نوستالجيا‭ ‬الروح – د. محمد غاني

كتاب‭ ‬الله‭ ‬تذكرة‭ ‬سفر‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬عالمها‭ ‬الأصلي

‭ ‬في‭ ‬غياهب‭ ‬عالمنا‭ ‬المادي،‭ ‬حيث‭ ‬تتلاطم‭ ‬أمواج‭ ‬الحياة‭ ‬وتتعدد‭ ‬شواغلها،‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬كل‭ ‬روح‭ ‬بشرية‭ ‬حنين‭ ‬خفي،‭ ‬وشوق‭ ‬عميق‭ ‬إلى‭ ‬موطنها‭ ‬الأصلي،‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬الموطن‭ ‬الروحاني‭ ‬الذي‭ ‬انبثقت‭ ‬منه‭ ‬عند‭ ‬النفخة‭ ‬الربانية‭ ‬القدسية‭. ‬

‭ ‬إنها‭ ‬نوستالجيا‭ ‬الروح،‭ ‬تلك‭ ‬اللوعة‭ ‬الفطرية‭ ‬الخفية‭ ‬التي‭ ‬تدفع‭ ‬الإنسان‭ ‬نحو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬أعمق‭ ‬لوجوده،‭ ‬وتذكره‭ ‬بأصله‭ ‬السماوي‭ ‬الذي‭ ‬فارقه‭. ‬هذا‭ ‬الحنين‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬شعور‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للرحلة‭ ‬القلبية،‭ ‬رحلة‭ ‬عودة‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬الذات‭ ‬الإلهية‭ ‬مصدر‭ ‬النفخة‭ ‬القدسية‭ “‬يقول‭ ‬عز‭ ‬من‭ ‬قائل‭ “‬ونفخت‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬روحي‭”  ‬الحجر‭ ‬29‭.‬

يأتي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬المعجز،‭ ‬ليكون‭ ‬بمثابة‭ ‬تذكرة‭ ‬العبور‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬المادة‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الروح‭ ‬فهو‭ ‬سفينة‭ ‬النجاة‭ ‬ودليلها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السفر‭ ‬الوجودي‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الشرائع‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬رسالة‭ ‬محبة‭ ‬إلهية‭ ‬قدسية،‭ ‬

إنه‭ ‬نداء‭ ‬من‭ ‬الموطن‭ ‬الأصلي‭ ‬يتردد‭ ‬صداه‭ ‬في‭ ‬جنبات‭ ‬الروح‭. ‬كل‭ ‬آية‭ ‬من‭ ‬آياته‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬نورا‭ ‬يكشف‭ ‬الحجب،‭ ‬وذكرا‭ ‬يوقظ‭ ‬القلب‭ ‬من‭ ‬غفلته‭.‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تتجلى‭ ‬عظمة‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: “‬كلا‭ ‬إِنها‭ ‬تذْكرة‭” ‬المدثر‭: ‬54‭. ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬تحمل‭ ‬في‭ ‬طياتها‭ ‬أبعادا‭ ‬صوفية‭ ‬عميقة،‭ ‬فهي‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬بذاته‭ ‬هو‭ ‬تذكير‭ ‬للروح‭ ‬بما‭ ‬فطرها‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬مغروسة‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الأصلية‭ ‬للانسان،‭ ‬وبعهدها‭ ‬الأول‭ ‬معه‭. ‬إنها‭ ‬تذكرة‭ ‬بأن‭ ‬الروح‭ ‬ليست‭ ‬غريبة‭ ‬عن‭ ‬الحق،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جزء‭ ‬منه،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬آيات‭ ‬كونية‭ ‬وشرعية‭ ‬إنما‭ ‬هي‭ ‬إشارات‭ ‬ودلائل‭ ‬بمثابة‭ ‬تذكرة‭ ‬عبور‭ ‬تعيد‭ ‬الروح‭ ‬إلى‭ ‬أصلها‭. ‬فالتذكرة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬استحضار‭ ‬لمعلومة‭ ‬منسية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬إيقاظ‭ ‬للفطرة‭ ‬الكامنة،‭ ‬ونفخ‭ ‬للروح‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬الغفلة،‭ ‬و‭ ‬تذكرة‭ ‬عبور‭  ‬من‭ ‬ظلمة‭ ‬الغفلة‭ ‬لتعود‭ ‬إلى‭ ‬نور‭ ‬اليقظة‭ ‬ثم‭ ‬الحضور‭ ‬فالغيبة‭ ‬عما‭ ‬سوى‭ ‬المذكور‭. ‬

وكما‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬مخاطبا‭ ‬نبيه‭ ‬الكريم‭: “‬فذكر‭ ‬إِنمَا‭ ‬أَنتَ‭ ‬مُذكر‭” ‬الغاشية‭: ‬21،‭ ‬فالنبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬ومن‭ ‬بعده‭ ‬ورثته‭ ‬من‭ ‬العارفين،‭ ‬يذكرون‭ ‬الأرواح‭ ‬بما‭ ‬نسيته‭ ‬في‭ ‬غمرة‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الماديات‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬ذي‭ ‬نعيشه،‭ ‬ويعيدونها‭ ‬إلى‭ ‬فطرتها‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أقرت‭ ‬بالوحدانية‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬الذر‭: “‬وَإِذ‭ ‬أَخذ‭ ‬ربك‭ ‬مِن‭ ‬بنِي‭ ‬آدم‭ ‬من‭ ‬ظهورهم‭ ‬ذرياتهم‭ ‬وَأَشهدهم‭ ‬عَلى‭ ‬أَنفسهم‭ ‬أَلست‭ ‬بِربكم‭ ‬ۖ‭ ‬قالوا‭ ‬بلى‭ ‬ۛ‭ ‬شهِدنا‭ ‬أن‭ ‬تقولوا‭ ‬يوم‭ ‬القيامة‭ ‬إنا‭ ‬كنا‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬غافلين‭” ‬الأعراف‭: ‬172‭, ‬أنها‭ ‬حقا‭ ‬رحلة‭ ‬القلب‭: ‬من‭ ‬الغفلة‭ ‬إلى‭ ‬اليقظة‭ ‬فالحضور‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬الغيبة‭ ‬عما‭ ‬سوى‭ ‬المذكور‭.‬