نوفل أبو رغيف يفتش في الأوطان عن وطنه الراحل

نوفل أبو رغيف يفتش في الأوطان عن وطنه الراحل
هَم يقض مضاجع الصمت
حيدر عبد الرضا
كيف هي شعرية القصيدة؟ وما هو التعريف المصطلحي والقيمي لتسمية مفهوم الشعرية هل أن الشعرية يمكن الحديث عنها من خلال نافذة قطار مثلا؟ أو عن درج في خزانة رجل عجوز في مشهد مستشفى قديم؟. في الحقيقة أن الأشياء ليست هي شعرية تماما وأصلا، ولكنها تكتسب شعريتها أكثر من خلال جمالية ودقة التصوير وأنزياحية الموصوف الصوري في مجالات حركية تموضع الأشياء داخل مخيلة الشاعر. أن الأشياء وشعريتها في قصيدة
مشاهد للشاعر نوفل أبو رغيف تبقى في غالب الأحيان حيادية سواء كانت جميلة أو قبيحة، مميزة أم عادية، ولكنها تخرج من حيادها أذا ما أرتبطت باللغة أو بأشياء أخرى وبعلاقة ما، فالشعرية في قصيدة مشاهد ليست خصيصة في الأشياء ذاتها، بل في تموضع الأشياء وفي فضاء من العلاقات الموضوعية بدقة أكبر، إذن لا شيء شعري هناك ولا شيء يمتلك الشعرية، ولكن ما هو شعري في قصيدة الشاعر أبو رغيف هو ذلك الفضاء الذي تتموضع فيه علائقية وصورية الأشياء، ومن هنا لعلي أود القول، بأن ما دفعني الى الكتابة عن قصيدة مشاهد هو بحكم كونها أولا لا تتعامل ومفهوم الشعرية من على أساس تمظهر الأشياء بطريقة جميلة، بل لأن هذه القصيدة تكتسب شعريتها بدخولها عالم النص اللغوي ومن خلال علائقية المحور التوصيفي بموضوع تخيل الأماكن والأوطان والجدران وعلى قدر كبير من جدية الأثارة الموضوعية والأدوات الأيحائية.
كيف نجيب؟
و لا أحد يسأل
كيف ستحتشم الدنيا
من زمن لا يخجل.
الشاعر في هذه المقطعية الأولى من القصيدة كأنما كان يريد أن يقول أشياء كثيرة بخصوص الزمن وأسئلته وجمالياته التكوينية، والسؤال جاءنا في هذه المقطعية محاصرا بالمكان وضيقه الأخلاقي والمعتقداتي ولا أحد يسأل فكان الحل الوحيد للشاعر هو هذه الهندسة القولية في التوصيف الملفوظي من زمن لا يخجل لتمنح القارىء فسحة متابعة جديدة من القادم من زمن قراءة القصيدة وزمن النقاط التابعة لجملة دال الأستفسار كيف نجيب؟ والنقاط التابعة لجدلية حلقة المساءلة عن صورة ذلك الزمن الذي هو يشكل أنفلات دلالي خاص عبر محورية الفضاء النصي وأندثار مسبقية تحولات دال ستحتشم الدنيا وهذه الحركة الدلالية في بناء هذه المقطعية قد تشير الى أستحالة الوصف الترميزي في هذه المقاطع، لأن دوال القصيدة قد جاءت إقرارا صوريا بقيمة شكل المكان المحدد من إحالية جملة دال كيف نجيب وعلى هذا أصبحت الصورة الشعرية بمثابة التقادم الأرسالي من لدن طرف ضمني الأشارة والأيحاء والمقصدية.
يرتبط الموصوف الأحالي في نص الشاعر نحو متواليات أيقونية ترتبط ومكانية عوامل زمن الحزن الكبير، أي بمعنى أن توجهات خطاب القصيدة لا يجيء أعتبارا من مواصفات مكانية مادية فحسب بل أن الخطاب يظهر في دوال النص كنتيجة وقفات حسية متنوعة الأيحاء بقصدية المؤشر الزماني في القول، فالشاعر ومن خلال هذه المقاطع يلوح نحو تشكيل حالات تقاطب من المخيالية النفسانية الخالقة لصفة الدال بحكم لحظات الحسرة والويلات والبكاء على مصيرية صورة الوطن والناس والأنا الشعرية التي باتت تتحسس الكبيرة والصغيرة من مواطن الأشياء، وربما من المفيد الأشارة الى أن دوال هذه المقاطع من القصيدة، ما هي ألا تأكيد الى أن حضور المخيلة الشعرية لدى الشاعر، قد بات أمرا نسبيا جدا في قصيدة المشاهد ذاتها، وذلك لأن صورية وصوت الدوال قد جاءت قرائيا ضمن أستشرافية مباشرة بحس واقعية مصائر الأفراد والأوطان في صورة هذا الوطن الراحل نحو البعيد من النسيان والأندثار، وعندما نحاول مراجعة دوال المقطعية بشكل دقيق أكثر، نلاحظ بأن رسومية الأفعال قد حلت وفق لزوميات ظرفية حادة ومتوحدة في بؤرة الدلالة والمدلول من زمن المعلوم التقاطبي في ثنائية فاعلية جملة دوال هذا الهم القاحل » سيقظ مضاجع هذا الصمت الأقحل ومن رحم هذه التوالدية في قراءة الخط الأخباري في التوصيف، نستعلم بأن لفظة القاحل تؤدي بنا مجازيا نحو جملة الأستعلام الأولى والتي هي مثبتة بصفة مسبب الهم غير أن جملة سيقظ مضاجع تكشف لنا في الوقت نفسه عن حدود معطيات صفة الدال السابق الهم وبالتالي يكون الدليل الدلالي لدينا هو عبارة مدلول الصمت الأقحل . أما باقي الدوال الأخرى فنجدها تشكل داخل المقاطع الشعرية المستعرضة هناك، بمثابة المتواليات في الأنتقال بين صورة وأخرى وبين التصور والأدراك وبين الشبيه والمشبه به وبين الرؤيا والرؤية كمثال هذه الدوال
والحزن بلاد عطش » والدمع نشيد » والفجر مواعيد
أن توليد عملية اللاحق من السابق الخطابي، تحتاج من الشاعر نفسه أضفاء علاقة أضافية من مظاهر الأشارة والأيحاء الصوري المتعدد، فمثلا نلاحظ بأن جملة والحزن بلاد من عطش ما هي هذه الجملة ألا محاولة تكوين لسياق صور مزدوجة من دال الصمت الأقحل أما التحوير العباراتي فيها فيظهر على هيئة ذاكرة محفوظة من فضاء الدليل من مساحة الكيفية العيانية من زمن خاصية التوليد والأغراض، فضلا عن هذا نرى بأن جملة والدمع نشيد تحتوي على حرف واو العطف، وهذا بحكم كون العلاقة المقطعية في سياق هذه الجملة، قد جاءت من نسيج الدورات الصورية المتكررة من أصولية الموصوف العام لجملة
كيف نجيب وعلى هذا نرى بأن فعلية الدوال في القصيدة ما هي ألا توليد شفروي من حالة الأستعارة بوظائفية أختزال الصورة القديمة وأستخراج صورة مقصدية محايثة توجهات دال جملة والفجر مواعيد ..
في هذه المقطعية نرى بأن هناك ثنائية ما في توليد الرؤية لتنحل داخل تكاملية شيئية في توصيف علامات الأشياء، فعلى سبيل المثال، نلاحظ الخط الدلالي في الكلام ومدى الدخول في رؤية الأشياء والسنوات نعاس يتأجل لعل القارىء يلاحظ مدى بلاغة هذا التصوير الأستعاري في تجربة تصعيد الكيان النصي، ثم وهل هناك دليل بالتالي من زمن جملة يتأجل لعل الدال في حضور مطلق من جوهر دليل السنوات هل أن دال نعاس هو بمثابة عدمية الذات في جملة والأحلام أم أن الأشارة الفعلية لظرفية لفظة دال السنوات هي تشكل المؤشر المباشر لمضمون حال جملة تفتش في أدراج الفوضى . أن سياسة التلقي لهذه المقاطع من قصيدة مشاهد تتطلب من القاريء التركيز الشديد نحو كل حرف وجملة ودال ومدلول ودلالة لأن هذا النوع من القصائد، يتوفر على مساحة متعددة من الصفات والتكاثرات والدلالات المزدوجة والمجازات العسيرة التفسير والمشبه به، وعلى هذا فأن الكتابة عن مثل هذا النوع من القصائد، تتطلب من الكاتب النقدي الدوام الكثيف على حدود الصورة وحدود زمن وحدة المقطع وسياقية العضوية العرضية للصوت الشعري. إذن بعد هذا الفاصل الكلامي مني نعود الى قصيدة الشاعر، لنعرف دوال القصيدة ومجموعة تشكيلات الدلالة في أعماق مكتظة بحركية الأحلام » الدمع نشيد » الصمت الأقحل » ادراج الفوضى غير أن حلول لفظة دال عن شمس تغزل شرفتها داخل متن المقطعية الجديدة توفر للقاريء زمن حساسية نسقية جديدة من ديكور القصيدة العام، فهذه الدالة الأخبارية هي ناتجة عن عنصر تتضاعف من خلاله لذة القراءة والتأويل، كما أن قدوم عبارة أحجار تتهامس فهي الأخرى تكشف عن حدود تصدير أشغالي خاص بفكرة شرفتها وبهذا الأندراج السياقي، تتولد لدينا قامة خطابية دالة من حدود جملة صرح يتهدم وفي ضوء هذا المجال من الأشتغال تظهر داخل مساحة الأبعاد الشفروية حضور حالة الأثارة والأستكشاف والرغبة الألحاقية بخصوص دال جملة ونبوءات خرساء .
من الواضح أن نوفل أبو رغيف يتجه fالمقاطع الختامية نحو شريان الأزمة الحقيقية وهي يفتش عن وطنه الراحل وبهذه المحورية البؤروية تنفتح أشكالية فعالية المشهد الشعري في القول أمام خطاب وعنونة مشاهد أي بمعنى أن فعالية التأثير في القصيدة تكمن تحت تأثير حلولية هذه المقاطع الأخيرة من زمن الخطاب. أود القول الى أن شعرية الأشياء لدى نوفل أبو رغيف تكمن وفق متصورات حقيقية عن الأنسان العربي المصاب دائما بصدمات التأريخ السياسي وبنرجسية الحكام والسلاطين وبمرض الأنفصام عن الأنتماء الحقيقي للولادة والجنسية العربية التي صارت اليوم واجهة سحيقة وعفنة من أصناف البشر.. وتبعا لهذا أقول أن قصيدة مشاهد تبقى خير دليل وبرهان على عملية التصعيد الأنكاري لدى المواطن العربي والعراقي على وجه التحديد، وكيف الحال معه وهو يفتش الطرقات بحثا في وجه الأوطان عن هوية وجثة وطنه الراحل الى الأبد.
/5/2012 Issue 4212 – Date 29 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4212 التاريخ 29»5»2012
AZP09