مَن‭ ‬يضحك‭ ‬على‭ ‬مَن؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

لماذا‭ ‬يجري‭ ‬تركيز‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬مصطلح‭ ‬حدوث‭ -‬تغيير‭ ‬في‭ ‬النظام‭- ‬الإيراني،‭ ‬ويبدو‭ ‬أنّه‭ ‬يؤسس‭ ‬نظرية‭ ‬التفاوض‭ ‬الممكنة‭ ‬ونهاية‭ ‬الحرب‭ ‬المحتملة‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الفهم‭. ‬رغبة‭ ‬ترامب‭ ‬هي‭ ‬خروج‭ ‬قيادة‭ ‬إيرانية‭ ‬جديدة‭ ‬داخل‭ ‬النظام‭ ‬نفسه‭ ‬تفكر‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة،‭ ‬لا‭ ‬أدري‭ ‬كيف‭ ‬يبني‭ ‬نظريته‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬بنات‭ ‬أفكاره‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬خلاصة‭ ‬القناعات‭ ‬الاستخبارية‭ ‬الامريكية‭ ‬بعد‭ ‬اكتشاف‭ ‬العجز‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬قوى‭ ‬بديلة‭ ‬تستطيع‭ ‬إقامة‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬إيران؟

لكثرة‭ ‬التصريحات‭ ‬النارية‭ ‬والمتناقضة‭ ‬وزلاّت‭ ‬اللسان‭ ‬والالفاظ‭ ‬الخارجة‭ ‬عن‭ ‬اللياقة‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬اشتهر‭ ‬بها‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬تولد‭ ‬الشعور‭ ‬لدى‭ ‬أغلبية‭ ‬الناس‭ ‬انّه‭ ‬يتحدث‭ ‬من‭ ‬دواعي‭ ‬تفكيره‭ ‬وما‭ ‬تمليه‭ ‬عليه‭ ‬رغباته‭ ‬وطموحاته‭ ‬التي‭ ‬يبدو‭ ‬أغلبها‭ ‬مثل‭ ‬سراب‭.‬

التغيير‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬هو‭ ‬الاحتمال‭ ‬الأرجح‭ ‬لدى‭ ‬الدوائر‭ ‬التي‭ ‬تراقب‭ ‬الوضع‭ ‬الإيراني،‭ ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭ ‬له‭ ‬صيغتان،‭ ‬الصيغة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬ظهور‭ ‬قوى‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬الإيراني‭ ‬عبر‭ ‬موجات‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬مع‭ ‬تنظيمات‭ ‬سياسية‭ ‬مؤهلة‭ ‬للإفادة‭ ‬من‭ ‬انهيارات‭ ‬عسكرية‭ ‬وأمنية‭ ‬عدة‭ ‬للقيام‭ ‬بانقلاب،‭ ‬لابدّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬صفحة‭ ‬دموية‭ ‬شرسة‭ ‬وغير‭ ‬مأمونة‭ ‬النتائج‭.‬

‭ ‬وصيغة‭ ‬ثانية،‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬النظام‭ ‬الحاكم‭ ‬لولاية‭ ‬الفقيه‭ ‬أن‭ ‬يعد‭ ‬انتاج‭ ‬ذاته‭ ‬استناداً‭ ‬الى‭ ‬نتائج‭ ‬الامر‭ ‬الواقع‭ ‬التي‭ ‬أحدثتها‭ ‬القوة‭ ‬الامريكية‭ ‬والإسرائيلية،‭ ‬فيتدارك‭ ‬سياسيون‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬عبر‭ ‬الحلقات‭ ‬القيادية‭ ‬الأدنى‭ ‬حدوث‭ ‬السقوط‭ ‬الكامل‭ ‬للنظام‭ ‬وقيام‭ ‬نظام‭ ‬جديد‭ ‬لن‭ ‬يبقي‭ ‬على‭ ‬عمامة‭ ‬واحدة‭ ‬بينهم،‭ ‬فيكون‭ ‬خيارهم‭ ‬في‭ ‬احداث‭ ‬تبدلات‭ ‬في‭ ‬الوجوه‭ ‬والمواقف‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬حصول‭ ‬فارق‭ ‬نوعي‭ ‬وهو‭ ‬اقتناع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬انها‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬طبقة‭ ‬سياسية‭ ‬جديدة‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬حداً‭ ‬للحرب‭ ‬وملحقاتها‭. ‬وهذا‭ ‬الاحتمال‭ ‬ليس‭ ‬أميناً‭ ‬تماماً،‭ ‬بل‭ ‬لعلّه‭ ‬محفوف‭ ‬بمخاطر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاحتمال‭ ‬الذي‭ ‬سبقه‭ ‬بسبب‭ ‬استمرارية‭ ‬سلطة‭ ‬الحرس‭ ‬الثوري‭ ‬المتنفذة‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬مفاصل‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬الخسائر‭ ‬والضربات‭ ‬الموجعة‭.‬

من‭ ‬شبه‭ ‬المستحيل‭ ‬أن‭ ‬يحدث‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬في‭ ‬بضعة‭ ‬أسابيع‭ ‬الفارق‭ ‬النوعي‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬قيادة‭ ‬إيرانية‭ ‬بتفكير‭ ‬مختلف‭ ‬عن‭ ‬المرشد‭ ‬السابق‭ ‬علي‭ ‬خامنئي،‭ ‬لاسيما‭ ‬أنّ‭ ‬ابنه‭ ‬اللصيق‭ ‬بفكره‭ ‬وسياساته‭ ‬هو‭ ‬المرشد‭ ‬الجديد‭. ‬لكن‭ ‬يمكن‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬يلعب‭ ‬الإيرانيون‭ ‬مناورة‭ ‬البقاء‭ ‬بدل‭ ‬الفناء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تبرير‭ ‬القبول‭ ‬الاضطراري‭ ‬بواقع‭ ‬أمريكي‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬عبور‭ ‬هذا‭ ‬النفق‭ ‬المظلم‭ ‬المتمثل‭ ‬بحرب‭ ‬عنيفة‭ ‬تسير‭ ‬بخطى‭ ‬ثابتة‭ ‬لإخراج‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬محيط‭ ‬البلدان‭ ‬القابلة‭ ‬للعيش‭ ‬الى‭ ‬خانة‭ ‬البلدان‭ ‬الفاشلة‭.‬

‭ ‬هناك‭ ‬مَن‭ ‬يفكر‭ ‬في‭ ‬استيعاب‭ ‬ترامب‭ ‬حتى‭ ‬تمضي‭ ‬فترته‭ ‬الرئاسية‭ ‬وتنتهي‭ ‬تداعياتها‭ ‬ويعقبه‭ ‬الديمقراطيون‭ ‬السُذّج‭. ‬غير‭ ‬انّ‭ ‬اللعبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬كثيراً،‭ ‬وقد‭ ‬دخلت‭ ‬إيران‭ ‬دائرة‭ ‬الاحتراق‭ ‬بقدمها‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬العسل‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭.‬

[email protected]

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية