نقص‭ ‬الخبرة- محمد زكي ابراهيم

حينما‭ ‬يدخل‭ ‬الشاب‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭  ‬يمضى‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬في‭ ‬الدرس،‭ ‬ويقضى‭ ‬شطراً‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬التحصيل،‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬غريباً‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬العمل،‭ ‬ويقف‭ ‬مذهولاً‭ ‬أمام‭ ‬أمور‭ ‬لم‭ ‬يحط‭ ‬بها‭ ‬علماً،‭ ‬أو‭ ‬يجد‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬قرأ،‭ ‬ذكراً‭. ‬

هذا‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجهله‭ ‬الجميع،‭ ‬يعني‭ ‬شيئاً‭ ‬واحداً‭ ‬هو‭ ‬نقص‭ ‬الخبرة،‭ ‬ولا‭ ‬بد‭ ‬للمرء‭ ‬أن‭ ‬يكتسب‭ ‬منها‭ ‬قدراً‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بمزاولة‭ ‬عمله‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭.‬

وفي‭ ‬ماعدا‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يأتمنه‭ ‬أحد‭ ‬على‭ ‬آلة،‭ ‬أو‭ ‬مؤسسة،‭ ‬أو‭ ‬مشروع،‭ ‬أو‭ ‬مرضى،‭ ‬أو‭ ‬أموال،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأمور،‭ ‬فالمهندس‭ ‬والطبيب‭ ‬والمعلم‭ ‬والمدير‭ ‬ورجل‭ ‬القانون،‭ ‬والسياسي،‭ ‬كل‭ ‬هؤلاء‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬دربة‭ ‬وتجارب،‭ ‬تؤهلهم‭ ‬للعمل‭ ‬بكفاءة‭.‬

هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يعرفه‭ ‬الجميع‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬لكنهم‭ ‬يتغافلون‭ ‬عنه‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬ولا‭ ‬يترددون‭ ‬في‭ ‬إسناد‭ ‬المهمات‭ ‬الصعبة‭ ‬إلى‭ ‬أناس‭ ‬حديثي‭ ‬التكوين،‭ ‬فهناك‭ ‬اعتبارات‭ ‬أخرى‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع،‭ ‬ليس‭ ‬أقلها‭ ‬الأيديولوجيا‭.‬

والأخيرة‭ ‬في‭ ‬العادة‭ ‬تمنح‭ ‬صاحبها‭ ‬الحس‭ ‬الثوري،‭ ‬والحماس‭ ‬المطلوب،‭ ‬وسرعة‭ ‬الأداء‭.‬

وغني‭ ‬عن‭ ‬البيان‭ ‬أن‭ ‬الأنظمة‭ ‬التي‭ ‬جاءت‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬عبر‭ ‬الثورات‭ ‬الشعبية‭ ‬أو‭ ‬الانقلابات‭ ‬العسكرية،‭ ‬تعاني‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الداء‭ ‬اللعين،‭ ‬فالأولوية‭ ‬بنظرها‭ ‬ليست‭ ‬للمعرفة‭ ‬أو‭ ‬التجربة‭ ‬أو‭ ‬الحنكة،‭ ‬بل‭ ‬للنقاء‭ ‬الثوري‭ ‬والإيمان‭ ‬المطلق‭ ‬بوصايا‭ ‬الزعيم‭ ‬أو‭ ‬القائد‭ ‬أو‭ ‬الحزب‭.‬

لقد‭ ‬قادني‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬الآن‭ ‬عن‭ ‬قانون‭ ‬الأحوال‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬ومشاركة‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬الانتصار‭ ‬لهذا‭ ‬الطرف‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬لسبب‭ ‬وحيد،‭ ‬هو‭ ‬الإيمان‭ ‬بالأيديولوجيا‭.‬

‭ ‬ومن‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬كلف‭ ‬بتشريع‭ ‬هذا‭ ‬القانون‭ ‬قبل‭ ‬65‭ ‬عاماً‭ ‬كانت‭ ‬طبيبة‭ ‬أمراض‭ ‬جلدية،‭ ‬أسندت‭ ‬لها‭ ‬وزارة‭ ‬البلديات‭ ‬بموجب‭ ‬توصية‭ ‬من‭ ‬الحزب‭ ‬الذي‭ ‬تنتمي‭ ‬إليه،‭ ‬ولم‭ ‬تطل‭ ‬مدتها‭ ‬في‭ ‬الوزارة‭ ‬بسبب‭ ‬الصراعات‭ ‬السياسية‭. ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬كافية‭ ‬لتقود‭ ‬فريقاً‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والرجال‭ ‬المهووسين‭ ‬بالثورية،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬بينهم‭ ‬رجل‭ ‬دين‭ ‬واحد،‭ ‬لسن‭ ‬القانون‭ ‬188‭.‬

وجميع‭ ‬هؤلاء‭ ‬كانوا‭ ‬ساخطين‭ ‬على‭ ‬الأعراف‭ ‬القبلية‭ ‬والدينية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬مجتمعاً‭ ‬فقيراً‭ ‬شبه‭ ‬أمي‭.‬

والأغرب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬لم‭ ‬تتهيأ‭ ‬لها‭ ‬الفرصة‭ ‬في‭ ‬الزواج،‭ ‬ولم‭ ‬تذق‭ ‬طعم‭ ‬الحياة‭ ‬الأسرية،‭ ‬ولم‭ ‬تختبر‭ ‬تربية‭ ‬الصغار،‭ ‬والمهمات‭ ‬المشتركة‭ ‬للأم‭ ‬والأب،‭ ‬فكانت‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الأمور‭ ‬غريبة‭ ‬عنها،‭ ‬أما‭ ‬ما‭ ‬سطرته‭ ‬هي‭ ‬والفريق‭ ‬الذي‭ ‬تقوده‭ ‬فهو‭ ‬مقتبس‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬والدساتير‭ ‬الأجنبية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬أوربا‭ ‬وأميركا‭. ‬،‭ ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬يبرره‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الحقبة‭.‬

وغني‭ ‬عن‭ ‬البيان‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التشريع‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تأزيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحكومة‭ ‬العراقية‭ ‬الوليدة،‭ ‬والمؤسسة‭ ‬الدينية،‭ ‬وما‭ ‬كان‭ ‬أغناها‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الخلاف‭ ‬الذي‭ ‬عجل‭ ‬بسقوطها،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأولويات‭ ‬التي‭ ‬تحتاجها‭ ‬الأسرة،‭ ‬مثل‭ ‬التعليم‭ ‬والخدمات‭ ‬والصحة‭ ‬والعيش‭ ‬الكريم‭.‬

وأذكر‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ (‬طبيبة‭) ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬نزعت‭ ‬عنها‭ ‬رداء‭ ‬الطب،‭ ‬وطفقت‭ ‬تبحث‭ ‬في‭ ‬شؤون‭ ‬الأسرة،‭ ‬وتربية‭ ‬الأطفال،‭ ‬وحقوق‭ ‬المرأة،‭ ‬حتى‭ ‬قادها‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬السجن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة،‭ ‬وكانت‭ ‬تصرح‭ ‬علناً‭ ‬برفض‭ ‬التشريعات‭ ‬الإسلامية‭ ‬الخاصة‭ ‬بالإرث،‭ ‬وتلقي‭ ‬عليها‭ ‬التبعة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أصاب‭ ‬العرب‭ ‬من‭ ‬تخلف،‭ ‬ولا‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬إعلان‭ ‬تأييدها‭ ‬للمثلية،‭ ‬وهذه‭ ‬المرأة‭ ‬تزوجت‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬انتهت‭ ‬جميعاً‭ ‬بالطلاق،‭ ‬ولم‭ ‬تستطع‭ ‬أن‭ ‬توظف‭ ‬أفكارها‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تبشر‭ ‬بها‭ ‬آناء‭ ‬الليل‭ ‬وأطراف‭ ‬النهار،‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬السعادة‭ ‬لنفسها‭ ‬أو‭ ‬لأبنائها،‭ ‬فهناك‭ ‬شيء‭ ‬أهم‭ ‬في‭ ‬نظرها‭ ‬هو‭ ‬الأيديولوجيا،‭ ‬وهناك‭ ‬شيء‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬لا‭ ‬تمتلكه‭ ‬وهو‭ ‬الخبرة‭.‬

‭ ‬لا‭ ‬أعلم‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬صاحب‭ ‬هذا‭ ‬القول‭ (‬من‭ ‬الأفضل‭ ‬أن‭ ‬تنصح‭ ‬نفسك‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنصح‭ ‬الناس‭)! ‬لكنه‭ ‬قول‭ ‬بليغ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬بماء‭ ‬الذهب،‭ ‬لأنه‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬قانون‭ ‬أو‭ ‬نظام‭.