لقاء على هامش العمل – نصوص – فـــلاح شـــديد

لقاء على هامش العمل – نصوص – فـــلاح شـــديد

(1)

كان قد خرج للتو من ندوة عمل أقيمت في إحدى قاعات فندق الرشيد في العاصمة (بغداد) الحبيبة . كان قد دار نقاش حاد بينه وبين عدد من زملاء عمله ممن اختلفوا معه في بعض الأفكار ويبدو أن ذلك النقاش قد امتد إلى خارج الجلسة عندما كان يدافع عن رأيه معهم وقد بدا عليه التصميم والاعتداد برأيه وهو الذي يعتبر نفسه ذا خبرة وتجربة في مجال عمله وهكذا بدا لناظريه أنه يمتلك الحجة في الدفاع عن رأيه من خلال جداله المنطقي معهم . وبينما كان ينتقل بنظره بين زملائه والحاضرين في صالة الفندق الواسعة شاهد من بعيد عند طاولة الأستقبال شابة جميلة المظهر ذات عينين فيهما من النظر الحاد ما يسلب لب أي رجل يدعي الشجاعة في نفسه ، رآها وهي تمعن النظر اليه وكأنها كانت تراقب نقاشه الحاد مع زملائه بينما كانت تحاول بين الفينة والفينة اجراء مكالمة هاتفية من خلال هاتف الأستقبال لكنها على ما يبدو لم تفلح في كل مرة من الحصول على المكالمة المطلوبة وكانت تركز بنظرها اليه فقال في نفسه ربما تكون تعرفه أو سبق لها

اللقاء به في وقت سابق لكنه متأكد من أنه لا يعرفها قط

(2)

عندما تأكد له أنها مصممة على التحديق اليه حاول أن يمنحها فرصة أفضل فأستأذن من زملائه وراح جالسا” على أمام الطاولات وجعل من نفسه يرتب في أوراقه وقد أفترش الطاولة التي أمامه وقد وضع حقيبته عليها وأختلس نظرة إلى الفتاة فرآها تتوجه اليه بجرأة جعلت منه راغبا” بالمغامرة التي تنتظره ، وعند اقترابها منه ألقت عليه تحية تنم عن أرستقراطية عالية وقد بدت عليها مظاهر البرجوازية

والرفاه من خلال ملبسها وطريقة مشيتها وقد تأكد له من النظر إليها وهي تتقدم نحوه وتلقي عليه التحية الأرستقراطية أنها من المترددات إلى مثل هذه الفنادق وقد تكون ( سيدة أعمال ) ناجحة ، رد عليها التحية فاستأذنته بالجلوس فأشار لها بالموافقة فأخذت مقعدا” على زاوية منه وبالقرب من طاولته وبدأت تتحدث معه فقالت بطريقة تنم عن غنج  frown رمز تعبيري يبدو أنك لم تعرفني أليس كذلك ؟ )

فأجابها بهدوء جميل وأعتذار  f rown رمز تعبيري مع الأسف لم يحصل لي الشرف على ما أعتقد )  فقالت له بلغة من تعرفه معرفة عميقة ومنذ فترة طويلة. = لا زلت كما أنت .. معتدأً بنفسك وقد زدت على ذلك حدتك في النقاش ودفاعك عن آرائك اكثر من مما كنت عليه أيام كنت طالبا” جامعيا” مجدا” .

إذن هي من عهد الدراسة الجامعية ، فرجع بتفكيره الى طوال فترة الجامعة وأستعرض ما أمكنه استعراضه من فتياتها ممن عرفهن إلا أنه لم يتذكر أنه قد عرفها من بين من عرفهن في تلك الفترة ، فمن تكون ياترى ؟ وكيف تعرف عنه الصفات التي ذكرتها له وهي قطعا” لم تكن ممن درسن معه في نفس القسم الذي كان فيه ؟ فمن تكون هذه الجميلة التي تجلس بالقرب منه الآن فسألها .

= هل درست في نفس الجامعة التي كنت أنا فيها ؟

فأشارت برأسها أن نعم وزادت على ذلك .

= وبنفس كليتك أنت لكني كنت في قسم آخر .

فرد عليها .

= لكني مع الأسف لم أتعرف عليك في حينها .

فبادرته على الفور .

= ومن كنت تعرف أنت … وأنت الذي لم تكن لتسمح لأحد أن يقتحم عالمك أو أن يطرق أبواب مملكتك الموصدة

فأبتسم لها وقد غمره شعور بالغرور وقال :

= ليس إلى هذا الحد فقد كنت شخصا” عاديا” جدا” إلا أنني كنت ولا أزال أميل إلى الجدية .

ودفعه سير الحوار معها إلى الفضول للتعمق معها والإلحاح لمعرفة من تكون وكيف تعرف عنه كل هذه المواصفات الشخصية والسلوكية ، ولماذا لم تحاول التعرف عليه آنذاك فقال لها :

= هل حاولت مرة أن تقتحمي عالمي الذي تدعين أن أبوابه موصدة ؟ أم أن هذا رأي منك من نسج الخيال ؟

فأشارت له وبدون إحراج أو تردد أنها كانت أحدى المعجبات به وكانت تحاول التعرف عليه عن بعد وتجمع عنه المعلومات من المقربين منه وقد حاولت مرة أن تقتحم عالمه إلا أن بعض الذين يعرفونه ويعرفونها نصحوها أن لا تفعل حيث لا جدوى من محاولتها وقالت له بالنص أن بعض المقربين منه ذكروا لها ما نصه ( بأنك لا ترغب في إقامة العلاقات مع فتيات الجامعة لعدم رغبتك بالزواج منهن بسبب تربيتك الريفية ) ففضلت عدم الخوض في تجربة قد تكون نتيجتها على غير ما أهوى .

 فأعجب بجرأتها أيما أعجاب علما”أنه لا يزال غير متزوج وبهذه الكلمات منها شعر وكأنه كان متطرفا” في أفكاره في تلك الفترة عكس ما عليه الآن من امتلاكه لروح الاختلاط وإقامة العلاقات وربما عزا ذلك إلى حياته الوظيفية وطبيعة تعاملاته مع الآخرين ، فأستجمع أفكاره ولملم شتات لغته حيث أنه شعر ببعض التشتت بسبب جرأتها في الحديث معه فبادر بسؤالها بخبث.

= وهل وجدت من يصلح لأن يكون زوجا” لك وكما ترغبين ؟

ففاجأته بجواب أخترق سمعه كالصاعقة معلنة له بأنها لم تتزوج حتى الآن . فشعر بدبيب سريان الدم في جسده ولم يعقب على كلامها ، إلا أنها أسعفته باستمرار الحديث معه فتابعت الحديث بأنها طيلة الفترة الماضية كانت قد انشغلت بمتابعة عدد من شركات والدها والتي تحتاج لبعض التفرغ كونها الابنة الوحيدة له بعد شقيقها الذي فضل الدراسة في الخارج وكان قد تزوج من عربية في بلد أجنبي وراح يتابع عقود شركات والده في الخارج وهي تتابع ذلك في الداخل وأنها توجد الآن في هذا الفندق للقاء ببعض الذين يتعاملون مع والدها من جنسيات عربية.

(3)

بهذه الأثناء اقترب منه أحد الزملاء الذين كان يتحاور معهم وأشار له بأن الجلسة الثانية للندوة قد بدأت فحاول أن يستأذن منها وقد تبادل معها أرقام الهواتف بعد أن عرف مكان مقر شركة والدها .

 وهكذا جمع أوراقه وقام للالتحاق بالندوة بينما غادرت هي صالة الفندق فتبعها بنظراته ورآها تستقل سيارتها الفارهة وهي تبتعد متوجهة نحو باب الفندق الخارجي بينما تابع هو سيره للدخول إلى قاعة الندوة وقد بدأ يفكر بجدية بشأن هذه الفتاة الحسناء التي ظهرت فجأة في حياته وهيتحمل ذكريات أجمل مرحلة من عمره وقد أعجبه فيها أنها تعرف عنه الكثير وقد التقى معها في أكثر من نقطة خلال حوارها معه .

(4)

وهكذا دخل قاعة الندوة وقد دخل معه موضوع آخر يتوجب عليه أن يدير الحوار بشأنه مع نفسه بشكل أكثر جدية من أي موضوع آخر حتى أنه شعر بنفسه بأنه سوف لن يكون بنفس حمــــــــــــــاس نقاشه فيما يخص موضوع الجلسة الحالية عنه عندما كان في الجلسة السابقة إلا أنه قرر وبشكل جدي أن يكون هو صــــــاحب السبق بالاتصال بتلك الفتاة وأن يكون هو المفاجئ هذه المرة وأن يكون هو سيد الحوار معها وقرر أن يعرف عنها كل شيء قـــــــــــبل أن يتصل بها لذا راح يفكر بكل الوسائل التي يمكن أن توفر له المعلومات عنها لكي يــــــكون قراره بشأنها قرارا” صحيحا” وغير مرتبط بأي تأثيرا جانبياً.