
وضع عقود للتعايش والتمازج – حسن السراي
الفكر قبل طرحه إرادة جامحة ، والفعل قبل إنجازه إرادة لا تلين ، والتياؤس مجلبة لبؤس الوعي ، وقتل الحلم ، أنه نزع سافر واجرامي لألوان الحياة. فيا عباد الله العرب خففوا من غلوكم المذهبي والحزبي والفكري ، وتعادلوا في ابعادكم ، وتوسطوا وإقسطوا بحكمة ، وسيذوب أثناءها صراع المذاهب ، وصراع العوائل، وصراع المصالح ، وصراع التبعيات للخارج ، ويسود الدين الوسط والمحبة ، وتنتعش المواطنة ، ولايدوم إلا وجه ربك الحنان الكريم. ان حال التكتلات الحزبويته الراهن لا يبني بلدا ، ولا يؤسس لإقتصاد جيد ،ولا يخدم مواطنا . ولا يقدم سوى تذوق الهوان والتشظي وربما الموت والفجائع ، بعد أن خلقت الجفوة والتضاد بين فئات المجتمع شاءت أم أبت . ولو كان الهاجس الوطني وخدمة الشعب متقدما على المصالح والمنافع المالية والمادية الشخصية والعائلية والفئوية لجلسوا الى موائد المفاوضات ، ووضعوا عقود التعايش والتشارك بأريحية وحلت نقاط الخلاف والإختلاف فورا ، ولم تتح الفرص للتشظي والتفتت طولا وعرضا وكيانات جغرافية. لأن العرب بصورة خاصة قادرون ومن داخل الفكر الاسلامي المطور والمحين ان يبدعوا اشكالا صلبة للتعايش والتمازج لجميع مريدي المصالح الكبرى والاعراق المختلفة بثقافاتها المحلية الممكنة ، ولكن للأسف تنقصهم الارادات. وهذا صعب لديهم وله أسبابه ومسبباته. للأسف البعض يكتبون فقط ماضيا ، يؤسسون مسارب اللعن ماضيا ويتخاصمون ماضيا ، ويجرأون فقط ماضيا ، ولكن أن تخطأ حاضرا وتتعثر وتقف لتحيا حاضرا فهذا أفضل من ان تفسد بسبب عيشك على ماض وان مجد زورا. لأن من السهل هتك التاريخ بسرديات موبوءة سافرة تنخر عظام الحقيقة والادعاء باطلا. أنه لمسخرة علمية أن يكون السباب يوميا وتحت أنظار الجميع، سب ولعن ليس حقيقة وربما أغلبه مدسوس . تلاقفه المتفيقهون وأنصاف المتعلمين من الأميين وتداولوه في صالوناتهم المخملية ومؤتمراتهم وفنادقهم وقنوات بطرق فجة كاذبة طولا وعرضا ، وهرسلتها على طريق سلوك صبياني لعين ، أدى الى تدويل السب والشتم . تعودنا ان نرى ونقرأ مباحث بمحتويات غير بريئة بخاصة في كل العلوم الانسانية ، فليس هناك مبحث لوجه العلم في ذاته ، حتى وان كان على فرض سنجده بمنهج يسوقه سوقا الى خلاصات ما قبلية بكل اثمها السياسي والحضاري ، حتى انه تتم صناعة المنهج قبلا للمحتويات الممكنة الاتية الى درجة تعليبه وتسويقه مجانا ، كاي لوجيستال للبيع او للتحديث ، بعبارة اخرى كانك كباحث ان رضخت لهذا فانك صادرت عقلك الحر بفرض نهائيات طرحك حتى قبل مراحلك الممكنة في التناول والمعالجة . وتاسيسا على ذلك لا يمكن تبرئة الحقيقة العلمية النسبية والوقتية في كل مباحث العلوم الانسانية . وعلى هذه المباحث ان تبحث عن بعض مفقودة قبل الانهيارات العظيمة لانسانية متورمة يوما بعد يوم ، وان تعيد حلاوة التعلم والتعليم . قد تنتشر ثقافة اثنية ما وتغلب، ولكن الاثنية نفسها في وجودها الموضوعي تهرسل وتذوي لحد فقدانها احيانا ، وهذا يعود لعوامل عدة خاصة بالعصبية ذاتها وفي شقيقاتها المتحولات الى ثقافتها ، حيث يشتد تنافس الوجود بين العصبيات المتعانقة عقديا وثقافيا.
تدافع اجتماعي
على الحياة نفسها بأدوارها النوعية وخاصة النفوذ والسلطة والتدافع الاجتماعي. لذلك لا بد من عقد حضاري يسمح للعصبيات بالتعايش والتداخل وحتى بالذوبان الجيني لتينع من هذه الاثنيات أمة متماسكة غير متشظية ، بما يعطى الزخم لمحمولات الثقافة دفعا انتاجيا وانتشاريا فائقا يقيها عقرا ممكنا ، بل يفضي لولادة وطن ومواطنة ودولة قانون . ان التشدق بخارطة الطريق دائما يجب أن لا يتم إغفال حقيقة ونسيانها أنها ابنة غير شرعية للفكر المناهجي المحاصصاتي المقاراباتي القائل بان مجموع الاجزاء لا يساوي الكل ، والمعالج لاي حقيقة بتشظيتها ثم مقاربة خلاصات التشظي . ولرب سائل يسال هل هذا التوجه لوجه العدل والحق والعلم وذاته ؟ أم هو من نفايات الفكر الاستراتيجي القائل بتذويب الثقافات وصهرها عنيفا حتى تدجينها ثم وأدها للسيطرة وخلق المجاميع القطيعية ذات الوعي الباكي ؟ متى يتخلص الفكر الانساني المحدث من حدية التوجه المنهجي ويبقي على توازن في التناول والبحث؟ الجواب لازال يدور في فلك التوافقات والمحاصصات التي لا تنجب بلدا موحدا ونظاما .وازعم ان العقل المؤمن بامكانه ابداع ما هو ارقى وابقى على ان تكون القيم حضارية ، محمدية ايمانية، متنورة متطورة ، تشتاق الامم الاخرى الى ممارستها والعيش على منوالها لزخمها الجمالي الحق ، الجمال العدل ، وعدم تفرقتها بين الاثنيات الا بالايمان والاضافة والعمل والجهد الصالح بضمير جمعي بين . لاشك ان فلسفة مجتمعنا بعيدا عن التمجيد هي مجموعة من القيم تحتاج دائما لحداثة النظرة اليها لا الى تجديد كما يهرطق البعض بغباء انثربولوجي ، فالنص ثابت لا يتغير فقط المتلقون يتغيرون ، كما الزمن والمكان. وكلنا نعلم أن عقل المؤمن ثابت وموهوب. ان نحا في خلاصاته الى التعادل والحكمة. ولا ارى أخصب من الفكر الاسلامي لكي يبدع الانسان ثقافة وحضارة وقيما نبيلة ملهمة ، بعيدا عن التيه والعمى العقلي الموسوم به في عقود التخلف هذه. وعليه فان الاقبال على فرز وفرك المتهالك من ثقافتنا يستلزم الايمان بما نفعل ، واستهداف المعرفي في ذاته ، حتى لا نغرق في السياسي .
ارادة حرة
والمحصلة فان الارادة الحرة في التعامل مع مباحث كهذه بعيدا عن التمويلات المشبوهة ، والاهداف الموبوءة كفيلة وإن بان العوز المادي بتحقيق حواصل مهمة ، حتى وان صعبت المهمة وضاق الحال. فلنفكر بحرية اكثر ، بعمق حقيقي اخلاقي، وطني نقي، كطلقاء الايمان والانسانية ، ونضع عقودا ومواثيق وإتفاقات مهمة وثابتة للتعايش والتمازج والتآلف تحت خيمة الوطن الواسعة. وأن لا يسمح بالقفز على تلك العقود والمواثيق .
إرحموا العراق فأنه بلد خارج عن نطاق التوقيت الإيديولوجي والمذهبي ، وأعلم أيها السياسي مهما كنت أنك لن تنجح ما لم تكن عراقيا صرفا.


















