
كتاب الله تذكرة سفر الروح إلى عالمها الأصلي
في غياهب عالمنا المادي، حيث تتلاطم أمواج الحياة وتتعدد شواغلها، يكمن في أعماق كل روح بشرية حنين خفي، وشوق عميق إلى موطنها الأصلي، إلى ذلك الموطن الروحاني الذي انبثقت منه عند النفخة الربانية القدسية.
إنها نوستالجيا الروح، تلك اللوعة الفطرية الخفية التي تدفع الإنسان نحو البحث عن معنى أعمق لوجوده، وتذكره بأصله السماوي الذي فارقه. هذا الحنين ليس مجرد شعور عابر، بل هو المحرك الأساسي للرحلة القلبية، رحلة عودة الروح إلى الذات الإلهية مصدر النفخة القدسية “يقول عز من قائل “ونفخت فيه من روحي” الحجر 29.
يأتي القرآن الكريم، كتاب الله المعجز، ليكون بمثابة تذكرة العبور من عالم المادة إلى عالم الروح فهو سفينة النجاة ودليلها في هذا السفر الوجودي. إنه ليس مجرد مجموعة من الشرائع ، بل هو رسالة محبة إلهية قدسية،
إنه نداء من الموطن الأصلي يتردد صداه في جنبات الروح. كل آية من آياته تحمل في طياتها نورا يكشف الحجب، وذكرا يوقظ القلب من غفلته.وفي هذا السياق، تتجلى عظمة قوله تعالى: “كلا إِنها تذْكرة” المدثر: 54. هذه الآية الكريمة تحمل في طياتها أبعادا صوفية عميقة، فهي تؤكد أن القرآن بذاته هو تذكير للروح بما فطرها الله عليه من قيم مغروسة في الذاكرة الأصلية للانسان، وبعهدها الأول معه. إنها تذكرة بأن الروح ليست غريبة عن الحق، بل هي جزء منه، وأن كل ما في هذا العالم من آيات كونية وشرعية إنما هي إشارات ودلائل بمثابة تذكرة عبور تعيد الروح إلى أصلها. فالتذكرة هنا ليست مجرد استحضار لمعلومة منسية، بل هي إيقاظ للفطرة الكامنة، ونفخ للروح في جسد الغفلة، و تذكرة عبور من ظلمة الغفلة لتعود إلى نور اليقظة ثم الحضور فالغيبة عما سوى المذكور.
وكما قال تعالى مخاطبا نبيه الكريم: “فذكر إِنمَا أَنتَ مُذكر” الغاشية: 21، فالنبي صلى الله عليه وسلم، ومن بعده ورثته من العارفين، يذكرون الأرواح بما نسيته في غمرة الانغماس في عالم الماديات هذا المجال ذي نعيشه، ويعيدونها إلى فطرتها الأولى التي أقرت بالوحدانية في عالم الذر: “وَإِذ أَخذ ربك مِن بنِي آدم من ظهورهم ذرياتهم وَأَشهدهم عَلى أَنفسهم أَلست بِربكم ۖ قالوا بلى ۛ شهِدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين” الأعراف: 172, أنها حقا رحلة القلب: من الغفلة إلى اليقظة فالحضور ثم إلى الغيبة عما سوى المذكور.

















