وزير مكافحة الفساد – حسن النواب

كلام مسموع
وزير مكافحة الفساد

حسن النواب
على مدى سنوات عمر مجلس النوّاب العراقي بعد سقوط الصنم ، كان الشعب العراقي يسمع ويرى بين حين وآخر قنابل صوتية يطلقها أحد اعضاء مجلس النواب تحت قبة البرلمان ، لكنها قنابل باهتة سرعان ما يتلاشى صوتها وتأثيرها في وجدان الناس ، هذه المرة إختلف المشهد جذريا مع حضور وزير الدفاع لإستجوابه ، حيث فوجىء الجميع بتحوّل دراماتيكي ولوجستي بتكتيك وزير الدفاع خلال إجابته على الأسئلة ، وبحكم خبرته العسكرية باغت الجميع بقصف كثيف ومرّكز من خلال تصريحاته النارية التي جعلت فرائص رئيس المجلس ترتعد وهو يجلس على كرسيّه الرئاسي ، ولم يتمكن من الصمود امام قوة النار التي فتحها وزير الدفاع ، فترك القاعة حفاظاً على ماتبقى من شكيمته وحتى لا يظهر إرتباكه امام الكاميرات ، بينما إستمر وزير الدفاع بهجومه الضاري مستخدما جميع أسلحته الفتاكة والصريحة جدا وهو يوزّع رصاص حديثه بتركيز لافت أدهش الجميع على توازنه ودقته ، لم يتوقع الجميع ان الوزير سيبدأ برمّانات هجومية بدلاً من رمانات دفاعية بحكم وضعه الإستجوابي ، فهو جاء مدافعا عن نفسه كما توقع الناس وأعضاء مجلس النوّاب ، لكنه قلب صفحة المعركة رأسا على عقب ، وبدأ بصفحة الهجوم مباشرة ضارباً عرض الحائط جس النبض والقصف التمهيدي الذي يجب ان تبدأ به كل معركة ، وخلال دقائق أصبحت قاعة البرلمان ساحة حرب حقيقية ، بوسعك ان تتخيل عدد المنذهلين والقانطين والمنهزمين نتيجة هجومه العنيف والذي لم يترك فرصة سانحة لأعدائه من إعادة تنظيم امورهم او إلتقاط أنفاسهم الخائفة ، كل ذلك حدث مع تعاطف منقطع النظير من قبل الشعب مع أية قنبلة أعني كلمة كان يفجّرها وزير الدفاع ، بل ان هناك بعض المتحمسين كانت تعصف بهم رغبة شديدة لإقتحام قاعة البرلمان وإسناد وزيرهم المغوار الذي كشف الفضائح والصفقات المريبة والفاسدة ، لم يكن العبيدي وزيرا للدفاع داخل قبة البرلمان بل كان وزيرا لمكافحة الفساد بواقع الأمر ، ولذا كانت ليلة إستجواب الوزير سهرة مثيرة لدى الشعب العراقي وهم يتابعون ماحدث من خلال شاشات الفضائيات ، سهرة هجومية مرعبة بدون دماء ، جعلت الشعب يشعر بالراحة بعض الوقت ، اذ لم يتعودوا على رؤية هكذا صراحة متناهية وشجاعة إستثنائية من مسؤول كبير من قبل ، وهي المرة الأولى التي يشاهدون مسؤولاً رفيعا بمنصب وزراي حساس جدا يتحدث بهذه الثقة والصراحة المتناهية عن فساد رهيب بمفاصل الحكومة العراقية ، وبرغم محاولات بعض أعضاء مجلس النوّاب من تشتيت ذهن وزير مكافحة الفساد ، لكنه كان نبيها وصادما وحذر بقوة وبصرامة ثابتة من كانت تستجوبه ان لا تتجاوز بكلامها وتلزم حدودها ، ولما انتهت المسرحية كما وصفها رئيس مجلس النوّاب بمؤتمره الصحفي ، كانت قد بدأت بحماس على ألسنة الناس ومازالت حتى كتابة هذا المقال ، إذ سارع زعيم التيار الصدري بدعوة وزير الدفاع والهجوم ومكافحة الفساد لزيارة النجف الأشرف ، وتبادلا التهنئة والهدايا على نجاح هجومه المباغت الذي أبهر الجميع ، ولم يعد الوزير الى مقره في وزارة الدفاع الا وكانت راية الإمام علي ع توّشح عنقه وتتدلى بسندس خضرتها على صدره ، والآن لا بد من طرح السؤال التالي : ما الذي سيحدث بعد هجوم العبيدي الذي تناقلت تفاصيله المثيرة الفضائيات ووكالات الأنباء العالمية ؟ القنابل التي فجّرها وزير الدفاع والتي تعاطف معها الشعب العراقي ، ستتحول الى زوبعة في فنجان اذا لم يقرنها بالوثائق والدلائل .. لأن القضاء لا يعتمد على قال لي فلان وعلاّن ، بل يعتمد على وثائق دامغة مثل تسجيل صوتي لما دار من حوار بينهم بشأن الصفقات او تصوير فليمي يؤكد ان ما تحدّث به وزير الدفاع قد حصل فعلا ، واذا لم تتوفر تلك البراهين ستتحول القضية ضد وزير الدفاع وتصبح تشهيراً بحق الآخرين لعدم توفر الدلائل التي تثبت ذلك ، وهذا ما لا يتنماه الجميع ، صحيح ان وزير الدفاع اقنع العراق بكلامه الصادق والجريء .. لكن حديثه الهجومي بحاجة الى براهين .. وأخشى انه لم يضع بحساباته ذلك أو لا يمتلك ما يؤكد مصداقية الفضائح التي نسبها للآخرين ، وبرغم تراكم الشكاوى ضده من قبل الذين فضحهم في المحاكم ، وما سيؤول اليه هذا الزلزال الذي حدث تحت قبة البرلمان ، يبقى وزير الدفاع شعلة متوهجة في وجدان العراقيين كوزير للهجوم وأنسب وزير لمكافحة الفساد ، وأظن ان الحكومة القادمة لا بد ان تضع في مفكرتها إستحداث حقيبة وزراية لمكافحة الفساد وأظن ان شخصية العبيدي الجذابة تليق بهذه الحقيبة الوزراية عن جدارة وإستحقاق . إن اصبحت حقيبة الدفاع لضابط مقتدر سواه ، سلاما لك ياوزير مكافحة الفساد .
حسن النوّاب
hassanalnawwab@yahoo.com