نص مركّب‮ ‬يستبدل القوافي‮ ‬- نصوص – قيس مجيد علي‮ ‬

قصيدة الأَطلال للشاعر إِبراهيم ناجي

نص مركّب يستبدل القوافي – نصوص – قيس مجيد علي

الأَطلال بين الرَّمل الصحيح والرَّمل المجزوء …

الأَطلال .. نصٌ مركَّب من قصيدتين …

النصُّ المكتوب عاجزٌ عن اللحاق بجمالية النصِّ المغَّنى ..

الأَطلال قصيدة من القصائد التي نالت شهرتها من الغناء …. شأنها شأن أكثر القصائد التي سارت بهذه الاتجاه … كنهج البردة … ورباعيات الخيام وأراك عصيَّ الدمع … وغيرها لكنَّها ليست بالقصيدة التي ترتقي الى تلك القصائد … لأسباب سنراها لاحقاً في هذا المقال…

بناء القصيدة:-

          بناء القصيدة المكتوبة كان بناءً عشوائياً لا يبدو فيه الشاعر ذا نزعة تمكنيّة تضعه في مصاف الجودة والإتقان .. فبعض المقاطع تتألف من أربعة أبيات وبعضها تتكون من ثلاثة ومقطع يتكون من ستة أبيات ومقطع يتكون من بيتين وبعضها الآخر يخرج فيه الشاعر من البحر الصحيح الى البحر المجزوء … ثم يعود الى المقاطع الأخرى التي تتألف من أربعة أبيات وبالبحر الصحيح وبأسلوب يبدو أحياناً نثرياً خطابيّاً … اذن فالقصيدة لا يمكن عدّها من الرباعيات ولا من القصائد العمودية التي تتخذ الشكل القديم تقليداً لها، هذا من جهة ومن جهة أخرى لا يخلو مقطع من مقاطع القصيدة المختارة للغناء إلا وقد أصابه التغيير .. بعضه أكسبه جمالية عالية عن النصِّ المكتوب وبعضه ترك فيه اثراً سيئاً أخرجه أحياناً الى الخطأ .. فالنصُّ اذن خضع لتحسينات وتبديلات جعلتهُ صالحاً للغناء ومقبولاً في الظاهر لكن أوقع شاعره بكثير من المآزق في النصِّ المكتوب .. فالنصُّ أشبه بمولود ولد ولادة غير طبيعية مما يدلّ على أَنَّ النصَّ لم يلق اهتماما من قبل الشاعر كما كان يفعل الشعراء القدامى. وإلا لما كانت هذهِ التغييرات الواسعة التي سنراها …

التغييرات :-

المقطع الأول:-  …… تبدأ القصيدة (النصّ المكتوب) بهذا المطلع …

يا فؤادي رحم الله الهوى

                   كان صرحاً من خيالٍ فهوى

ففي البيت اسلوبان من اساليب الطلب. أَلا وهما النداء والدعاء بصيغة الماضي الذي يفهم من سياق الكلام والذي استبدل بصيغة النهي في النصّ المغَّنى … فجاء كالآتي..

يا فؤادي لا تسل أين الهوى

                   كان صرحاً من خيالٍ فهوى

فالاستبدال بهذهِ الصيغة وبهذهِ الجملة بالذات (لا تسل) أجبر المستبدل على تخفيف همزة تسأل لمجاراة الوزن .. اضافة الى أن النهي جاء نهياً عن السؤال – للسؤال (أين الهوى) والحقيقة لو قال :-

يا فؤادي لا تقل أين الهوى

                   كان صرحاً من خيالٍ فهوى

لجنبنا ضرورة التخفيف للوزن اضافة الى انه استعمال بسيط وجميل الوقع وملائم، ثم ان افتتاح قصيدة غزل بصيغة من صيغ الدعاء أمر يدعو الى عدم الاستحسان في هكذا غرض. بيد ان اللافت للنظر هو أنَّ هذا الشطر يحتمل تغييرات عديدة بلا تأثير على المعنى …

المقطع الثاني:- في النصّ المكتوب ورد البيت كالآتي:-

لستُ أنساك وقد ناديتني

بفم عذبِ المنـــــاداة رقيـــــــــــــــــق

ويـــــدٍ تمتدُ نحــــــوي كيـــدٍ

                             من خلال الموج مدّت لغريق

فقد استبدل الشطر الأول من هذا المقطع بالشطر الأول من المقطع التالي له

لستُ أنساك وقد أغريتني

                             بالذّرى الشمّ فأدمنت الطموح

انت روح في سمائي وانا

                             لك أعلو فكأني محض روح

فأصبح البيت كالآتي مركَّباً من شطر المقطع الثاني وشطر من المقطع الأول ليكون … لست أنساك وقد أغويتني   *** بفم عذبٍ المناجاة رقيق

ملاحظة:-        في طبعة دار العودة ورد البيت في النصِّ المكتوب كالآتي:-

لستُ أنساك وقد أغريتني

بفم عذبِ المنـــــاداة رقيـــــــــــــــــق

والحقيقة الرواية الأولى أقرب وأصح وذلك لما ورد في الشطر الثاني في القول (عذب المناداة) ولذا تكرار شطر كامل بمقطعين متتاليين ينبأ عن حالة تهدف الى الاطالة لا غير .. وهو سياق تقتفيه القصائد الطوال …

المقطع الثالث:- في النصِّ المكتوب ورد البيت كالآتي:-

لك ابطاء الدلال المنعم

                   وتجنّي القادر المحتكم

في النص المغنى ورد كالآتي:-

لك ابطاء المجلّ المنعم

                   وتجنّي القادر المحتكم

فقد استبدل كلمة (المجلّ) بدل (الدلال) فجاءت ملائمة للمعنى وقد كمَّلتها الصفة (المنعم) لتشكل انسيابية المعنى.

وفي المقطع نفسه وفي النصِّ المكتوب ورد البيت التالي:-

وحنيني لك يكوي أعظمي

                   والثواني جمراتٌ في دمي

أما في النص المغنّى فقد ورد

وحنيني لك يكوي أضلعي

                   والثواني جمراتٌ في دمي

فقد استبدلت كلمة (أضلعي)  بدل كلمة (أعظمي) وهو استبدال منحه جمالية رائعة.

المقطع الرابع:- أَمَّا في هذا المقطع ففيه العجب كلُّ العجب فقد ورد المقطع في النصِّ المكتوب كالآتي:-

أعطني حُّريتي واطلق يديْ

إِنَّني أَعطيتُ ما استبقيت شيء

آه من قيدك أدمى معصمي

لِمَ أُبقيه وما أبقى علي

ما احتفاظي بعهود لم تصنها

والى مَ الاسرُ والدنيا لدي

ها أنا جفَت دموعي فاعْف عنها

إِنّها قبلك لم تبذل لحي

أمَّا المغَّنى فقد ورد المقطع كالآتي:-

أعطني حُّريتي اطلق يديا

إِنَّني أَعطيتُ ما استبقيت شيّا

آه من قيدك أدمى معصمي

لِمَ أُبقيه وما أبقى عليَا

ما احتفاظي بعهودٍ لم تصنها

والى مَ الاسرُ والدنيا لدَّيا

ها أنا جفَت دموعي فاعْفُ عنها

إِنّها قبلك لم تبذل لحي

 ففي النصِّ المكتوب وفي البيت الأول بالذات وردت العروض (يدي) ساكنة وكذلك الضرب (شيء) بينما نجد في النصِّ المغنَّى وردت (يديّا) و(شيا) … قد حرّكت بالفتح واشبعت الفتحة لتكون الفاً، وكذلك الحال بالنسبة للبيت الثاني والثالث إذ اطلقت فتحة القافية الى الألف وهو استبدال رائع منح المقطع جمالية حتى في الموسيقى … أَمَّا البيت الرابع في هذا المقطع الذي حذف ففيه الصدمة الكبرى، وردت كلمة (حي) مجرورة بحرف الجر .. إِنَّ قافية المقطع المكتوب وردت ياءاً ساكنة فجاءت قافية هذا البيت ملائمة وصحيحة، فكيف الحال هنا؟ … هل سيبقى الأمر ضائعاً بين جمالية الاستبدال في الابيات الثلاثة السابقة والخطأ الفادح في البيت الأخير. اضافة الى انه في البيت الأول … حوّلت همزة الوصل في (واطلق) في البيت المكتوب الى همزة قطع في البيت المغنى مع حذف الواو فجاءَ جميلاً جداً.

المقطع الخامس:- في النصِّ المكتوب ورد البيتان كالآتي:-

أين من عيني حبيبٌ ساحرٌ

فيه نبلٌ وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشي ملكاً

ظالم الحسن شهيُّ الكبرياء

أَمَّا في النصِّ المغَّنى فقد ورد كالآتي:-

أين من عيني حبيبٌ ساحرٌ

فيه عزٌّ وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشي ملكاً

ظالم الحسن شجيُّ الكبرياء

فقد استبدلت كلمة (عزٌّ) بدل كلمة (نبلٌ) وكذلك استبدلت كلمة (شجيُّ) بدل كلمة (شهيُّ)، وهنا كان الاستبدال يتماشى مع المعنى المراد.

المقطع السادس:- في النصِّ المكتوب ورد البيت التالي:-

وأنا حبٌّ وقلبٌ ودمٌ

وفراشٌ حائر منك دنا

بينما ورد البيت في النصِّ المغَّنى كالآتي:-

وأنا حبُّ وقلبٌ هائمٌ

وفراشٌ حائرٌ منك دنا

فقد استبدلت كلمة (هائمٌ) بدل كلمة (دمٌ) وهنا استبدال جميل أعطى البيت قوة ابعدته عن النثرية السمجة، اضافة الى أَنَّ كلمة (دمٌ) تثير في النفس اشمئزازا كبيراً.

المقطع السابع والثامن:- هل كانت السيدة (أم كلثوم) تدري بأنَّ النصَّ الذي تغنيه وهو (الأطلال) مركَّب من قصيدتين مُرِّرا عليها بطريقة أو بأخرى، فالمقطعان الجميلان التاليان مأخوذان من قصيدة (الوداع) للشاعر نفسه.

هل رأى الحبُّ سكارى مثلنا

كم بنينا من خيالٍ حولنا

ومشينا في طريقٍ مقمرٍ

تثب الفرحةُ فيه قبلنا

وتطلعنا الى انجمه

فتهاوين واصبحن لنا

وضحكنا ضحك طفلينِ معاً

وعدونا فسبقنا ظلّنا

ملاحظة: حذف من المقطع البيت رقم (3)

* * *

وانتهينا بعدما زال الرحيق

وأفقنا ليت أنا لا نفيق

يقظة طاحت بأحلام الكرى

وتولّى الليلُ والليلُ صديق

وإذا النور نذيرٌ طالع

وإذا الفجر مطلٌ كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها

وإذا الأحبابُ كلٌّ في طريق

والمقطعان كما نلاحظ من البحر نفسه (الرمل الصحيح) الذي جاءت فيه الأطلال، ثم انَّ كلَّ مقطع منهما يتألف من أربعة أبيات اضافة الى التشابه في مضامين القصيدتين.

المقطع التاسع:- فقد ورد في النصِّ المكتوب كالآتي:-

أَيُّها الشاعرُ تغفو

تذكر العهد وتصحو

وإذا ما التام جرح

جدَّ بالتذكار جرحُ

فتعلّم كيف تنسى

وتعلم كيف تمحو

في هذا المقطع أمران …. الأول: استبدال كلمة (الساهر) بدل كلمة (الشاعر) .. أذ ورد البيت في النصِّ المغنى …

أَيُّها الساهر تغفو … والامر الثاني وهو الأهم.. أنَّه تحوّل في هذا المقطع من البحر الصحيح الى البحر المجزوء، وهو أمرٌ لم يرد في شعر العرب قديماً وحديثاً .. قد ترد قصائد اشتملت على بحور أخرى مغايرة لكن أن يكون في البحر نفسه فقد يفسّر على عدم التمكّن في استمرار الكتابة على البحر الصحيح نفسه.

على عكس القصائد الأخرى التي تتخذ من البحور المتنوعة بناءاً لها، فهي دلالة مقدرة وامكانية عالية.

 ثم لا أدري لماذا جنح الشاعر الى استعمال المجزوء في هذا المقطع وعدة مقاطع أخرى ثم عاد بعد ذلك في مقاطع أخرى الى الرمل الصحيح …

المقطع العاشر:- فقد ورد البيت في النصِّ المكتوب كالآتي:-

ومضى كلٌّ الى غايتهِ

                             لا تقل شيئاً وقل لي الحظُّ شاء

أَمَّا في النصِّ المغّنى فقد ورد كالآتي:-

ومضى كلٌّ الى غايتهِ

                             لا تقل شئنا فإِنَّ الحظَّ شاء

ألا تلاحظ أنَّ الشطر الثاني من البيت في النصِّ المكتوب تطغى عليه النثرية الساذجة بينما نراه في النصِّ المغنى بشاعريّة رائعة وقويّة نتيجة لما اداه التوكيد العظيم في إغناء الشطر لا بل قل البيت بهذهِ القوة.

بعد كلِّ هذا سيبقى النصُّ المكتوب عاجزاً عن اللحاق بجمالية النصِّ المغنى.

تبقى الملاحظة الاخيرة … لو أنَّ شاعراً آخر غير إِبراهيم ناجي قدَّم هذهِ القصيدة على الشاكلة المكتوبة والتي رأيناها .. أكانت السيدة أم كلثوم ستوافق على غنائها وتهتم بها هذا الاهتمام أم أنَّ هناك أمراً آخر دفعها الى غنائها؟! ….

المصادر:-

الاطلال، ديوان إِبراهيم ناجي، دار العودة، ص132.

الوداع، ديوان إِبراهيم ناجي، دار العودة، ص35.

الأطلال، غناء السيدة أم كلثوم.