هيئة جديدة

من أين لك هذا ؟

هيئة جديدة

ربما يتبادر إلى الذهن التساؤل عن مصدر الاموال التي ظهرت بعد 2003م لدى الكثير من السياسيين والاشخاص الذين ظهروا على الساحة العراقية سواء من تجار ومقاولين والسؤال الذي يطرح نفسه، من أين لك هذا ؟ فلابد من الرجوع قليلاً إلى الوراء ومعرفة تاريخ هذا التساؤل، فالعراق أيام العهد الملكي وتحديداً خلال ولاية نوري السعيد باشا الذي بدأ باتخاذ اجراءات من شأنها حماية أموال الشعب من كل من تسول له نفسه بالمساس بها أو محاولة التلاعب بقوت الشعب العراقي، وكان من بين هذه الاجراءات لجنة ” من أين لك هذا ؟ ” التي أنشئت بتوجيه من نوري السعيد باشا وكانت مهامها محاسبة الفاسدين والسراق من الموظفين في الحكومة العراقية آنذاك، وكانت مرتبطة بشخص نوري السعيد باشا مباشرة، وقد أثمرت هذه اللجنة في اداء مهامها بفصل “300 ” موظف و” 18 ” محافظاً، وقد حدت هذه اللجنة من حالات الفساد الاداري والمالي في مؤسسات الدولة، فلم يكن سياسيو العراق انذاك يمتلكون القصور والسيارات الفخمة، ولم تكن عوائلهم تقطن في اقصى بلدان العالم بل كانوا يعيشو عيشة الشعب العراق بلا تمييز أو تفضيل لهم عما سواهم من ابناء الشعب العراقي، وعندما جاءت ثورة 14 تموز 1958م وتغير نظام الحكم من الملكي إلى النظام الجمهوري، فكان أول رئيس جمهورية للعراق الزعيم عبد الكريم قاسم نابذاً الفساد الاداري والمالي ومحافظاً على الاموال العامة، لا يتوانى في محاسبة السراق والفاسدين، فنجده قد طبق حديث الرسول الاعظم (ص) ” كل راعٍ مسؤول عن رعيته ” واعتبر نفسه قائداً ومسؤولاً امام الشعب العراقي الذي يستحق تقديم له الكثير، فعهد إلى توزيع الاراضي السكنية على عامة ابناء الشعب العراقي، واثمرت سياسته هذه على ارضاء جميع فئات الشعب وحين توفي تبين أنه لا يمتلك داراً للسكن بل اتخذ من وزارة الدفاع مسكناً له .

وعلى ذات النهج استمر العارفون في محاسبة الفاسدين والضرب على ايدي سراق المال العام، حتى اصبح عصرهم يعرف “بالعصر الذهبي ” وذلك لما شهده العراق من ازدهار ورفاهية وتقدم، مما جعله في مصاف الدول المتقدمة، فإن ذلك وأن دل على شيء فإنه يدل على وجود قيادات على قدر عالي من المسؤولية، فالكثير من العرب والاجانب كانوا يتمنون زيارة العراق والاطلاع على احواله .

ياترى بعد الفوضى الامنية التي شهدتها الساحة العراقية بعد عام 2003م ، وما تحويه مؤسسات الدولة من فساد مالي واداي، ماذا لو تشكلت مثل هكذا لجنة ؟ كم ستفصل ؟ وهل سيكون لدى القائمين عليها الشجاعة بمحاسبة المقصرين كما فعل نوري السعيد باشا ؟ من اين لك هذا؟ .

بعد أن تفاءل العراقيون بعهد جديد من الحرية والديمقراطية وتوقعوا أن يكون حال العراق سينتقل إلى الافضل، بعد ما عاناه من حصار اقتصادي انهك الشعب ولعب بمقدارته الاقتصادية حتى بات الشعب العراقي لا يستطيع توفير قوته اليومي، لكنه تفاجأ بمجييء من كان ذا خبرة في سرقة الاموال العامة لا في خدمة الشعب، وخير دليل على ذلك ظاهرة عمليات سرقة البنوك العراقية، فظهرت اناس باموال وممتلكات تكاد تغطي الشمس من كثرتها (من اين لك هذا) مما أدى بالاحوال العراقية الى اسوء مما كانت عليه سابقاً، فالحصار الاقتصادي انتهى والعهد الجديد جاء، وكل سنة تقر ميزانية العراق بما يعادل ميزانية ثلاث دول اقليمية، ولم يتغير من حال العراق شيئ، فقد اصبح الفساد متفشياً في كل مفاصل الدولة، فاموال العراق تذهب في مشاريع وهمية وان وجدت كانت اقل بكثير مما خصص لها وهذه مشكلة استمرت حتى الآن.

وفي عام 2005م انبثقت ولادة هيئة جديدة مستقلة (هيئة النزاهة) تكاد تشابه لجنة نوري السعيد باشا ” من أين لك هذا؟ ” من حيث المبدأ والاهداف، ولكن واقعها جاء نقيضاً لسابقتها، فهيئة النزاهة تكلف العراق سنوياً بما يعادل 3- 5 مليارات دولار تقريباً، تنفق على مكاتبها وموظفيها ورئيسها الذي هو بدرجة وزير، فضلاً عما تكلف الدولة من مبان ومعدات كل هذه المصروفات والتخصيصات المالية لهيئة لم تؤد ولو 1 بالمئة من مهامها، فبدلاً من محاسبة الفاسدين ومراقبة هدر الاموال، وذلك بالتوجه الى دوائر الدولة ووزاراتها والاطلاع المباشر على الادلة وافادات الشهود، بل ذهبت للاكتفاء بالمخاطبات بين مؤسسات الدولة واجراءات تكاد تكون مقيتة تكلف العراق اكثر من المبالغ التي تسرق، ناهيك عن اشغال مؤسسات الدولة بعمل هذه الهيئة وكيف تكون هذه المؤسسة مستقلة وفعالة في حين مرجعيتها لرئاسة الوزارء، اليس الاحرى بها أن تكون مستقلة بشكل تام حتى تستطيع القيام باداء مهامها بالشكل المطلوب، مع كل ما ذكرنا لم يكن تساؤلنا ” من أين لك هذا ؟ ” يطبق على الجميع فيحاسب هذا ويترك ذاك .

من كل ذلك فإن هيئة النزاهة وما تكلف الحكومة من اموال طائلة رصدت لمعالجة الفساد في مؤسسات الدولة، فلو خصصت لمعالجة احوال الشعب العراقي لكان افضل بكثير فهيئة النزاهة موجودة ومستمرة ولكن الفساد المالي والاداري يزداد يوماً بعد يوم، دون تحرك او اجراء من الهيئة، وخير دليل تقرير السفارة الامريكية بأن العراق غير مؤهل حالياً لتطبيق قوانين مكافحة الفساد بدائياً .

عبد الرحمن جدوع التميمي  – بغداد