‮ ‬كاتب‮ ‬يحرص على حضوره‮ الفكري‮ ‬في‮ ‬السياق – نصوص – ‮ ‬يوسف عبود جويعد

النص السردي مداعشة لمهدي علي أزبين

 كاتب يحرص على حضوره الفكري في السياق – نصوص –  يوسف عبود جويعد

إن النصوص السردية الحديثة التي بدأت تجد طريقها بين الأجناس الادبية, يجب أن تسمو وتخطو متقدمة على النماذج الإبداعية الأخرى, من حيث البناء العام للنص السردي, اللغة التي تقترب إلى المفردات النثرية الشعرية, الإيقاع الذي يصاحب حركة السرد، والذي يختلف من حيث الرؤية عن ما هو متبع في عملية تناول الأجناس الأخرى, المناخ الشعري المتخيل الذي يطفو فوق واقع الحدث ليشكل هالة تغير واقع السرد, أي أن النصوص السردية إن لم تأتِ بجديد فإنها لاتنتمي إليها. سوف أقوم باختيار نصّ سردي ارتقى سلم الخصوصية وجاء بجديد من كلّ الزوايا, النصّ السردي (مداعشة) للكاتب مهدي علي ازبين، الذي يسعى دوماً لترسيخ واقعه وتثبيت معالمه ويؤسس له ليكون تيارًا جديدًا لتغيير معالم الإبداع الأدبي في(مجال السرد), ويخرج من خلاله عن الأنماط التقليدية التي مهما اجتهد الأديب فإنه يظلّ أسير أشكالها وحدودها وأصول صنعتها؛ فيحد من حريته للانطلاق, وذلك لأن مساحة النص السردي المفتوح مطلقة, وتحتضن كلّ الاجناس الأدبية الأخرى، وتنهل منها كلما دعت الحاجة إلى ذلك, وأننا نستطيع اكتشاف النص السردي عن سواه عندما تقع أنظارنا على العتبة النصية, التي غالبًا ما تكون كتلة حسية ملتهبة يقودها سارد عليم ينقل واقع الحركة السردية في متن النص باعتلاء وتمكن, وأن لايقودها كما هي بواقعيتها ومناخها, (ينتابني العيّ في اختصار المسافات، تتهشّم خطى الأمل على صلادة الرؤى. من أين تجيء حزم التزمت). من خلال هذا المستهل للعتبة النصية نكتشف أوجه الاختلاف، ونتأكد بأننا سوف نكون داخل نصّ سردي، وليس أي نمط آخر من الأنماط الأدبية الإبداعية الأخرى, ثم تتم صياغته بالإيقاع اللغوي الذي ينسجم والسياق الفني وعليه تنعكس الرؤية النصية السردية, فلا يتم تحريكها إلا مع أدواتها التي تفوق مستوى السرد الاعتيادي إن صح التعبير, لأن الحدث والحكاية داخله يجب أن توظف وتعالج لترتقي إلى مستوى الطرح, فتكون مهمة السارد شاقة وعسيرة ومتعبة, لأنه يجب أن يضمن الحدث هذا التجديد ويسير إلى نهاية النصّ, وتكون مهمة الكاتب تلقين السارد العليم بالصورة التي لا تشبه الواقع ولا تقترب منه ولا تنقله مجردًا, بل تحيله إلى نسيج تتلون خيوطه وتنسج, إلا أن هذا النسيج لم يكن هو المتداول؛ إنما يدخل فكر الكاتب ليعيد صياغته ويعالجه فنيًا ويبعده تمامًا عن الرتابة والقولبة, ويقوم بعملية التجريب حتى إننا نشعر ان العملية السردية للنص المفتوح فوق واقع الحدث, نكتشف هذا كله ونحن نتابع النص السردي (مداعشة). وأنا لن أتطرق إلى هذا النصّ, إنما أترك تأمله وإدراكه ومعرفة كناه لأنه سيرافق هذه الدراسة – النص

مداعشة – نص سردي مهدي علي زبين

ينتابني العيّ في اختصار المسافات، تتهشّم خطى الأمل على صلادة الرؤى. من أين تجيء حزم التزمّت، لتحطّ في بؤر التفكير؟ نعم تختلف هي عني بتورّد البياض على محيّاها، وأنا يلفّني سمار شاحب.

يشتّ عقلي، تتزاحم، تتداخل الأفكار مع مقبلات الجزع، تتقارب، تتمازج على سلّم الوقت، ترقبنا الأيام؛ فتتّسع هالة من شعور.

يخنق تبرعمنا غبار غريب، يحاصرنا، يحشرنا في زوايا مرسومة، لا تلائمنا؛ تخرجنا عن جادة المعاني، تطلق فئران القيعان؛ لتقرض حبال المودّة المتينة.

أكسر سير التواصل، أثلم سلالم الوقت، أنكمش، أنشد الموت، أعشقه من طرف واحد، أرقب مسبباته.. هو الحلّ الأخير.. سيأتي، لِمَ يتلاعب بأعصابي؟هو قادم، لماذا لا يلقي تقاويم وجودي في أخاديد العقم، ويعانقني في لحظة؛ ليختزل العمر في ومضة، يشطب على خواء الروح ولاجدوى البقاء؟

ألتمّ على نقود، كي يحتفل الآخرون بمراسم دفني،أحملها معي، أتحرّز عليها، تبحلق الدروب في هنداميالرثّ، تعدّ عليّ خطواتيالمنزعجة من أرصفة التسكّع.

تمسي المدينة وتصبح على رايات سود.تتلاحق دوّامات العجاج.تفور الأجساد البشرية في أتون الواقع. جموع تولّي هاربة يشيّعها صبية، يقذفونها بالحجارة والحناجر،ويستقبلون عربات أنيقة بالهتاف. تتوالى استعراضات اللحى الطليقة على وجوه لا تتآلف سحناتها، بلباس تحاكي ألوانه عتمة الغراب. تقفر الشوارع. يغدو الناس أشباحًا، وعيونًا تتلصّص من حافات النوافذ.

ألفّ في رماد المدينة، يحوم المسلحون على الشوارع، أقترب منهم، يتحاشونني، لا يأبهون لي حين يشخصون بأبصارهم نحو جرار زراعي، يتهادى، العيون تستقبله، يزمجرمحركه، يجرّ عربة- قفصًا، حُشرتْ بين قضبانه هياكل لنسوة جلّلهن السواد.

أحملق في قطع الظلام المخذولة من خلف القضبان. تنسلّ من بين عيني،يخترقني صوت أليف إلى نفسي، يطغى على زمجرة المحرك. تستفزّ مزق ذاكرتي، لتسبغ اسمًا على صاحبة الصوت، تلهج بإسم قد يعود لي:

– إني سبيّة.. سأباع بعد قليل.

تتّسق خلايا ذاكرتي، يحضرني اسمي، ويبرق اسمها على لساني:

– سأباع مع السبايا.

يعودني اتزاني، تشحذ ساقاي الهمة. ألحق بالجرار،يصدّني مسلحانعلى جانبي السائق.

يسحلني الجرار، يكبلنيبعنان هريره. نسيت الجوع والوهن. أتحسّس جيبي. يندلق لساني. تتّضح ملامح الأماكن برغم الدخان و الغبار.

أعبر الجسر إلى جهة النهر الأخرى.. تسبقني بأقدام الفزع حين دهمنا أخوتها، ونحن نتهادى على حدبة الجسر. أتوسّلها أن تسرع، يمسكها أحدهم، يطاردني الآخرون، يظفرون بي أسفل الجسر.

تتضافر القبضات على نسج فاصل من الضرب المنوّع، لا أهداف محرمة في أشلائي. تغادرني حواسي ، أنفصل عن مفردات الحياة الممسوخة. أحسّني طائرًاعلى محفّة هلامية، تتحكّم بي أيادٍ رحيمة.. أحلّق ، ثم أهوي مرتطمًا بسطح الماء.

يعودني الوعي واهنًا،والآلام تصهل في ميادين جسدي، أجدني ممددًا عند القاع، تزحزحني، تهدهدني كتل الماء الدافق، أغفو، تنفتح في خيالي آفاق بعيدة، أتسرنم منطفئاً.

أفزع من كوابيس الواقع؛ لأجدني ناقعًا في حوض سيارة. تبحر بي عيون، تشارك الألسن النطق، تحنو عليّ بعلامات استفهام و انفعال.

أمسك بعضي والسيارة تنطلق.. أرنو إلى السماء وقمم البنايات تتلاحق متراجعة. أنتهي بين أيدٍ ونظرات متفحصة، يهزّني صوت:”هل تتّهم أحدًا؟”.. أبلع ريقي وألمي:”هي مشاجرة عابرة”.

يستقبلني أهلي مدهوشين. تتراكض الأكفّ، تحاصر أوجاعي، وتهرع الحروف إلى سمعي متوجّسة:”لا شيء.. سقطت من الحافلة”. يحرجني تلميح أخي الوحيد:”أي حافلة وأنت تذهب سيرا؟”. يشفع تصريحه بنظرات متهكمة:”رأيت الواقعة بعيني”.

أصدّه بمفردة المستحيل، يضحك و يهزّ يديه في الهواء، يؤرجح شيئًا ما، ثم يطوّح به بعيدًا:”يابط، يابط.. اسبح بالشط!!”. يتشفّى بي:”تترك بنات الدنيا، وتتعلّق بواحدة لها أخوة سبعة؟!”. يستغرق في الضحك، يهمس:”والأدهى أنهم جزارون”.

أنطوي على وجعي وألومه:”لماذا لم تنجدني؟”.فيثقل سمعي:”هل أنا أحمق مثلك، يكفي أنك نلت نصيبك،لماذا تشركني؟”.يهادنني:”لن أفضحك، سيكون الأمر حادث سيريا.. مخبول”.

يتغير صوته حين أسمع أحدهم:

– انظر هذا المخبول.. هل سيشتري سبية؟

أتوقف حين تخفت ترترة الجرار، لأجده مستكينًا في ساحة عامة. يترجل المسلحان والسائق، يُنزلون بضاعتهم، يعرضونها للجمهور المشتت، لا أرى في هذا الخضمّ سوى عينيها، ألمح فيها صور الهلع والمهانة..

يأخذ المتبضعون سلعهم، بعد أن ينقدوا سمسارًا مسلحًا ثمنها، يعدّ نقوده بوقار، ويبارك للمشتري.يأتي دورها، أقفز نحوه، فيصدّني مرافقوه وفوّهات بنادقهم في صدري. أستلّ لفافة النقود المعفرة بالتراب، أدسّها في يده. يفضّها، تطلّ ورقة صفراء، يتفحّصها..تنطلق حروف متكلفة من طرف لسانه: (هذا المبلغ لتغطية تكاليف دفني..). يقطّب جبينه، يعدّ النقود، يبتسم:

– نقودك تكفي.. إنها جاريتك.