب الابجديات

وحين تنتهي معصيته ..

سيترك فحولته تموت جوعاً

على حساب نظرة ماضية

وسلة تحتوي متاع انهياراته

فهو : في سكرته الاخيرة

خال نفسه ..

ايّة ابجديات هذه ، انها ابجديات فحولة تعاني من اضطرابات هرمونية عالية ، لأنه آثر ان يتركها تموت جوعاً ، دون ان يرمم انهياراته التي حطمت كل ثوراته الغلوائية المتأزمة ، لقد اصبحت على شفا جرف هارٍ في سكراتها الاخيرة ، هذا التغييب المقصود من قبل الشاعر الفضلي ، ما هو إلا أوجاع والآم تآصرية تكونت في ذواتنا المتخمة بسلبياتها دون ان تجد لها بصيص أمل يجذبها اليه .

الشاعر ( عدنان الفضلي ) يدعونا الى قراءة ( غواية الساعات ) الى مغادرة الواقع المريض / السلبي ، والانتقال عبر خطابياته الى وطن يعجّ بنا / واقع ايجابي ، يستحق منا ان نعيش لأجله ، لأنها دعوة صادقة فأنا ارفع يدي الى ( الفضلي ) ملوحاً له بقوله في قصيدته (عقوق المدينة العتيقة ! ) : ( دع عني وعنك هذا العناء ) فالوطن هو : أنت وأنا والآخرون .