برغم أنفك يا موت .. قبّلتني

برغم أنفك يا موت .. قبّلتني
كل يوم اراها، برغم سنواتي، قصة قصيرة الطويلة التي اخذتها زوجتي منها، الا انها لم تزل تتصدر جدول القلب الذي مر به كثير من النساء حتى كاد يتهرأ، لكنها كانت بعيدة المنال، لم تستطع اي واحدة منهن ان تنافسها على كرسيها، حتى همرات الاحتلال التي ابعدتني عنها خمسة اشهر عجزت عن زحزحة كرسيها، بل ان جذوره تغلغلت اكثر في ارضي، ليكون اول شيء افعله بعدما افرج عني هو ان اقبل قديمها الناعمتين النحيفتين جداً، وهو ما لم افعله من قبل، كأنني انحني اعتذاراً لتعب اكثر من سبعين عاماً..
لم يعد لي مكان هنا، لا بد من الرحيل من مدينتي التي نفثت افاعي الطائفية سمومها في شوراعها وبين “درابينها”، فلم اعد اراها كل يوم، الا كل شهرين او ربما ثلاثة، كانت الحبل السري الذي يربطني بالحياة، لم يتمكن مقص الزمن والاحداث من قطعه.. اينما ذهبت .. اينما جلست.. اينما نمت.. كنت مطمئناً ان انفاسها تنفخ الروح في ايامي.. لم يزل المطبخ يرقص فرحاً وهو يراها تدخل اليه برغم الثمانين عاماً التي مزقها الدهر من دفترها.. ثمانية عقود مرت بها ولا تعرف سوى طريق المطبخ، مملكتها الوحيدة في الدنيا وجنتها التي تكره ان ينافسها عليها احد، كثير من اقربائنا واصدقائنا كانوا يأتوننا ليأكلوا من طعامها لا سيما الكبة، التي كانت مرآة لنفسها الطيبة التي لم يشبها شيء من ادران الحياة..
– لطالما حملتني صغيراً على كتفها، فهل سيتعب كتفي اليوم من حملها كبيراً؟!
بهذه الكلمات اجبت صاحبي وهو يطلب مني ان يساعدني في حمل تابوتها، الا ان الفرق بيننا انها حملتني مسرورة، وحملتها حزيناً،ما أرق جسدها وهو يرقد على كتفي..
– حتى في موتك يا امي ترفضين ان تتعبيني..
هكذا رحت اخاطب نفسي وانا احملها لتودع بيتها وبناتها، كنت اشعر بالماضي يحمل التابوت معي، حاول كثيرون ان يساعدوني، الا انني كنت مشغولاً عنهم باسترجاع روحها الى الحياة عندما انام طفلاً في احضانها.. وتأخذني مرغماً الى الحمام لتغسلني.. وتذهب مسرعة الى مملكة المطبخ لتعد لي الغداء عندما اعود من المدرسة، لتتابع بشغف وانا استمتع بالاكل واوسخ ملابسي، لتونبني برفق على اتساخها، لم تكن تعرف كيف تغضب او تصرخ، لتنسل الى الدولاب لتأتيني بالملابس التي غسلتها في الصباح..
لم يستطيعوا .. الا الموت فقد تمكن من خذها مني انا اضمها بين يدي في المشفى.. لم ابك، فمنذ ان اتصل بي اخي ليخبرني انها في المشفى وانا احس بنفسي ربوت يتحرك بروح، اخادع نفسي باللا ابالية، اخشى ان فركت ان يقتحم الموت عقلي، اقلب نظراتي عبر نوافذ الكيا اراقب اناساً لم اعد اراهم.. بين المحلات.. بين السيارات، ابحث عن حجر ادس رأسي به هرباً من سخرية الموت يتقافز امام حركات عيني اينما استدارت:
– لن اراها بعد اليوم..
حاولت ان احرقه بسكائري، لكنه- تباً له n كان يرسم لي قبرها بدخان سكائري، لا ادري كيف سأعيش بعدها، اقف على قمة جبل عال، لا شيء امامي سوى واد سحيق مظلم تنبعث منه رائحة الفناء العفنة، العدم يكفن ايامي القادمة وهي تخلو من وجودها فيها، لتتجلى امامي اطارات لا صورة، لذت بالدعاء.. اصرخ.. اتوسل بالموت ان يتركها لي، ما زلت طفلاً، اربعين عاماً او اكثر مطحونة برحا الامس، الا انني ما زلت طفلاً احلم بالنوم في احضانها، استنشق من جسدها اكسير الحياة، اغفو على نغمات قلبها التي لم تزل حتى اليوم.. حتى الساعة.. تردد في سمعي (دللول يالولد يابني دللول)..
بدأت اكذب كل النظريات الرياضية التي تعلمناها في المدارس، فالزمن لا يقاس بالامتار كما خدعونا، نسوا او تناسو او تعمدوا ان يكتموا عنا ان طول المتر يعتمد على حجم الالم الذي حمله، فهناك علاقة طردية بينهما، كلما زاد حجم الالم طال معه طول المتر، اكاد كل يوم امر من هذه الطريق، لم تكن طويلة مثل اليوم ابداً، حتى السيطرات المزدحمة بدأت اراها من جنود الموت الذي طغى بحربه معي..
– نازل.. نازل..
هرعت مسرعاً من الكيا، عسى ان تكون التكسي اسرع من الموت..
هناك، عند ردهة الموت، عذراً ردهة الطوارئ، وقفت احدق فيها، لم يستطع قناع الاوكسجين ان يحول بين عيني ووجها، الا تكفي اربعون سنة لتنطبع قسمات وجهها على نظراتي.. هل سأكذب دروس الاحياء وربما الفيزياء كذلك، فالرؤية تعتمد على الالم ذاته، نظراتي تمتد اليها اني لم اكن ارى جسداً يستلقي فوق سرير، ها هي تنهض لتستقبلني .. تقبلني تجلس معي.. تسأل عن الاطفال.. تنتظرني لاقلم اظافرها، كانت تشكو عندما يقلمون اظافرها الا انا كما تقول لي ، اخذت الذكريات تطوي الزمن لتهطل على ساحة القلب كالمطر، يبدو ان موت امي سيحطم كل العلوم التي درسناها.. مشاهد سريعة، اختلط بعضها ببعض، يداي تتحركان بعبث في الهواء، احوال ان امسك باحداها، فكنت كباسط كفيه الى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه، كم وددت ان اغلق الباب بوجه الزمن، كل شيء في ومن حولي تجمد الا الزمن لا يبالي من يستحق امامه، حينها عرفت من اين استلهم الطغاة قسوة قلوبهم..
ابتسمت في داخلي وانا اشعر انني غلبت الموت، وادركت جسدها لم زيل ندياً بروحها سمحت لشفتيها بتقبيلي، اجبتها بقبلة من شفتي، قبلتان اختزلتا آلاف الكلمات التي استعصمت على فمي، اذابتا الجمود الذي حل بجسدها وبتفكيري، للقبلة لغة لا يفهمها الا المحبون، تعثرت يدي بالفراغ وهي تتجه نحو رأسها لتداعب شعرها الابيض من خلف فوطتها كما كانت تداعب شعري صغيراً.. جلست بقربها كما كانت تفعل معي صغيراً.. ضممتها الى صدري كما كانت تفعل معي.. تمنيت لو انام بجانبها كما كانت تفعل.. لعلي ارد لها شيئاً من ديونها القديمة عليّ لم تحسبها، ساعات وهي تصارع الموت، وانا اصارع الظلمات التي بدأت تتسلل الى روحي، اتلمس قدمها وهما ابرد من خطوات الطبيب الذي يأتي بين الفينة والاخرى ليفحصها، قبلتها مرة اخرى لعلي اشعرها بدفء شفتي المستعرتين، الا ان برودة الموت اقوى من حرارة شفتي..
لم تزل اصوات المحيطين بي تزعج اذني وهم يطلبون مساعدتي في حمل تابوتها، لتتحطم كلماتهم على جدران اليأس مني، وخلافاً لأعرفانا افترشت ارض سيارة الحمل التي وضعنا التابوت فيها وجلست قربه، مستنداً بيدي عليه كأنني احضنه، ماسحاً بيدي عباءتها التي فوقه، لتعود الاصوات مرة اخرى تطلب مني ان اجلس في صدر السيارة:
– ابني انزل واجلس في الداخل الجو بارد..
(الجو بارد) كلمة كانت نافذة تطل منها دموعي على عالم الحقيقة، كلمة نطقها صديق ابي الكبير بالسن بألم وحسرة يخفي خلفها توسلاً مريراً، لم تكن حروفها من لغتي في تلك اللحظات، ليترجمها عقلي لي:
– لقد ماتت..
كأنني الآن ايقنت انها ماتت.. لن اراها بعد اليوم، الان شعرت ان الموت ضرب ضربته، تذكرت سخرية زوجتي مني مازحة وهي تقول لي دائماً:
– مثل امك لا تجلس الا و(الصوبة) بحضنك..
فرشت ذراعي فوق تابوتها لعلها تشعر بالدفء، تشبثت بعباءتها كطفل يتشبث بعباءة امه في السوق خشية ان يضيع وسط الزحام التفت الى صديق ابي:
– هذه آخر جلسة لي بجانبها ارجو ان تتركوني..
ظل واقفاً، وهو يغالب دمعه، وهناك.. وجدت ابي في انتظارها وقد خرج من قبره بابتسامة مضرجة بدموعه، وهو يمدّ يديه ليستقبل تابوتها من يدي، ولا اظنكم ستشعرون بفرحي عندما سمعتهم ينادون…
– لينزل واحد من اهلها معها الى القبر.. قفزت مسرعاً اسبق اخوي، لينقلب الدين الى الضد، كانت تختار احسن الفرش لي من بين اخوتي، وانا الان اهيء لها فراشها الترابي، اخذت انظف لحدها من الاحجار خوف ان تؤيذها في نومتها الابدية، لاختم حياتها او قل حياتي معها على رأسها من خلف الكفن، واعود الى البيت وليس لي منها سوى عباءتها وفوطتها وذكريات اخشى ان يحاربني الزمن عليها..
علي عبد الرحمن- بغداد
/8/2012 Issue 4291 – Date 30 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4291 التاريخ 30»8»2012
AZPPPL