
حينما يدخل الشاب إلى سوق العمل، بعد أن يمضى سنوات طويلة في الدرس، ويقضى شطراً من حياته في التحصيل، يجد نفسه غريباً في موقع العمل، ويقف مذهولاً أمام أمور لم يحط بها علماً، أو يجد لها في ما قرأ، ذكراً.
هذا الأمر الذي لا يجهله الجميع، يعني شيئاً واحداً هو نقص الخبرة، ولا بد للمرء أن يكتسب منها قدراً يسمح له بمزاولة عمله على أرض الواقع.
وفي ماعدا ذلك لن يأتمنه أحد على آلة، أو مؤسسة، أو مشروع، أو مرضى، أو أموال، وغير ذلك من الأمور، فالمهندس والطبيب والمعلم والمدير ورجل القانون، والسياسي، كل هؤلاء يحتاجون إلى دربة وتجارب، تؤهلهم للعمل بكفاءة.
هذا الأمر يعرفه الجميع دون شك، لكنهم يتغافلون عنه بعض الأحيان، ولا يترددون في إسناد المهمات الصعبة إلى أناس حديثي التكوين، فهناك اعتبارات أخرى تدخل في مثل هذا الموضوع، ليس أقلها الأيديولوجيا.
والأخيرة في العادة تمنح صاحبها الحس الثوري، والحماس المطلوب، وسرعة الأداء.
وغني عن البيان أن الأنظمة التي جاءت إلى السلطة عبر الثورات الشعبية أو الانقلابات العسكرية، تعاني أكثر من سواها من هذا الداء اللعين، فالأولوية بنظرها ليست للمعرفة أو التجربة أو الحنكة، بل للنقاء الثوري والإيمان المطلق بوصايا الزعيم أو القائد أو الحزب.
لقد قادني إلى هذا الحديث الجدل الدائر الآن عن قانون الأحوال الشخصية في العراق، ومشاركة الجميع في الانتصار لهذا الطرف أو ذاك، لسبب وحيد، هو الإيمان بالأيديولوجيا.
ومن الغريب أن من كلف بتشريع هذا القانون قبل 65 عاماً كانت طبيبة أمراض جلدية، أسندت لها وزارة البلديات بموجب توصية من الحزب الذي تنتمي إليه، ولم تطل مدتها في الوزارة بسبب الصراعات السياسية. لكنها كانت كافية لتقود فريقاً من النساء والرجال المهووسين بالثورية، لم يكن بينهم رجل دين واحد، لسن القانون 188.
وجميع هؤلاء كانوا ساخطين على الأعراف القبلية والدينية والاجتماعية التي تحكم مجتمعاً فقيراً شبه أمي.
والأغرب من هذا كله، أن هذه المرأة لم تتهيأ لها الفرصة في الزواج، ولم تذق طعم الحياة الأسرية، ولم تختبر تربية الصغار، والمهمات المشتركة للأم والأب، فكانت جميع هذه الأمور غريبة عنها، أما ما سطرته هي والفريق الذي تقوده فهو مقتبس من القوانين والدساتير الأجنبية في دول أوربا وأميركا. ، وهو أمر لم يكن له ما يبرره في تلك الحقبة.
وغني عن البيان أن هذا التشريع أسهم في تأزيم العلاقة بين الحكومة العراقية الوليدة، والمؤسسة الدينية، وما كان أغناها عن هذا الخلاف الذي عجل بسقوطها، مع وجود الكثير من الأولويات التي تحتاجها الأسرة، مثل التعليم والخدمات والصحة والعيش الكريم.
وأذكر في هذا الصدد (طبيبة) أخرى من بلد عربي، نزعت عنها رداء الطب، وطفقت تبحث في شؤون الأسرة، وتربية الأطفال، وحقوق المرأة، حتى قادها الأمر إلى السجن أكثر من مرة، وكانت تصرح علناً برفض التشريعات الإسلامية الخاصة بالإرث، وتلقي عليها التبعة في ما أصاب العرب من تخلف، ولا تتردد في إعلان تأييدها للمثلية، وهذه المرأة تزوجت ثلاث مرات انتهت جميعاً بالطلاق، ولم تستطع أن توظف أفكارها التي ما برحت تبشر بها آناء الليل وأطراف النهار، في تحقيق السعادة لنفسها أو لأبنائها، فهناك شيء أهم في نظرها هو الأيديولوجيا، وهناك شيء أكثر أهمية لا تمتلكه وهو الخبرة.
لا أعلم من هو صاحب هذا القول (من الأفضل أن تنصح نفسك قبل أن تنصح الناس)! لكنه قول بليغ يجب أن يكتب بماء الذهب، لأنه حجر الزاوية في كل قانون أو نظام.
























