17‮ ‬تموز ذلك التاريخ المرعب – مقالات – ثامر مراد

17 تموز ذلك التاريخ المرعب – مقالات – ثامر مراد

من يطالع هذا العنوان يسافر ذهنه الى ذلك العصر الذي سيطر فية حزب البعث على منابع السلطة في العراق صباح هذا اليوم من عام 1968 واشياء اخرى, بالنسبةِ لي شخصياً أنظر الى هذا التاريخ من زاوية أخرى تختلف إختلافاً كبيراً عن المعتقدات وألأفكار ألأخرى. لكي لانترك هذا اليوم دون مرور سريع الى التاريخ الحقيقي لما حدث في 17  تموز عام 1968  أقول بأنني كنتُ طفلا في السادس ألأبتدائي حينما سمعتُ في ألأذاعة العراقية أن هناك ثورة بيضاء حدثت في العاصمة . لم أفهم في ذلك الزمن معنى الثورة البيضاء ولكن فيما بعد إتضحت الصورة وعرفتُ كل شيء كما تعرفون أنتم ما كان قد ماجرى. 17 تموز عام 2007 كان بالنسبةِ لي حدثاً رسم في الذاكرة صورة مأساوية لن تزول مادمتُ على قيد الحياة. كانت الساعة تشير الى الثالثة من بعد الظهر وأنا في مكتب التلفزيون الياباني منهمكاً في أعمال الترجمة التي ليس لها نهاية اثناء ساعات اليوم. دق هاتفي النقال. قفز قلبي رعباً بكل ماتعنية هذه الكلمة من معنى لأن المتصل كان ولدي الكبير. لايتصل بي إلا إذا كانت هناك قضية حياة أو موت. بيدٍ مرتعشة وقلب يكاد يتوقف عن النبض صرخت ” ها..من مات؟ من أُختطف؟ من حدثت له مصيبة؟” . الزمن كان أشد زمن رعباً في تاريخ العلاقات ألأنسانية. الخطف على أشده. القتل على الهوية لايتوقف. إطلاقات ألأمريكان على الناس ليس لها وقت محدد أو مكان معين. كل شيء محتمل في ذلك الوقت. قال برعب ” بابا أنا محصور قرب كلية الطب في باب المعظم. نجحت بتفوق . ألأطلاقات النارية تأتي من كل ألأتجاهات لاأعرف كيف سأجد سيارة ..ماذا أفعل؟” . نهضتُ من مكتبي صارخاً ” إبقَ في مكانك سأذهب اليك على دراجتي النارية. المهم أن تختبئ في مكان أمين لحين وصولي إليك.” قفزتُ من مكتبي وأنا اصرخ الى المدير بأنني ذاهب لأنقاذ ولدي. لم يقل أي شيء سوى ” حافظ على سلامتك” . بسرعة البرق وضعتُ غطاء الراس المخصص للدراجات النارية. قبل أن أنطلق دق هاتف ولدي مرة أخرى قائلا” وجدتُ سيارة” . صرخت بأعلى صوتي ” سأنتظرك قرب تمثال كهرمانة ” . عند الشارع الفرعي المؤدي الى السفارة الفرنسية وقفت دون أن أترجل من الدراجة النارية. كانت الدقائق تمر كأنها سنوات مرعبة. بين دقيقة وأخرى أتصل به كي يحدد لي موقعة. كان يذكر لي المكان الذي وصلت إلية سيارة الكيا و أنا اشرح له كيف يعثر على مكاني . 15 دقيقة مرت وقلبي يكاد يتوقف عن الحركة . راح ذهني يسافر الى مواقف كثيرة مرعبة. ماذا لو لم يتمكن من الوصول؟ ماذا لو حدث له شيء مرعب؟ صور كثيرة كانت تتقافز الى ذهني وتجعل كل عصب من اعصابي يحترق. في اللحظة التي وصل فيها طلبتُ منه أن يصعد خلفي ويحكم قبضة يدهُ بجسدي. إنطلقتُ كالصاروخ بأتجاه البيت . كانت الشوارع خالية نسبياً من كافة المركبات المتحركة مما سهل مهمتي في الضغط بيدي على دواسة البنزين كأنني حاقد على كل الظروف المرعبة التي تعصف في هذا الوطن العزيز. كان يحتمي بظهري من شدة هواء تموز الحار. لم توقفني أي سيطرة ولم يسألني اي عسكري السؤال اليومي المعتاد ” من أين جئت والى أين تذهب؟” . على الطريق السريع القريب من البيت أوقفت الدراجة وأخذتُ نفساً عميقاً كأنني خارج من تجربة مهلكة. أخبرتهُ أن يركض صوب البيت خوفاً من طلقة تائهه أو حدث غير متوقع. كل شيء في ذلك الزمن ممكن. طلب مني أن نذهب الى البيت سوية وترك بقية دوام ذلك اليوم. لم إجبه إلا بشيء مقتضب ” لازال لدي عمل” . نظر إليَّ بصمت وكأن هناك شيء ما يجول في خاطرة. حينما شاهدته يدخل البيت إنطلقت بأقصى سرعة نحو مكان العمل. بعد الساعة الخامسة بقليل خرجنا من المكتب جميعا. في تلك الساعة يكون الشارع السريع موحشا مخيفا كأنه مكان مخصص للموت. الطلقات النارية تأتي من البساتين الممتدة على طول الطريق. الشارع مفتوح أمامي كبحرليس له نهاية. سرعة دراجتي النارية 140  كيلومتر في الساعة كنت أتمنى أن تكون أعلى بكثير. أحياناً أحقد على الشركة التي حددت السرعة بهذا الرقم. الهواء يلفح وجهي رغم الخوذة المطاطية التي أضعها. عند منتصف الطريق كانت السيارات العسكرية ألأمريكية تغلق الشارع. حاولت التقدم اليهم وشرح لهم سبب وجودي لكنهم اشاروا إلي بألأبتعاد وإلا أطلقوا النار. في بعض المرات التي تحدث كهذا اليوم كانوا يسمحون لي بالتقدم اليهم والحديث معهم. حينما يتأكدوا من هويتي ويفهمون مااذكر لهم بسهولة يسمحون لي بالمرور.هذا اليوم كانوا متعصبين بسبب الوضع ألأمني الخطر. عدت الى الوراء وسلكتُ طريقاً ترابيا زراعيا لأنني أعرف جميع المنافذ التي تؤدي الى البيت. أصبحت على مقربة لاتقل عن 1000 متر عن البيت. على حين غرة ظهرت مجموعة من الرجال المدججين بالسلاح. بدون تفاهم قيدوا يداي وعصبوا عيناي وقادونني الى غرفة. أجروا معي تحقيقاً طويلاً عن ألأسم والعشيرة والدين والطائفة. سمعتُ أحدهم يقول ” لنقتلهُ وندفنه هناك” . سلبوا مني دراجتي والف دولار وهدية بـ 60  دولار كنتُ قد اشتريتها لولدي بمناسبة نجاحه من الرابع طبية وصناديق ماء معقم و20 لتر من البنزين. لو لم يتأكدوا أنني من سكنة المنطقة لكان موتي اسهل من ذبح عصفور صغير. بعد غروب الشمس بدأت مساومتي على 70 الف دولار لأطلاق سراحي. أكدتُ لهم أن كل ماموجود في البيت لايعادل واحد في المئة من هذا المبلغ. في النهاية أرادوا أطلاق سراحي ولكن بكل ماموجود لدي من سيولة نقدية في البيت. أقسمت لهم أنني لااملك إلا شيء بسيط لايتعدى ألألف دولار. وافقوا على المبلغ. رافقونني الى منطقة قريبة من البيت بعد أن حجزوا هويتي المدنية وهوية المكتب ألأعلامي وجوازي وهاتفي النقال. ركضتُ الى البيت بين الطرق الملتوية كي لايعرفوا مكان البيت. وجدتُ شريكة حياتي وولدي ألأخر على وشك الموت من الخوف. طلبتُ منهم عدم الصراخ وأن يلتزموا جانب الصمت. خطفت المبلغ من تحت السرير حيث كنت أخفية من أي إنسان. عند باب البيت الخارجي للدار طلبت من ولدي أن ينتظر خلف الباب, وأخبرته إذا سمع صوت إطلاقات نارية سيجدني جثة هامدة عند المكان الفلاني. جلس على ألأرض من شدة الرعب وقال ” بابا لاتقل هذابالله عليك ” . ركضت في الظلام نحوهم. كانت سيارتهم تبعد عن البيت حوالي 200 متر. وقفت بجوار أحد الجدران أنتظر منهم إشارة التقدم لتسليمهم المبلغ. كانوا ملثمين . ركض أحدهم نحوي أستلم المبلغ وسلمني الجواز وهويتي المدنية وإحتفظ بهوية مكتب ألأعلام والهاتف النقال. عدت الى البيت راكضا كأنني خرجت من القبر. بعد 10 أيام عدت الى العمل محطم الذات. مدير المكتب إشترى لي دراجة جديدة . مرت سنوات وأنا مازلت أتذكر تلك الحادثة وكأنها حدثت أمس.

تعبتر جريمة الخطف من أقسى انواع الجرائم في نظري الشخصي لما يعانية المخطوف من لحظات مرعبة . أتمنى أن يُسلم بيدي كل من يخطف شخص وأنا اصدر الحكم علية لأذقتهُ اشد انواع العذاب حتى يلفظ أنفاسهُ ألأخيرة. سيبقى 17 تموز في ذاكرتي ….ذلك التاريخ المرعب .