البعد السايكولوجي في لعبة القلق والخوف – اضواء – كاظم السعيدي

رواية ذكريات معتقة باليوريا

البعد السايكولوجي في لعبة القلق والخوف – اضواء – كاظم السعيدي

كنت حائرا كيف أبدأ قراءتي عن رواية (ذكريات معتقة باليوريا) للكاتب علي الحديثي، وعندما الكتابة عنها رحت أقرأها بجدية وشغف لما وجدته فيها من متعة ولذة، ودون مجاملة وأنا اطالعها بأوقات متفاوتة حسب الفراغ الذي تسمح به ظروفي، حيث وجدت ما يشدني لقراءتها بلذة وشوق، حيث تتصارع في تلك اليوميات لتجربته الشخصية التي تعرض لها بطل الرواية أبان الاحتلال الأجنبي، فقد تصارعت بنفسه نزعتان:

الأولى: كرهه الشديد لجنود الاحتلال، وما فعلوه من تصرفات خارجة عن الطور الإنساني، من ركل وتكسير للأبواب، والتعامل السيء مع أهالي البيوت المداهّمة..

الثانية: المصير المجهول لحالة هلاك البطل…

والرواية هي عبارة عن يوميات، انعدم فيها الخيط السردي المنظم، حيث كان البطل يقفز من حالة لأخرى حين يدون يومياته، وما تحمله من قلق مشوب بالخوف الشديد من مصيره المجهول، وما رافقه من أحلام وذكريات عن ماضيه مع الأهل والأحبة، خاصة أمه، ومكتبته التي ينعزل بها دائما وسط الظلمة والنور.

فكان البطل يستمتع بالاسترجاعات من خلال حالة اعتقاله، لكنه لم ينس حبيبته (سداد)، والتي ظل حلمها يرافقه حتى آخر لحظة.. وأما الجانب السيكولوجي الذي رافق البطل في يومياته عن تجربة الاعتقال وهمومه وكذلك هموم المعتقلين فقد ظل البطل يشعر بالخوف الذي يسري بداخله أولاً، وبداخل الناس وشبهه بالفلم (سلسلة من الخوف المتواصل، حتى بعد الموت سيدخل الخوف معنا إلى القبر) ص222… هكذا كان يشعر السارد العليم، والذي يتحدث بضمير الـ(أنا)، وأحيانا يتحول إلى ضمير الغائب الـ(هو).. كان البطل معتاداً على سماع أم كلثوم من خلال القنوات الفضائية حينما يخلو بمكتبته وحده، ويمسح عن الكتب الغبار العالق بها، وعندما يجد نفسه متعباً من القراءة والكتابة يلجأ إلى سماع كوكب الشرق..

وكما ذكر في ص7 (قتل الاحتلال ليل مدينتي، وسلب من فمها ابتسامة الشباب الذين كانوا يُحيون مقاهيها ودرابينها)، يبدأ القلق والخوف في نفس البطل منذ اقتحام جنود الاحتلال بيته، وبيدهم مصابيح ضوئية أثناء الاقتحام وسط الظلمة قائلاً لما رأى الوجوه السوداء مدججة بالسلاح (توقفت مصدوماً بأحد هذه الوجوه السوداء المدججة بالسلاح، رفع رشاشته بوجهي مشيراً إليّ بها أن انزلْ، نزلت ببطء وحذر)، شعر بشدة الارتباك وهول رعبهم، حتى لم يعد يعرف طريقه إلى باب بيته بعد أن فجروه.. واقتيد البطل بهدوء بعدما عصبوا عينيه فامتلأ جسده بالخوف من تصرف جنود الاحتلال، لكنه كان يكابر بأنه غير خائف، ولكنه في اعماقه يتوسل إليهم بصمت أن يطلقوا سراحه، وعندما خرج من الباب الخارجي بدأ ينهار، وكلماته تنهار من شفاهه، ولم يسمع أحد أصوات دعواته، وساوره الوهم لينبش داخله بحثاً عن حلم يحيا به (أم إنها صرخات الخوف والقلق حالت دون أن يسمعه أحد) ص11.. أي إن الخوف نبش داخله، ولكنه مملوء بالمكابرة، قائلا مع نفسه ( لا لا لا.. لست خائفاً، أنا عراقي.. أنا في بلدي.. هم من جاء ليسرق بيتي)، وبعدها انطلقت به الهمر إلى حيث مكان الاعتقال.. معانقا خوفه من الهلاك على أيدي قوات الاحتلال، وهاجس يحدثه بفكرة الموت (كيف سأموت؟.. أين سأموت؟.. متى.. هل سيدفنونني؟ أم سيلقون بي في المزابل؟)، تيقن البطل أن الموت مصيره، وكأن الألم الذي يشعر به أقوى من الموت، فهو لا يرى شيئا، عيناه معصوبتان، حيث أطبق الظلام على البطل من كل الجوانب، فكل الأمور صارت سواسية حتى الموت والحياة سواء.. فكان ينتظر من ينقذه من ألم معصمه حتى لو بطلقة في رأسه، فظل يسبح في تخيلاته وكأنه في فلم من تلك الأفلام التي كان يراها، ثم أدخلوه في غرفة، عند ذلك اكتشف بأنه ليس الوحيد في المعتقل، بل هناك آخرون معه، ليمر البطل بذعر شديد عندما اقتاده يد أخرى، سرح بحلم طويل وهو يجتاز بخطواته ما كان يظنه مخزنا للسكراب، فانطلق لسانه صامتاً يتضرع بالدعاء من أجل الخلاص، وأشد ما أرعبه لحظات الفراق للحياة، فكان يشعر بالذل والضعف، فاضطر أن يصطنع الكبرياء كذبا، بينما ظل شبح الموت يطوف حول أفكاره، والمكان البارد يسخر منه ببرودته قائلاً له (أهلاً بك في ثلاجة الموتى) ص51.

ومع احتدام أحلامه شعَرَ البطل بيد تدفعه للأمام، في هذه اللحظات سدّ من الخوف وقف بينه وبين العالم الخارجي، وكذلك حال بينه وبين التفكير أبعد من اللحظة التي هو فيها، وحين رفعت العصابة عن عينيه (وجد نفسه في زنزانة محاطة بأربعة جدران) ص18.. وراح يسبح بحلم اليقظة الحقيقي ليتحدث مع قنينة الماء، مرة بضمير المتكلم ومرة بضمير المخاطب…

كانت أفكار البطل تسعى (راكضة إلى عالم الحرية)، ليكتشف ثقبا في الباب (كأن عينا أمريكية تراقب حركاته) ص19..

عانقت العصابة عينيه ثانية، ليقتادوه نحو المجهول، خطواته ترسم وجه الموت، فالصمت والظلام يحصدان أفكاره التي باتت جثثا صلبت على خشبة الخوف، لأن الخوف يملؤه، حيث أرست أساسه ركلات الجنود الأمريكان عندما هاجموا بيته…

ارتجف البطل وشعر بالأرض تهتز من تحت أقدامه عندما (رفعوا العصابة عن عينيه، وجد نفسه أمام جنديين أمريكيين) ص19.. احس البطل بقرب نهايته حينما (أشاروا عليه بالوقوف على الخشبة) ص20، وألبسوه بدلة صفراء وشحاطة، فعرف من الملابس أنهم يقودونه إلى زنزانة الاعتقال..

الخوف والقلق يرافقان السارد العليم من خلال ما ذكره ( كان عقلي حقلاً من الألغام، في كل خطوة يتفجر لغم، يتشظى على روحي)، هكذا ظلت الأحلام تتناسل في مخيلته لأبعاد الأطر التي تحيط بلوحة الموت.. هكذا كان البطل يتنقل في الزمن المقتول.. معاناته.. عدم النوم.. الخوف.. القلق مما سيفعلونه به…

امتلأ رأس البطل بالضجيج، وبدأ يشعر باقتراب فترات الموت قائلاً ( بدأت أشعر بانحسار مدّ الاحساس بالحياة) ص25، ليتغنى البطل بصرخة سارتر ( الجحيم هم الآخرون) حينما تساءل مع نفسه (هل خرجت من جحيم الدنيا المليء بالآخرين إلى نعيم هذه الوحدة المقيتة.. فالوحدة تلف أذرعها حولي، تخنق ساعاتي) لم يعد البطل يفكر من هو؟ بل كان يهرب من هذا السؤال المرعب، وصار يتشبث بأي شيء لينتزع روحه من ذلك الوادي السحيق الذي تحيط به جبال الخوف والقلق والحيرة والوحدة.. و.. و.. وشبّه البطل حياته بالكأس الفارغة، لكنه راح يخدع نفسه ويتوهم بأن هناك نصفاً مملوءاً يعيش على وهمه.. فكان يتوهم بأنهم سيطلقون سراحه.. وظل يتذكر ويسترجع مواقف طفولته، أو صباه في عتمة الماضي عدة مرّات، وكان كلما حلم بإطلاق سراحه توقا للحرية أصابه الحزن وبكى وحده، صرخات مكبوتة مثل مريض أنهكه المرض، متذكراً حضن أمه مشتاقا لحنانها، فكان يتذكر اجمل أيامه في مكان تبوله.. إنها ذكريات معتقة باليوريا…

وكذلك شبّه البطل أحلامه بأنها جزء من التسلية التي يلهو بها، مثل قطرات ماء يبلل بها فمه الذي جففه القلق… وكثيرة هي مواقف الخوف والقلق والألم والحزن الشديد ومحاولات التعذيب التي مارسوها مع البطل نفسيا وجسدياً.. حينما ضرب المحقق الضخم بيده المنضدة ورفعه عالياً وأراد أن يرميه على الأرض لولا يد الجندي الأمريكي التي تلقفته وحملته إلى المحجر، عندها امتلأ البطل بالخوف الذي تجذر بأعماقه، بحيث كلما جاؤوا لأخذه ( ارتسم وجه الموت أمامي حيث ريح الموت تعبث بحقولي)، ولا شيء يخرجه من الإحساس بالظلم، والخوف والقلق الشديد يزدادان حتى تحولا إلى (بكاء أمام الآخرين، فالبكاء بوح أمين.. دموعه ترسم أعماقك عندما تبكي أمام أحد، كأنك تقول له: إنني في أشد حالات الألم فضمني إليك) حتى فقَد الأمل بالخروج من المعتقل .. ( أتساءل بخوف مع نفسي: هل سأبقى مثلهم؟ ترعبني هذه الأرقام)…

وحينما صدر أمر نقله إلى (بوكا) عاوده الخوف الشديد والقلق الخفي، فهذه أول مرة سيفترق فيها عن صديقه سعيد، فهو كان مبعث الأمان النفسي له، تذرع البطل بالصبر (بالرغم من أنه خيط وهمي، لا أحد يراه سوى رقبتك التي يحزها الخيط)، يظن الناس أنك صابر وأنت قابع في قعر اليأس، كشجرة يراها الناس واقفة والموت قد نزع روحها..

ونرى الخوف يلازمه في كل احواله، حتى عندما أخبره احد السجناء بأن اسمه في قائمة الإفراج لم يسأله شيئا، فقد ألجم الخوف لسانه وكبل جسده كله.. وانتزع نفسه من قيود الخوف لينهض مسرعا ليتأكد من ذلك، وبعد الاجراءات التقليدية تم الإفراج عنه، وفي ذهنه صورة أمه وشوق لا يوصف بحيث إنه ارتمى على قدمَي أمه ليقبلهما..

هنا الكاتب دوّن تجربته الشخصية على شكل يوميات، وملأها بضخّ مفردات كثيرة للوصف وللحلم وللخوف وللقلق ولاستهلاكه ليومياته، وباعتقادي إن الرواية تشبه مسرحية (الجدار) للكاتب الوجودي سارتر، حيث عاش البطل السعادة بالعزلة عن الناس، وعاش السعادة مع الناس، فالبطل متأثر جداً بأفكار سارتر حينما كتب مسرحية الجدار، وظنها قريبة جدا بتداعياتها مع الرواية، فالكاتب استعمل لغة البوح بمفردات ممتعة، أشعر القارئ بالسعادة الغامرة، اتمنى للكاتب نجاحا وصولاً لتحقيق طموحاته، ولإضافة بصمة جديدة في الرواية العراقية.