مساوئ التراجع العربي-مقالات- احمد ابو ماجن

ahma

مساوئ التراجع العربي-مقالات- احمد ابو ماجن

الامة العربية بعد كل ماحققته من توسع وازدهار وتقدم ابان سلالاتها المتمثلة بالحكم الراشدي والاموي والعباسي الا ان هذا التقدم لم يدم طويلا لربما لسوء التخطيط المستقبلي واعطاء الفرصة للتغلل الخارجي بمافي ذلك الحضارة الفارسية والرومانية والتركية وغيرها فضلا عن ضعف الامة العربية ووهنها من الداخل بسبب التعصب القبلي والغوص في مسائل فات اوانها حتى تشبثوا بها تشبث الابل بالصحراء مما ادت هذه السبل الى دمار حقيقي للأمة العربي واضعافها بشكل غير مسبوق مطلقا حتى عاش التاريخ العربي منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي و حتى الآن أسوأ فتراته على السواء ؛ فقد تراجع العرب إلى حدودهم القديمة بعد أن اكتسحوا العالم من شرقه إلى غربه ؛ و دخل التاريخ العربي في ما يطلق عليه المؤرخون عصور الانحطاط على جميع المستويات . لقد تساءلت النخبة العربية المثقفة عن هذا التراجع بكل حيرة ؛ بل لقد تحول التساؤل إلى إشكال فكري صاغ تيارات فكرية مختلفة ؛ كل تيار يحاول مقاربة الإشكال من زاويته الخاصة .

لكن العودة إلى مجموع هذه التيارات تؤكد أن مقاربة إشكال التراجع التاريخي الحاصل كانت في أغلبها تحمل حنينا إلى الماضي ؛ باعتباره بديلا للحاضر المتلاشي ؛ و دائما كان التذكير بما عرفته الأمة العربية من ازدهار في ماضيها . و حينما نذكر الماضي هنا فنحن نقصد أن نسبة كبيرة من هذه التيارات الفكرية كانت تعتبر أنه لا صلاح لحال هذه الأمة إلا بما صلح به حال سلفها ؛ و السلف هنا يرتبط لا شعوريا بالدين ؛ باعتباره القوة الخارقة التي صنعت التاريخ العربي في اعتبار هؤلاء .

لكن يمكن أن نتساءل لماذا تعتبر مرحلة القرن الخامس عشر بداية التراجع الحقيقي و الواضح للحضارة العربية ؟ هل كان الأمر مصادفة أم إن منطق التاريخ العقلاني هو الذي حكم عليها بالتراجع ؟

هل السبب في تراجع الحضارة العربية يكمن في تخليها عن دينها –كما يؤكد السلفيون- أم على العكس من ذلك يكمن في ارتباطها بدينها خلال مرحلة بدأ التاريخ الإنساني يعرف تحولات عميقة ؛ تسعى إلى القطيعة مع القرون الوسطى بوصفها مرحلة الفكر الديني؟

هل يمكن ربط التراجع الحاصل في الحضارة العربية منذ هذه المرحلة بخسارة الثقافة العربية لرهان القطيعة مع الفكر الديني و التأسيس في المقابل لفكر يستلهم منطق التفكير الإنساني الحديث ؛ الذي بدأ يتبلور منذ هذه المرحلة ؟

إنها أسئلة كثيرة تراود كل باحث ؛ و هو يسعى إلى مقاربة ذلك التراجع الكبير الذي دخلت فيه حضارة ؛ توسعت عبر العالم حاملة قيما فكرية و سياسية و دينية جديدة ؛ لكن الجواب يرتبط في العمق بحس تاريخاني يسعى إلى قراءة الأحداث على ضوء التحولات التاريخية بشكل مادي في منأى عن أية مثالية ؛ يمكنها أن تكرس الأجوبة الجاهزة في الثقافة العربية .

لقد تم التركيز غالبا على مرحلة القرن الخامس عشر في مقاربة التراجع الحضاري الذي دخلت فيه الأمة العربية ؛ رغم أن هذا التراجع بدت بوادره قبل هذه المرحلة ؛ لكن (سقوط الأندلس ) و ما رافقه من طرد للعرب المسلمين ؛ و استئصال لكل مظاهر الحضارة العربية من الأندلس كان أبرز حدث تاريخي يؤرخ للتراجع الحضاري العربي .

و خلال نفس المرحلة كان الغرب الأوربي يؤسس معالم مرحلة تاريخية جديدة على أنقاض الحضارة العربية الإسلامية التي دخلت في التلاشي ؛ و قد كانت معالم الحضارة الجديدة تشي منذ البداية بتحولات جذرية يدخل فيها التاريخ الإنساني ؛ عبر القطيعة مع مجموع أفكار وتصورات القرون الوسطى ؛ و ذلك عبر التأسيس للمفهوم الجديد للإنسان و الكون والزمن و الدين و الدولة …

فمن الثابت تاريخيا أن منظومة الحداثة ؛ قد قطعت مع منظومة التفكير السائد التي تعتبر آخر مرحلة من مراحل القطيعة مع الماضي ؛ وانفتحت بالمقابل على عصر جديد يقوم بالأساس على تفكك بطيء لنمط الإنتاج الإقطاعي ؛ وانهيار متواصل لهيمنة طبقة النبلاء ؛ اقتصاديا و ثقافيا وسياسيا ؛ وولادة نمط الإنتاج الرأسمالي الذي ما فتئ يراكم الفتوحات اعتمادا على طبقة اجتماعية جديدة هي البورجوازية ؛ التي تحمل مشروعا مجتمعيا جديدا أكثر تقدما بما لا يقاس مع سابقه ؛ يرتكز على أساس حرية التجارة ؛ وحرية الملكية الفردية اقتصاديا ؛ وعلى محاربة الاستبداد ؛ والإيمان بسيادة الشعب ؛ والتبشير بالمساواة والديمقراطية ؛ اجتماعيا وسياسيا ؛ وعلى الإيمان بالعقل وسيلة لمعرفة أسرار الكون ؛ وإخضاعه لإرادة الإنسان . بالإضافة إلى تشجيع روح الابتكار والتجديد والمخاطرة في سبيل معرفة المجهول؛ والسيطرة عليه .

لقد تحققت –إذن- ثورة كبيرة في مختلف أشكال التفكير و الممارسة ؛ و انفتحت شهية الإنسان لاكتشاف العوالم المجهولة التي كان يحرم الفكر الديني ارتيادها كونها من اختصاصه ؛ يبث فيها بأمر إلهي.

في المعرفة : تحقق تطور كبير في هذا المجال ؛ لا يمكن أن يقاس بما سبقه ؛ فقد ” ظهرت طرائق و أساليب جديدة في المعرفة ؛ قوامها الانتقال التدريجي من المعرفة التأملية ؛ إلى المعرفة التقنية.

في الطبيعة : وقد كان لنموذج المعرفة الجديد الذي فرضته الثورة التقنية الجديدة كبير الأثر على نظرة الإنسان إلى الطبيعة ؛ فمقابل طبيعة تمثل في العصور الوسطى نظاما متكاملا ؛ يتسم بالاتساق الأزلي ؛ نجد طبيعة جديدة يتحكم فيها الإنسان ؛ عبر عقليته الحسابية . ” وقد تمثل هذا التحول المفصلي .. في الانتقال من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس ؛ مفتتحا الانتقال الحديث من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي.

في الزمن والتاريخ : وقد كان للنظرية الجديدة في المعرفة و الطبيعة كبير الأثر على ظهور نظرية جديدة في الزمن والتاريخ ؛ الذي أصبح للإنسان دور كبير في صناعته ” فقد أصبح التاريخ سيرورة و صيرورة أي مسارا حتميا تحكمه و تحدده و تفسره عوامل ملموسة ؛ كالمناخ والحاجات الاقتصادية للناس ؛ أو حروبهم وصراعاتهم من أجل الكسب.

في الإنسان : كان للثورة المعرفية الجديدة ؛ سواء في المعرفة أم في الطبيعة أو في الزمن والتاريخ … تأثير مباشر على صياغة صورة جديدة للإنسان ؛ كسيد للكون ؛ يمتلك الكثير من القدرة على تشكيله على طريقته الخاصة . وبذلك فقد أصبحت للإنسان الحديث ” قيمة مركزية وعملية ؛ ففي مجال المعرفة أصبحت ذاتية العقل الإنساني هي المؤسسة لموضوعية الموضوعات ؛ وتم إرجاع كل معرفة إلى الذات المفكرة أو الشيء المفكر فيه.

اما في ظل هذه التحولات الجذرية التي مر بها التاريخ الإنساني ؛ كان الفكر العربي يعيد إنتاج منظومة القرون الوسطى ؛ معتبرا أن النص الديني هو منبع المعرفة الإنسانية بمختلف أشكالها . لقد كان يحدث هذا في مرحلة وصل خلالها الفكر الإنساني إلى قمة رشده ؛ رافضا كل وصاية سماوية توجهه ؛ باعتبار أن الحقيقة في كل شيء تبنى بشكل عقلاني و لا تمنح بشكل لدني.

ومن هذا المنظور يمكن أن نفهم التراجع المؤسف الذي دخلت فيه الحضارة العربية ؛ إنه تراجع يرتبط بتقوقعها حول تصورات دينية عتيقة خلال مرحلة تاريخية تتخذ المعرفة العلمية سبيلا لاكتشاف الكون و السيطرة عليه بهدف توجيهه لخدمة مصالحها . ففي الوقت الذي دخلت العقلية العلمية على الخط ؛ محاولة تفكيك أساطير النص الديني حول الإنسان و الكون و التاريخ … كانت العقلية الدينية في الثقافة العربية تعيد الاعتبار لهذا النص و تمنحه سلطة أوسع ؛ باعتباره يحوي كل علوم الدنيا و الدين . و كل من يخالف هذا النص يعتبر محدثا لسنة سيئة ؛ يقع عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القامة ؛ و في نفس الآن اعتبرت كل محافظة على منطق هذا النص استحداثا لسنة حسنة ؛ أجرها و أجر من عمل بها ؛ لمن استحدثها إلى يوم القيامة .

و ارتباطا بمنطق النص الديني هذا دخل الفكر العربي في إعادة إنتاج المنظومة اللاهوتية القديمة ؛ بوصفها أرقى ما وصل إليه الفكر الإنساني في اعتباره ؛ و بذلك ساد الجمود في الثقافة العربية قرون طويلة ؛ حتى اعترفت به هذه الثقافة نفسها و أطلقت عليه اسم الانحطاط والتدهور ، لكن هذا لا يعني ان هذه الفترة لم تنجب مبدعين ومفكرين بل العكس انجبت مفكرين عظماء مثل ابن خلدون وابن منظور والرحالة ابن بطوطة واخرون.

و من منظور استحداث السنة الحسنة طلبا لأجرها و أجر من عمل بها ؛ تم التفكير في الخروج من هذا الانحطاط باعتماد نفس منطق النص الديني ؛ لكن هذه المرة تم التفكير في العودة به إلى أصوله الأولى ، وقد تكرست سلطة النص الديني خلال التاريخ المعاصر بشكل أفدح من الأشكال السابقة بظهور ما يسمى بالحركات الإسلامية ؛ التي تفتخر بأنها تشكل صحوة لهذا النص ؛ و استعادة للمكبوت الديني القديم.

ومن خلال كل هذه المراحل كان الفكر العربي يفشل في الارتباط بروح العصر ؛ و يكرس روح الماضي في شكل سلفي باهت ؛ يقتل في الحاضر روح الخلق و الإبداع ؛ و يفتح لمستقبل فكري مظلم سمته التردي الشامل .

و هذا ما ينعكس بشكل مباشر على واقعنا الذي يعاني من جميع أشكال التخلف ؛ سياسيا عبر تكريس الاستبداد و غياب أي أفق للديمقراطية ؛ و اقتصاديا عبر تكريس اقتصاد الريع المتخلف و غير المنتج ؛ و اجتماعيا عبر تكريس نموذج القبيلة و العشيرة و الروابط الدموية ؛ و ثقافيا عبر تكريس الخرافات و الشعوذة و الفكر الغيبي التواكلي و القدرية العمياء و الدروشة.

وما لا يخفى ان حاضر الأمة العربية يعاني جميع أشكال الاختلال ؛ الأمر الذي يهدد في المستقبل القريب بانفجارات خطيرة تقودها شعوب تعيش بأجسادها في العصر الحديث بينما ترتبط ثقافيا ووجدانيا بعصور غابرة ضاربة في القدم ؛ تستعير منها أشكال التفكير و الشعور و الممارسة .

في ظل هذا الوضع المتردي الذي نمر به ؛ أتساءل عن مسؤولية المثقف التنويري ؛ الذي ينهل من الفكر الحديث ؛ و يمتلك رؤية فكرية حديثة هل يقف متفرجا على ما يحدث متذرعا بعدم قدرته على التواؤم مع شعوب تعرف القرن الثاني الهجري أكثر مما تعرف عصرها ؟ أم إن مسؤوليته مضاعفة الآن أكثر ؟

كما يمكن الإشارة الى الأزمة التراجعية الحالية من خلال مظاهرها الرئيسية؛ أي التجزئية والتبعية والتخلف، وهذه الأوصاف والمظاهر مترابطة لأنها نابعة من أصل المركب الحضاري الذي خسر عناصر قوته خلال المسار التاريخي؛ فالحضارة كالفرد عندما تولد، تولد مزودة بجملة استعدادات لامتلاك القوة، وأخرى قادرة على إفراز الضعف، وعندما تدخل الحضارة في طور القوة فإنها تكون قد تمكنت من تحفيز استعدادات القوة لديها بنجاح، وهو يعادل قدرتها على حصر استعدادات الضعف في حالة من الكمون طوال مدة نهوضها، وعندما تبدأ بخسارة عناصر قوتها فإنها تعجز عن ضبط استعدادات الضعف، فتبرز إلى السطح لتفرض عليها السير في طريـــــق التراجع والانكماش.

وعلى هذا فإن الأزمة الحضارية التي تواجه الأمة نتجت، أثر تفعيل عوامل الضعف وتراجع عوامل القوة المقابلة لها؛ أي إن النهوض والتراجع عبارة عن صراع بين عوامل التلاحم والتماسك (والنهوض) وبين عوامل التفكك (والتراجع)؛ فالتبعية لم تكن لتبرز كظاهرة تجسد أعلى طور من أطوار التراجع، إلا بعد أن قطعت عوامل الضعف شوطاً طويلاً في التفلت من عوامل الكبح وتحولت إلى بديل يملأ الواجهة ويحسد شخصية الأمة أو كبديل لعوامل القوة المتلاشية.

فالتبعية تحتاج إلى ما يعرف بالقابلية للاستعمار وهذه بدورها تعني وجود فضاء في الذات يكفي لنفوذ القوى الخارجية ولعبها الدور على صعيد التطورات الداخلية كعامل رئيسي في توجيه الواقع.فالبداية ذاتية دائماً ولا بد أن تكون نهاية الأزمة ذاتية أيضاً؛ أي فرض التراجع على عوامل التراجع أو إعادة ضبط عوامل الضعف وإرجاعها إلى وضع الكمون، فأمامنا دائماً مركب حضاري ضعيف يتراجع ككل ويتقدم ككل ولا يمكن الفصل بين هــــذه المفردة أو تلك كما أننا لا يمكن أن نتصور حصول نهوض إلا في حالين:

الأول: هو تواصل عوامل التراجع حتى تصل الحضارة إلى أقصى التراجع وهو الزوال أو تواصل هذه العوامل حتى الدخــــول في دورة جديدة.

أما الحال الثاني: فهو يقظة تقود إلى التواصل مع أسس الحضارة، والتغلب على ما دبّ فيها من عوامل الضعف.