حزبيون‭ ‬غير‭ ‬سياسيين‭ ‬والثمن‭ ‬كبير

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

ايران‭ ‬والعراق‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬واحد‭. ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬مَن‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬اعتبار‭ ‬النظامين‭ ‬السياسيين‭ ‬في‭ ‬هذين‭ ‬البلدين‭ ‬هما‭ ‬ملف‭ ‬واحد‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬وقوع‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬مأزق‭ ‬اليوم‭ ‬مصيبة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬المصائب‭ ‬التي‭ ‬ستدخل‭ ‬فيها‭ ‬إيران‭ ‬بفعل‭ ‬من‭ ‬ارادة‭ ‬قيادتها‭ ‬التي‭ ‬ترى‭ ‬نفسها‭ ‬متدرعة‭ ‬بعناصر‭ ‬القوة‭ ‬العسكرية‭ ‬الضاربة‭ ‬والولاء‭ ‬التقديسي‭ ‬الممتد‭ ‬في‭ ‬أوساط‭ ‬الناس‭.‬

صعوبة‭ ‬وضع‭ ‬العراق‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬لم‭ ‬ينتج‭ ‬البديل‭ ‬السياسي‭ ‬المحلي‭ ‬المكتفي‭ ‬بعراقيته‭ ‬كعنصر‭ ‬سيادي‭ ‬أولي‭ ‬واساسي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شائبة‭ ‬خارجية‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العلاقات‭ ‬والمنافع‭ ‬التقليدية‭ ‬المعتادة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭.‬

لماذا‭ ‬موقف‭ ‬الساسة‭ ‬ضعيف‭ ‬امام‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬امريكي،‭ ‬ببساطة‭ ‬لسبب‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬ثاني‭ ‬له‭ ‬مطلقاً،‭ ‬وهو‭ ‬انهم‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬سياسيين‭  ‬وكانوا‭ ‬في‭ ‬أحسن‭ ‬الأحوال‭ ‬حزبيين‭ ‬يدورون‭ ‬معصوبي‭ ‬العيون‭ ‬في‭ ‬فلك‭ ‬التجاذبات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬والمكاسب‭ ‬الذاتية‭ ‬الضيقة‭ ‬الى‭ ‬حد‭ ‬الاسرة‭ ‬الواحدة‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭.‬

مهما‭ ‬كانت‭ ‬القوة‭ ‬الامريكية‭ ‬كبيرة‭ ‬وطاغية‭ ‬فإنها‭ ‬ستصغي‭ ‬لصوت‭ ‬الاوطان‭ ‬ذات‭ ‬السيادة،‭ ‬وهذه‭ ‬الميزة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬متوافرة‭ ‬في‭ ‬البلد،‭ ‬بل‭ ‬لم‭ ‬يعمل‭ ‬من‭ ‬اجلها‭ ‬أي‭ ‬طرف‭. ‬في‭ ‬العراق‭ ‬هناك‭ ‬عناوين‭ ‬كبيرة‭ ‬وهائلة‭ ‬وهالات‭ ‬وهمية‭ ‬لم‭ ‬تعمل‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬المعنى‭ ‬السيادي‭ ‬للبلد‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬نظرة‭ ‬الامريكان‭ ‬تصنف‭ ‬الوضع‭ ‬العراقي‭ ‬بأنه‭ ‬تابع‭ ‬لإيران،‭ ‬وهذا‭ ‬التصنيف‭ ‬يعني‭ ‬ان‭ ‬العراق‭ ‬السياسي‭ ‬شريك‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬التعبئة‭ ‬العقائدية‭ ‬أو‭ ‬اللوجستية‭ ‬او‭ ‬العملياتية،‭ ‬وكما‭ ‬نعلم‭ ‬ان‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الحرب،‭ ‬فما‭ ‬حال‭ ‬العراق‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬إطلاق‭ ‬اول‭ ‬صاروخ‭ ‬على‭ ‬طهران؟

قد‭ ‬تتجاوز‭ ‬واشنطن‭ ‬قرار‭ ‬محاربة‭ ‬إيران‭ ‬وتلجأ‭ ‬لبديل‭ ‬آخر‭ ‬لبعض‭ ‬الوقت،‭ ‬ولكن‭ ‬الإدارة‭ ‬الامريكية‭ ‬قد‭ ‬تتخذ‭ ‬فورا‭ ‬قرارات‭ ‬تودي‭ ‬بالبناء‭ ‬السياسي‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬للعراق،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تعلن‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬الحاكمة‭ ‬فك‭ ‬ارتباطها‭ ‬بإيران‭ ‬وإلا‭ ‬فإنّ‭ ‬السعر‭ ‬سيكون‭ ‬واحداً‭ ‬للنظامين‭ ‬في‭ ‬بغداد‭ ‬وطهران،‭ ‬لكن‭ ‬طريقة‭ ‬دفع‭ ‬الثمن‭ ‬قد‭ ‬تختلف‭ ‬بين‭ ‬التقديم‭ ‬والتأخير‭ ‬والدفع‭ ‬المتقدم‭ ‬او‭ ‬المؤجل‭. ‬

لا‭ ‬يعني‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬المسار‭ ‬صحيح‭  ‬في‭ ‬التعاطي‭ ‬مع‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬التي‭ ‬يعود‭ ‬اليها‭ ‬تأسيس‭ ‬طبقات‭ ‬الفساد‭ ‬والتردي‭ ‬والانحلال‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬ابان‭ ‬احتلاله‭. ‬لكنها‭ ‬الموازين‭ ‬الدولية‭ ‬العظمى‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬يوما‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬سيادية‭ ‬ذاتية‭ ‬نتمكن‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬محاورة‭ ‬الاخر‭ ‬بطريقة‭ ‬تنتج‭ ‬بها‭ ‬المنافع‭ ‬للبلد‭.‬

كل‭ ‬انظار‭ ‬اقطاب‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬عبر‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬كانت‭ ‬معلقة‭ ‬بالكراسي‭ ‬والمناصب،‭ ‬ومن‭ ‬خلالها‭ ‬كانوا‭ ‬يعتقدون‭ ‬ان‭ ‬عنوان‭ ‬المنصب‭ ‬وحده‭ ‬كاف‭ ‬لصيانة‭ ‬البلد‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬مأزق‭ ‬العراق‭ ‬كبير‭ ‬ولعله‭ ‬سيدفع‭ ‬الثمن‭ ‬غاليا‭ ‬قبل‭ ‬ايران‭. ‬

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية