


الفريق الركن صباح نوري العجيلي
1️⃣ تمهيد :
منذ تأسيس الكيان الإسرائيلي عام 1948، أولت القيادة الإسرائيلية أهمية كبيرة للعمل الاستخباري بوصفه أحد أهم أدوات حماية الأمن القومي في بيئة إقليمية معقدة ومعادية. وفي هذا السياق أُنشئ جهاز الموساد عام 1949 ليكون الجهاز المسؤول عن جمع المعلومات الاستخبارية الخارجية وتنفيذ العمليات السرية خارج حدود الدولة.
وقد تطور دور الموساد عبر العقود ليصبح أحد أبرز أجهزة الاستخبارات في العالم، معتمداً على مزيج من العمل الاستخباري البشري، والتكنولوجيا المتقدمة، والعمليات الخاصة.
ومع تصاعد التوتر الاستراتيجي بين إسرائيل وإيران خلال العقود الأخيرة، أصبح الموساد أحد الأدوات الرئيسية التي تعتمد عليها إسرائيل في إدارة هذا الصراع، وبدلاً من المواجهة العسكرية المباشرة، التي قد تؤدي إلى حرب إقليمية واسعة، تبنت إسرائيل استراتيجية تقوم على الحرب الاستخبارية والعمليات السرية بهدف إضعاف القدرات الإيرانية، وخاصة البرنامج النووي.
وقد برز دور الموساد بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، سواء عبر جمع المعلومات الدقيقة، واختراق البيئة الأمنية الإيرانية، أو تنفيذ عمليات نوعية استهدفت العلماء النوويين والمنشآت الحساسة، إضافة إلى عمليات معقدة للحصول على معلومات سرية من داخل إيران.
2️⃣ التفوق الاستخباري وبناء بنك الأهداف:
يُعد التفوق في المعلومات أحد أهم عناصر القوة في الصراعات الحديثة. وقد عمل الموساد على بناء شبكة معلومات واسعة داخل إيران مكنته من جمع بيانات دقيقة عن:
– المنشآت النووية والعسكرية.
– برامج الصواريخ والتكنولوجيا المتقدمة.
– شبكات القيادة والسيطرة في المؤسسات العسكرية.
– تحركات القيادات والعلماء المرتبطين بالبرنامج النووي.
هذه المعلومات شكلت الأساس لبناء بنك أهداف دقيق يُستخدم في العمليات السرية أو الضربات العسكرية المحتملة.
3️⃣ اختراق البيئة الأمنية الإيرانية:
من أبرز مظاهر الحرب الاستخبارية بين الطرفين قدرة الموساد على تنفيذ عمليات داخل العمق الإيراني، وهو ما يشير إلى وجود اختراقات في البيئة الأمنية. وقد اعتمد الجهاز في ذلك على مجموعة من الأدوات، منها:
– تجنيد مصادر بشرية داخل المؤسسات الحساسة.
– استخدام وسائل التجسس الإلكتروني المتطورة.
– استغلال الثغرات الأمنية والإدارية.
– إنشاء شبكات دعم لوجستي سرية داخل إيران.
وقد سمحت هذه الاختراقات للموساد بالوصول إلى معلومات عالية الحساسية وتنفيذ عمليات معقدة في بيئة أمنية شديدة الرقابة.
4️⃣ اغتيال العلماء النوويين:
اعتمدت إسرائيل سياسة استهداف العقول العلمية المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، انطلاقاً من قناعة بأن البرنامج النووي لا يقوم فقط على المنشآت، بل على الخبرات البشرية التي تديره.
ومن أبرز العلماء الذين تم اغتيالهم في عمليات نسبت إلى الموساد:
العالم النووي مسعود علي محمدي عام 2010 في طهران.
العالم النووي مجيد شهرياري عام 2010 في عملية تفجير استهدفت سيارته.
العالم النووي مصطفى أحمدي روشن عام 2012 بواسطة عبوة مغناطيسية
العالم النووي البارز محسن فخري زاده عام 2020 في عملية معقدة قرب طهران.
وتهدف هذه العمليات إلى إبطاء تطور البرنامج النووي الإيراني وإرباك المؤسسات العلمية المرتبطة به، إضافة إلى إحداث تأثير نفسي داخل المنظومة الأمنية والعلمية الإيرانية.
5️⃣ سرقة الأرشيف النووي الإيراني:
في واحدة من أكثر العمليات الاستخبارية جرأة، تمكن الموساد عام 2018 من الاستيلاء على الأرشيف النووي الإيراني من مستودع سري في طهران.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، نجحت العملية في نقل:
عشرات الآلاف من الوثائق الورقية. وآلاف الملفات الرقمية. ومعلومات تتعلق ببرنامج الأسلحة النووية السابق المعروف باسم مشروع آماد.
وقد عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو) جزءاً من هذه الوثائق في مؤتمر صحفي، مؤكداً أنها تقدم دليلاً على طبيعة الأنشطة النووية الإيرانية السابق
6️⃣ دعم العمليات العسكرية:
لا يقتصر دور الموساد على العمل الاستخباري البحت، بل يشكل جزءاً مهماً من المنظومة العملياتية الإسرائيلية. فالمعلومات التي يجمعها الجهاز تُستخدم في:
– تحديد الأهداف ذات القيمة الاستراتيجية العالية.
– توفير إحداثيات دقيقة للضربات الجوية.
– تقييم نتائج العمليات بعد تنفيذها.
وبذلك يصبح العمل الاستخباري جزءاً أساسياً من دورة العمليات العسكرية الحديثة.
7️⃣ دور الموساد في اغتيال القيادات خلال الحرب الأخيرة:
خلال التصعيد الأخير بين إسرائيل ومحور إيران، برز دور الموساد بشكل واضح في تنفيذ أو دعم عمليات استهداف نوعية طالت قيادات عسكرية وأمنية بارزة ضمن ما يُعرف باستراتيجية “قطع الرأس” (Decapitation Strategy).
تعتمد هذه الاستراتيجية على استهداف القيادات ذات القيمة العالية (High Value Targets) بهدف إحداث خلل سريع في منظومة القيادة والسيطرة، وتقليل كفاءة اتخاذ القرار، وإرباك شبكات العمليات المرتبطة بها. ويُعتقد أن الموساد لعب دورًا مركزيًا في هذا السياق من خلال:
– تحديد الأهداف بدقة عالية عبر اختراقات استخبارية بشرية وتقنية داخل بيئات معادية.
– توفير معلومات آنية عن تحركات القيادات ومواقع تواجدها.
– دعم عمليات الاستهداف سواء عبر توجيه ضربات دقيقة أو من خلال أدوات غير مباشرة.
وفي حالات متعددة، اتسمت عمليات الاغتيال بدرجة عالية من التعقيد، ما يشير إلى تكامل بين العمل الاستخباري والقدرات العملياتية، سواء داخل إيران أو في ساحات إقليمية أخرى مثل سوريا.
8️⃣ الحرب النفسية وإضعاف الثقة الأمنية:
إلى جانب الأهداف العملياتية، حققت الاختراقات الأمنية داخل إيران أثراً نفسياً مهماً، إذ تؤدي العمليات الاستخبارية الناجحة إلى:
إضعاف ثقة القيادات بقدرة الأجهزة الأمنية على الحماية.
خلق حالة من الشك داخل المؤسسات العسكرية والعلمية.
دفع الدولة إلى زيادة الموارد المخصصة للأمن الداخلي.
وهذا بدوره يشكل ضغطاً مستمراً على المنظومة الأمنية الإيرانية.
9️⃣ الحرب الاستخبارية في ظل الحرب الدائرة:
في ظل الحرب الدائرة، يتضح أن الصراع بين إيران وإسرائيل دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد “الحرب الخفية” بديلاً كاملاً عن المواجهة، بل أصبحت مكمّلاً لها. فقد تداخلت العمليات الاستخبارية التي يقودها الموساد مع الضربات الجوية والعمليات العسكرية المباشرة، ضمن نموذج تصعيدي محسوب يجمع بين السرية والعلنية في آن واحد.
ورغم النجاحات التكتيكية التي حققتها عمليات الاغتيال والاختراق الاستخباري في إرباك المنظومات المرتبطة بـ إيران، إلا أنها لم تتمكن من إحداث حسم استراتيجي نهائي، نظرًا لقدرة هذه المنظومات على التكيّف وإعادة إنتاج بنيتها القيادية والعملياتية. وفي المقابل، تواجه إسرائيل تحديًا متزايدًا يتمثل في إدارة هذا التصعيد دون الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة قد تفتح جبهات متعددة في وقت واحد.
تشير المعطيات الحالية إلى أن المرحلة المقبلة ستتسم بتكثيف عمليات “الاستهداف الدقيق” ضد القيادات والبنى التحتية الحساسة، بالتوازي مع استمرار الضربات الجوية في مسارح مثل سوريا، ما يعكس استمرار الاعتماد على مزيج من التفوق الاستخباري والقوة النارية لتحقيق الردع.
وعليه، يمكن القول إن الصراع يتجه نحو نموذج “حرب مركبة” (Hybrid Conflict)، تتداخل فيه العمليات السرية مع المواجهات المحدودة، ضمن معادلة دقيقة تحاول من خلالها الأطراف تحقيق أكبر قدر من التأثير الاستراتيجي بأقل كلفة ممكنة، مع إبقاء سقف التصعيد دون مستوى الحرب الشاملة وإن كان هذا السقف يبقى هشًا وقابلاً للانكسار في أي لحظة.



















