

العنقاء تمسح آهاتي
نمط مختلف من السرد وتفرد بالمناجاة – حمدي العطار
يذكرني العنوان برواية (في حضرة العنقاء والخل الوفي) للروائي ” اسماعيل فهد اسماعيل” سنة 2012 وكلا الروايتين تستمد الثيمة من حكاية خرافية قديمة تتحدث عن طائر وهمي في الاساطير لطول عنقه يطلق عليه العنقاء وقد جاء في حكايات الف ليلة وليلة وحكاية السندباد ، وميزة هذا الطائر هو عند موته يحترق ذاتيا ويتحول الى رماد ومن ثم يخرج من الرماد طائرا عنقاء جديد، هي فكرة ضد الفناء سواء كان الحديث عن الشعب الكويتي بعد التخلص من احتلال العراق – كما في رواية اسماعيل فهد اسماعيل- او الحديث ما اصاب الشعب العراق من العنف الطائفي والمذهبي والقتل على الهوية!
عالمان في الرواية
اعتمد السرد على التداعيات التي يشعر بها (فيصل) وتبدو فيها مسحة العتاب والحزن واللوم والمقارنة بين الحاضر والماضي “كيف تسنى لنا ونحن أصحاب آخر الرسالات السماوية..أن نبتدي بالاذى من ليس يؤذينا؟ أسئلة راحت تطرح نفسها بالحاح وبقوة المنطق السليم ولكن أين للمنطق من قوة في سورة جموح النفوس للإنتقام من كل من يخالفها الرأي أو المعتقد. هل عجزنا عن جعل أنفسنا صورة مؤطرة بابتسامة أمل أم ران على قلوبنا غل وقفال؟”ص9
رؤية نقدية
نحن امام عمل روائي يقدم رؤية نقدية تاريخية مقارنة ، والسرد في الرواية تسجيلي حي للتناقضات داخل المجتمع العراقي ورجوع للحضارة والماضي وقراءة للمستقبل “كنا نتفاخر بكوننا ننتمي للقيم الكبرى ومن دانت لهم الدنيا ودانت لهم الرقاب. كنا نطوي الفيافي والمهاد ليشرق نور محبتنا في الأقاصي. نحن أحفاد الأصلاء…جنون الذاتية المقيته وعدم الأيمان بالحاضر والمستقبل هو الذي أعمى البصائر وجعل النفوس تهفو لأعلى من إستحقاقها”11
العناصر الفنية
الحوار في الرواية قليلا جدا، لكن المناجاة الداخلية والحديث مع النفس هو السائد على السرد ،لو كنا بصدد كتابة قصة قصيرة لكانت تلك المناجاة مناسبة لتطوير واغناء الموضوع، لكن في الرواية الكثير من المناجاة قد يضر بالبناء الفني للرواية ، على الاخص وان الحوار القليل في الرواية كان جميلا(سأل فيصل رجلا من أهل سومر- هل أنتم متحابون ومتعانون؟/ – وكيف لا نكون كذلك وقد ولدنا في هذه الربوع وشربنا من معين مائها وأكلنا من خيراتها. من هذه الارض شع نور الإنسان وسيكمل إشعاعه في قادم الايام../ هل يعرف الحسد والتناحر طريقا لتآلفكم ومحبتكم؟ – أبدا فمدينتنا ليست إلا بيتا كبيرا وحاكمنا منا وإن كا أكثرنا حكمة وعدلا بل وحتى حدبا…سعادتنا تكمن ببساطتنا. نحن نؤمن بضرورة تآلفنا وتضامننا الاجتماعي ولعلكم تسمونها الاشتراكية”ص22 وسنجد حوارا بين الملكة والمرأة السومرية وطائر العنقاء والملك الاكدي سرجون متداخلة مع حوارات فيصل المتنوعة “وقفت العنقاء بين يديه محنية رأسها بتواضع اصحاب الرسالات وطلبت منه أن يمتطي ظهرها لعلها تسري عنه بعض الشيء”
الوصف في الرواية جميل جدا ويدل على قوة اللغة لدى الروائي وجمال الخيال “أرض الأحلام التي كانت تداعب خيال الحالمين بالجنان المرصعة ليس بالدر واللؤلؤ وزهر الياسمين بل بالحب والتسامح وإحترام الرأي الاخر”ص8 .(كانت السماء متفتحة الأبواب وملأ العبير كل السماء. عبير لم يألفه أهل الأرض والسماء فأيقن على الفور أنه صا في العالم الآخر. عالم نزع من قلب الإنسان كل غل وغدر..واصل فيصل رحلة إكتشافه لعالمه الجديد وبانت لعينيه عربة من نور. عربة إمتطاها بشر. إقتربت منه فاذا بها تحمل عائلته التي إرتحلت عن دنياه الفانية)ص 119
التموضع الطائفي
في المقطع الخامس من الرواية التي تتكون من (10) مقاطع يبدأ السرد يأخذ منحى مغاير للحديث عن مدة زمنية محددة وليست مفتوحة كما في المقاطع الاربعة التي احتلت نصف الرواية تقريبا، انها مرحلة التموضع الطائفي “كــــــــــان العام 2006-2007 بداية مرحلة جديدة، مرحلة قصمت ظهر التعايش المجتمعي إذ برزت وبأعتى صورها مظاهر التموضع الطائفي”ص56
الخاتمة
ايقاع السرد يسير بالتوازي لأستعراض عالمين على طرفي نقيض هذا التناقض لا ينسحب على واقعية الاحساس بل يصل الى واقعية الرمزية! كان يمكن ان تتخلص الرواية من رتابة التداعيات وتكرار نفس المعاناة والمناجاة ، كان يمكن ان تكون اكثر تشويقا بالاحداث وليس بالاستذكارات واسترجاع الماضي والبكاء على الاطلال، الروائي “فاضل حسين نايف” يملك كل الادوات الفنية لتقديم السرد الجميل المعبر عن الواقع بأطار خيالي، لكنه حصر نفسه في زاوية محددة ضيقة لا تحتوي الا (الاهات) وهو كان يأمل من العنقاء ان تمسح (آهاته) والتي تمثل (آهات كل العراقيين)!
























