وحيد الدين بهاء الدين.. ثراء المنجز وسخاء العطاء
فاروق مصطفى
اول كتاب تلقفته المكتبة العراقية لوحيد الدين بهاء الدين هو كتاب (خواطر هائمة) ، كان ذلكم عام 1960 طبع في مطبعة الشمال بكركوك وقد ضم بواكير كتاباته الادبية المخضبة بعصارات عواطفه وجاء تجنيسها مقاليآ والنصوص تصور هوى شاب وهو يتكىء على عنفوان شبابه الباكر . استقبل الكتاب بحفاوة فصاحبه كان تربويآ معروفآ وله جولات في عالم الصحافة البغدادية والكركوكية . اذكر جيدآ انا واترابي من الاصدقاء الذين جذبتنا دنيا القراءة وقعنا على الكتاب ، احببناه لخياله المحلق واسلوبه الذي صيغ بالعبارات العربية الجزلة المشرقة وقد دلنا هذا الاسلوب ان الشخص الذي يقف وراءه امتلك لغته وتمكن من ادواتها الفنية واقتدر ادارة مفرداتها ، وان اخر كتاب تلقيته من استاذنا هو كتابه الصادر هذا العام واعني 2016 ، وقد وسمه بـ (شخوص ونصوص) ويتحدث فيه عن مجموعة من الادباء والاديبات الذين عرفهم وعرفهن وبمرجعياته الثقافية الخصبة وذائقته الادبية الشائقة يقارب عوالمهم ويضيء مسيراتهم ملتفتآ الى اهم النقاط والمحطات فيها .
وبين كتاب (خواطر هائمة) وكتاب (شخوص ونصوص) هناك اكثر من ستة عشر اصدارآ اتحف بها المكتبة العراقية ، فهي زاد ثقافي باذخ انعكس في الترجمة عن الادب التركي ومباحث في الادب المهجري وقصص وخواطر والحديث عن تجارب وسير ادباء عديدين ، وارجو الا ابالغ عندما اقول بأن الاديب (وحيد الدين) ظاهرة لن تتكرر في الثقافة الكركوكية وكذلك فيما يتعلق بالثقافة العراقية لطول باعه وغزارة منجزه الادبي وتتبعه للحركة الثقافية في عموم العراق وخارجه ومراسلاته مع طائفة من ادباء الاقطار العربية امثال العراقي الاب (يوسف سعيد) والاديب (زكي المحاسني) واللبناني (ميخائيل نعيمة) وكثيرين غيرهم وزياراته لادباء ارض الكنانة ك (توفيق الحكيم) و (طه حسين) و (نجيب محفوظ) واخرين تطول بنا القائمة ، وشيء يلفت النظر في سيرته الحياتية والثقافية هو تواضعه الجم واهتمامه بالناشئة والكتاب الواعدين والاخذ بايديهم كاتبآ وكاشفآ عن ادبهم ولزام عليّ ان اشير الى موقفه عن مجموعة كركوك الادبية حينما اعلن بشجاعة انه لا توجد في كركوك جماعة واحدة وانما يجب ان نتحدث عن جماعات كركوك التي عرفتها .
وبالعودة الى كتاب استاذنا الاخير (شخوص ونصوص) نقع فيه على مقاربات ومتابعات لطائفة من الادباء والاديبات وهو في عين الوقت يستعيد مع هذه المقاربات استذكاراته عن كركوك وعن قلعتها التي ابصر النور في احدى حوماتها وتدرج في حواريها ويسردن ذكرياته عن محطتها وحدائقها واترابه ونظرائه وهو في كل هذا يحكي باستذة ويروي عن دراية ولا يتخلى عن موضوعيته التي عرف بها ، يقول عن الراحل (عدنان القطب) الغائب الحاضر ” عرفت عدنان صحفيآ له من اللباقة ما يحببك اليه وكاتبآ محايدآ من خصائصه انه يكثف مفرداته الهادئة المنبسطة عبر سطوره ” ويقف عنده طويلآ وان حزنه على رحيله يطول ويستوقف المتلقي عند وفاء هذا الاصيل النبيل .
واما مقالته الموسومة بـ (صباح عبدالله كركوكلي) ينثر سيرته من تولده في محلة (جقور) الكركوكية والى مارست اموره عندها في الوقت الحاضر مشيرآ الى المدارس التي تتلمذ فيها والاساتيذ الذين تلقى العلم منهم واشهر ما خطته يراعته ثم يشير مفصلآ الى اهم منجز لديه الا وهو (اعلام الصحافة التركمانية في العراق) .
ويقف عند اديبة اخرى من كركوك وهي (نرمين بابا طاهر) ويتصفح باكورتها المعنونة بـ (لآلىء مبعثرة) ويقطف منها بعض الشواهد استدلالآ على تجربتها الحياتية الصعبة التي مرت منها بفقد البعل واكتشافها انها تركت وحدها مواجهة مخاطر الحياة ومحاولتها عبر قلمها تغطية هذه التجربة بمعاناتها الصادقة وينتهي استاذنا في اخر كتابته بانطباع عن الكاتبة ” نرمين بابا النجمة اللامعة في سماء الادب “
ونعرج الى ما كتبه عن الصديق (احمد محمد كركوكلي ، صحفيآ) فمن العنوان نستشف ان كاتبنا اخذ الجانب الصحفي عند (احمد) وقام باضاءة هذا الجانب من مسيرته الثقافية فذكر اهم الصحف والمجلات التي اصدرها واستذكر المواقف والوقفات التي تركها فيها وينتهي استاذنا في مقالته عن كركوكلي بأنه ” كاتب مكثار غير مكسال ” هو (احمد محمد كركوكلي ويود في مقالات لاحقة ان يعود الى موضوعه ليستكمل جوانب اخرى في مسيرة الكاتب (كركوكلي).
ويقف الكاتب عند الشاعرة (منور ملا حسون) وبالتحديد عند مجموعتها الثانية المعنونة بـ (طلاسم العطش) ويحلل اضمامة من النصوص التي وردت فيها ويتأنى عند نصين جاءا كمرثاتين مكرستين احداهما الى الراحل (سامي توتنجو) والثانية الى الراحلة (ميسونة خطيب زادة) ويطري استاذنا نصوصها ” فالمفردات ذات الايحاء والايماء وهي تكتنف النصوص المختلفة ، اتباعي بعضها ، رومانسي بعضها الاخر “
ويدور الكتاب حول العديد من الشخوص المنحدرين من كركوك والمتربين على ثقافتها وعلاقاتها الاجتماعية الا انه يتحدث عن شخوص اخرين عرفهم وصادقهم واحب ادبهم كصديقه الاستاذ (رفعت يولجو) المولود بمدينة كفري ، وعن الشهيد (محمد مهدي بيات) الذي اطل على نور المعمورة عام 1952 في قضاء طوز ويحدثنا عن الشاعرة المبدعة (نسرين عطا اربيل) المنتسبة الى هذه المدينة عبر قصيدتها المشهورة (الخانجي) صاحب الخان وكيف قاربها وعارضها العديد من الشعراء والشواعر وهناك اسماء ثقافية اخرى فتح الكاتب كوى ونوافذ على منجزهم كالشاعرة الكركوكية (رمزية حبيب مياس) وكذلك يضيء جوانب من مسيرة الصحفية النابهة (مليكة البياتي) مطريآ العديد من كتاباتها التربوية التنموية .



















