يوميات أفندي
آليات التغيير
حصلت التغييرات الكبيرة في العلاقات الإنسانية نتيجة حركات قام بها المتنفذون لتدعيم سلطانهم وتوسيعه، أو دعوات أطلقها المتنورون الطامحون لتحقيق العدالة، والراغبون في بسط نفوذهم وسيطرتهم، والانتقام من الحكام الظلام أيا كانوا!
فمنذ أن وضع الإنسان الأول قوانينه الأولى في بلاد الرافدين على يد حمورابي الملك، وحركة المجتمعات البشرية المختلفة تسير إلى الأمام أحيانا والى الخلف أحيانا أخرى، وتتداخل فيها المصالح والطموحات الشخصية مع المصالح العامة المزعومة! وكان أبناء الجنس البشري يدفعون ثمن صراعات الملوك والأمراء والسلاطين المختلفين أملا في تحقيق العدالة أحيانا، أو إكراها في كثير من الأحيان، مع انه كان ثمنا باهظا، لاعتماد آلية التغيير على القوة ليس إلا!
لكن آلية تغيير العلاقات بين الحاكم والمحكوم هذه، شهدت تغيرا كبيرا على المستوى الكوني إبان عصر التنوير الأوربي، حسب ما يزعم الغربيون! متناسين أو متجاهلين ما حدث في منطقتنا قبل ذلك التغيير الكبير بقرون، فقد شهدت الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والعراق حركات مجتمعية سلمية من نوع آخر، تمثلت في الأنبياء والمرسلين الموحدين الذين دعوا إلى الحق والعدل والإنصاف والمساواة والحرية، بلا إراقة دماء، واختتمت برسالة الإسلام الكونية!
لكن هذه الرسالة/الحركة التي جمعت القبائل العربية الجاهلية في القرن السادس الميلادي حول رسالة النبي العربي محمد (ص) لم تلق الاهتمام من قبل المؤرخين والباحثين الغربيين والعرب تعصبا أو تقليدا أعمى! ولم ينظر إليها كنقطة تحول في آليات تغيير العلاقات رغم أنها وضعت آليات جديدة للتغيير، ومبادئ متقدمة للتفكير! وما زالوا إلى الآن يعتبرون وثيقة الإصلاح التي وقعها الملك البريطاني جون الأول 1214م (الماغنا كارتا) نقطة التحول الأولى في تاريخ العلاقات الإنسانية، ويهملون وثيقة المدينة التي وقعها ونفذها النبي العربي محمد بن عبد الله قبله بستة قرون، وهي أكثر تقدما، وأوضح محتوى، واشمل فكرا!
الإسلام وضع مبدأ المساواة بين الحاكم والمحكوم في المسؤولية..في الثواب والعقاب. ووضع المعايير لعزل الحاكم الجائر، أو الخارج عن مقاصد الشريعة الإسلامية في العدل والإحسان والمساواة، فالحاكم مسؤول أمام الله والناس، وعلى المسلمين طاعته ما أطاع الله، وحث المسلمين (المواطنين) على عدم الرضوخ له، إن خرج عن مقاصد الشريعة، بل عد ذلك إثما شرعيا يسالون عنه يوم الحساب، وعد أن من أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر، وكان من أروع مبادئ الإسلام المتداولة إلى اليوم (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟).
وقد ترجمت هذه المبادئ الإسلامية الجديدة على شكل انتفاضات واحتجاجات جماهيرية متواصلة، مختلفة الوسائل والأساليب، ومتفاوتة التأثير والحجم والأهداف، منذ أيام الخليفة الأول أبو بكر الصديق (ر)، وحروب الردة، ومرورا بأيام الخليفة الثالث عثمان بن عفان (ر) والتمرد الكبير الذي أدى إلى مقتله، وأيام الخليفة الرابع علي بن أبي طالب (ع)، وحروبه ضد المتمردين المختلفين، ووصولا إلى حركة الإمام الحسين (ع) التغييرية السلمية، التي قمعت على ارض كربلاء العراق بوحشية وهمجية لا نظير لها، وثورة عبد الله بن الزبير في مكة وقصف الكعبة بالمنجنيقات، وتوالي هذه الثورات والحركات الفكرية والاحتجاجية إلى أيام العباسيين والفاطميين!
كل هذا حصل وثبت في التواريخ المختلفة، وكل يكتب على شاكلته، لا مشكلة في التفاصيل، لكن الذي لا خلاف فيه، أن كل ذلك حدث فعلا قبل (الماكنا كارتا) بستة قرون تقريبا، ولا نزال إلى الآن نردد وراء الغربيين ما يدعونه من فضل لأنفسهم على الإنسانية بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير!
أحمد محمد احمد
Al_baghdadia@yahoo.com
/4/2012 Issue 4170 – Date 10 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4170 التاريخ 10»4»2012
AZP02


















