
هَوناً يا جَار – علي الجنابي
هَوناً يا جَار، ماليَ أراكَ قد نَسِيتَ عُمُراً مرَّ بينَنا بَنَتهُ مَنَاقِبُ مُثلى وتَبَنَّتهُ مَضَارِبُ فُضلى ومِن جَمرِ دلالِها كانَ يَكتَحلُ. أم أراكَ قد تَناسيتَ رَسَماتٍ لنا كلمَّا أحفادُنا في أحضانِنا دَخلوا، أم قد تَجاهَلتَ بَسَمَاتٍ بينَنا كلمَّا أولادُنا منَ الفارِ والصُّرصارِ قد جَفَلوا. أفَما مِن جارٍ يُذَكِّرُكَ بأيامٍ لنا ما كانَ فيها غلٌّ ولا عتَبٌ فيها، ولا زَعلُ. تلكَ أيامٌ ما كانَ فيها للمَاعونِ لولا الجارُ طعمٌ بهِ الأذواقُ تكتَملُ. أيامٌ ما تلاحنَ فيها آباؤُنا من قبلُ، وما افتَتَنوا وما اقتَتَلوا. ولقد عَهدتُكَ يا جَارُ جَاراً سَلماً ودُوداً لا يَثُوبُهُ زَللٌ ولا يَنوبُهُ خَللُ، فما بَالُكَ قدِ انقَلَبتَ عليَّ هِرَقْلاً يَتَمَطّى ويَفتَتِلُ، وفي الدُّروبِ يتَخَطَّى؛ إنّيَ أنا حامي الدِّيارِ إنِّيَ أنا البَطلُ. على رسلِكَ جَار، فما كانتِ البطُولاتُ انْحِرَافاً الى ضَوضاءَ وانْجِرَافاً في غَوغاءَ بها تلمَعُ المُقلُ. أم تَحسَبُ أنَّ البطولةَ بُردةٌ تَحوكُ خيوطَها الحِيلُ. كلّا جَار كلّا، فإنَّ للبطُولةِ سبيلاً قدِ استَجارَت بهِ الأهوالُ واستَنارَت بهِ السُّبُلُ. فالزمِ الغَرزَ يا جَارُ، وسألزمُ الصَّبرَ في الدَّار، فما ليَ من سيبلٍ أسلكُهُ سوى سَبيلِ الصَّبرِ عليهِ بعدَ اللهِ أتَّكِلُ. واعلمْ يا جَارُ أنَّ صَبري على بوائقِكَ قد أربَكَ حَاديَ الرَّكبِ وقد أبرَكَ الجَمَلُ، ولقد أنهَكَ حروفاً نَظَمَتها الأشعَارُ والجُمَلُ. فما الدَّارُ يا جَارُ بثوبٍ فأنزعُهُ ولا نادٍ فأعتزلُ، ولا نَعْلٍ فأخلعُهُ ولنِعالٍ سواهُ سَوفَ أنتعلُ، ولا خِلٍّ فأهجرُهُ ولديَّ العُذرُ مُفتَعلُ، لكنَّها الدَّارُ يا جارُ بينَ أفنانِها الرَّوحُ تَصفُو وتَنسَدلُ، وبأغصانِها الجُروحُ تَغفو وتندَملُ، وإنَّها غُرَّةُ الوجدَان أجمعُها فهل عن غُرَّةِ الجيرانِ أنفصِلُ. أم إنَّكَ أزمعتَ يا جَارُ ألا يُظِلَّلني في داري رَغدٌ ولا سَعدٌ ولا أملُ. وإذاً، فحَذارِ أن تنسى أنَّهُ لا رَغدَ باقٍ ولا سَعدَ راقٍ إلّا ما جاءَت بهِ الأنبياءُ والرُّسلُ. ثمَّ حَذارِ أن تنسى أنَّ الدَّهرَ دولابٌ وأنَّ أيامَهُ دُولُ. وإنَّما هيَ الأيامُ بذراتٌ تُعَطِّرُ نَواتَها الفضَائِلُ المُثلُ، أو حَبَّاتٌ قد تُؤَطِّرُ نواتَها الرَّذائِلُ الخَبَلُ.
يا صبرَ أيُّوبَ ماذا أنتَ فاعلٌ بغَفلةِ جَارٍ كادَ يَغيبُ عنهُ العَيبُ والخَجَلُ، وخُطاهُ ما بينَ العَبثِ والخَبَثِ تَنتقِلُ، فتَرى مَساءَهُ استِئناساً بتَطبيلٍ يَتَزاحمُ فيهِ الأهلُ والطِّفلُ والكَهلُ، ثمَّ صَباحَهُ ابْتِئاساً بعويلٍ يَتَلاطَمُ فيهِ كأنَّهُ صَرعٌ أو كأنَّهُ شَلَلُ.
يا صبرَ أيُّوبَ قد سَئِمتُ يومَ جاري حذوَ داري كلُّهُ خَلَلٌ، كُلُّهُ عِلَلُ. يوماً ما برحَ في دُروبِ الغّيِّ هائِماً ويَرتَحلُ، بينَ تَطبيلٍ بهِ الليالي الملاحُ تَنشَغِلُ، وعَويلٍ بهِ تَوالي الإصباحُ تَشتَعِلُ.
أوَهكذا يا جارُ تُورِدُ الحياةَ وأنتَ مُشتملُ؟
كلّا يا جَار كلّا، ما هكذا يا سَعدُ تُورَدُ الإبلُ.
وهَوناً جار، فإنَّما الأيامُ دُولُ.


















