اُمنية طفل

اُمنية طفل
وقف منار .. وهو طفل جميل لا زال في السنة العاشرة من عمره .. وهو يتطلع الى والدته بعينيه الزرقاويتين الواسعتين .. اللتين كانتا بين الحين والآخر تتجولان في أنحاء المطبخ الفسيح للمنزل ..
وإلتفتت أم منار .. التي فرغت للتو من صبّ الشاي في القدحين المزركشين الموضوعين في صينية صغيرة تستخدم لهذا الغرض ..
وقالت : خذ يامنار هذا الى بابا والضيف ..
فتقدم منار وأخذ الصينية من يديها ثم مشى بخطوات ثابتة نحو غرفة إستقبال الضيوف .. ودخل بهدوء
فإلتفت والد منار وقال للضيف : هذا هو إبني منار .. إبتسم الضيف بلطف وقال : ما شاء الله .. ما شاء الله.. إنه ولد رائع حقاً ..
أجاب والد منار : نعم إنه كذلك ..
تقدم منار للضيف قائلاً : السلام عليكم .. كيف حالك ياعمي .. تفضل الشاي ..
أخذ الضيف قدح الشاي وقبل رأس منار ..
قائلاً له : شكراً يابطل ..
ثم قدم منار الشاي لوالده فأخذه وقال : تعال يابني .. إجلس قربنا ..
جلس منار حيث أشار له أبوه ..
إستطرد الضيف قائلاً : إن إبنك ولد مؤدب وذكي .. أتمنى من كل قلبي له الموفقية وأدعوا الله تعالى أن يحقق لك أحلامك فيه وأن ترى نجاحه وأبنائه ويفرح قلبك به ياأخي العزيز ..
فرَد والد منار: أشكرك جداً ياأخي .. إن كل الذي أتمناه هو أن يعيش منار حياة سعيدة وأن يوفق فيها ويحقق أحلامه .. فهذه هي سنـّة الحياة وهذه هي رسالتنا نحن الآباء ومسؤوليتنا تجاه أبنائنا لأنهم أمانة في أعناقنا ..
الضيف : نعم بالتأكيد .. وأنت أهل لهذه الأمانة إن شاء الله .. إن منار سيفخر بوالده الذي يرعاه ويحتضنه ويقدّم له التوجيه والدعم في كافة مراحل حياته .. إن تربية الأبناء فعلاً هي مسؤولية ضخمة لابد أن نتحملها ونحتملها بسعادة ومحبة وإلتزام .. ولكني أود أن اسأل منار ماهي الأمنية التي تتمنى تحقيقها ..
إلتفت الضيف ووالد منار الى منار وهما يبتسمان ويتلهفان لسماع الإجابة ..
منار ببساطة وعفوية : أتمنى أن لا أكبر ..
دهش والد منار من هذه الإجابة الغريبة .. وتعجب الضيف أيضاً .. ثم ضحكا
والد منار : هل تقصد إنك تريد أن تبقى طفلاً الى الأبد ..
منار : وهل يوجد إنسان يعيش الى الأبد ؟؟
ضحك الجميع ..
الضيف : إذن ماذا تقصد يامنار ..
منار: لا أريد أن أكبر .. أنا أتمنى أن أبقى طفلاً ولا أكبر ..
تعجب الإثنان من هذا الطفل المُصِرْ على أمنيته الغريبة التي لم يتوقعاها ..
ثم قال والد منار وهو يبتسم ويفتعل الجدية في الحديث : معك حق يابني إنها أمنية جميلة فعلاً .. وفي الحقيقة إن أكثر الكبار يتمنوا أن يعودوا أطفالاً .. حيث لا توجد مسؤولية عليهم .. ولا يعرفوا الهموم ولا الأحزان .. ولا يكترثوا لأي شيء يحصل .. فالأطفال يقضون جل وقتهم باللهو واللعب والمرح .. ويعيشون بدلال في حنان أبويهم ..
أردف الضيف بسرعة وهو يهز رأسه بالإيجاب : نعم .. نعم .. ياليتنا كنا صغاراً ولم نكبر لقد كانت الحياة أجمل .. وصحتنا أفضل .. يملأنا الأمل والطموح .. ولكن للأسف فقد إنقضى العمر سريعاً وتسربت أيامنا وسنيننا من دون أن نشعر بها .. ليت العمر يعود الى الوراء قليلاً .. لربما كنا سنفعل الكثير ونتجنب الكثير من الأحزان التي مررنا بها ..
منار بهدوء وهو يبتسم بحياء : ليس هذا ما قصدته..
الضيف بتعجب : إذن ما الذي قصدته ..
منار: لطالما أسمع الكبار يتحدثون وكثيراً ما أشاهد في القنوات التلفزيونية والفضائيات وأسمع في الإذاعات .. أخبار وقصص .. كلها عن حروب وتفجيرات وجرائم .. يفعلها الكبار .. وأعمال عنف وتخريب وقتل .. وحرائق ودمار .. وحقد وكراهية .. وتلويث للبيئة .. ولطالما أسمع عن الفساد الإداري والسرقات والرشا والتزوير .. وعن مناصب تعطى لمن لا يستحق وعن قادة لا يهمهم مصلحة أوطانهم أو شعوبهم ..
إنني أرى وأسمع وأشعر مدى النفاق والكراهية والكذب بين الكبار .. وما يفعلونه من شر ووحشية .. أنا لا أحب أن أكون مثلهم .. ولا أريد أن أشبههم ..
لذلك فأنا أتمنى أن أبقى طفلاً مثل باقي الأطفال الطيبين الأبرياء الذين لا يعرفون سوى المحبة والسلام ..
صدم والد منار بهذا الكلام .. وذهل الضيف من كلام الطفل ..
إغرورقت أعينهما بالدموع حزناً .. وهما صامتين ينظر كلاهما للآخر ..
ثم أجابا منار قائلين : نعم .. نعم .. لقد فهمنا قصدك.
صفاء سعدي مزهر المعموري
/8/2012 Issue 4290 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4290 التاريخ 29»8»2012
AZPPPL