ندى عدنان الحاج يونس من الذكريات إلى عالم جديد
إختراق اللون والرمز عبر طاقة التعلّم الذاتي
عمان – الزمان
التقطت رموز لوحاتها للمرة الأولى من بيئة الطفولة، وجدت في بعض ذكرياتها وتذكراتها مادة لخربشة تضعها على وجه اوراق في الكراريس المدرسية. وبدلا من ان تعمد الى تمزيقها كعادة الأطفال والصبية من اترابها، ارتأت ندى عدنان الحاج يونس جعلها علامة فارقة في حياتها. تحولت الى رسوم تراكمية شكلت فيما بعد ما يصطلح على تسميته (رحلة التعلم). وهذه الرحلة بخلاف جميع المعايير الاكاديمية تمتلك خاصية الثبات والتراكم المعرفي الميداني، وهو ما يعوز كثرة من الفنانين التشكيليين لاسيما الهواة منهم. اذ هم غالبا ما يكتفون بالدراسات التقليدية او الاطروحات المدرسية ولا يؤسسون انطلاقاتهم من تجارب الإرث الاجتماعي والنفسي الحياتي. ذلك ما نسميه قلة او ضعف الممارسة الذي يعوق التمرس الكياني من جهة، ويقف وراء تباطؤ نشاط الموهبة المعززة بحركية الإنجاز من جهة اخرى.
ويمكن عد الحاج يونس احدى ابرز التشكيليين العراقيين من الجيل الثالث، التي قفزت بالموهبة موانع التعويق العالية، التي توضع أحيانا في الطريق بقصد، اما انضاج الطاقة الواعدة او تدمير جزيئات موهبتها لتبدو عبر الفضاء بلا اجنحة وبلا إمكانيـــــــات ذاتية تعينها على الطيران والهـــــبوط بأمان.
ان اصعب إنجازات الفنان تكمن في رحلة التعلم الذاتي، واذا كان هناك رهط منهم تسلقوا علياء التشكيل بالفطرة كفرات حسن مثلا. فان سواهم عبروا هذا المسمى الى تلك الرحلة اما سباحة ضد التيار او استسلاما لتدفق الموج. ويبدو من ثيمات لوحات الحاج يونس انها من فئة السابحين ضد التيار.
ولعلها قاومت صعوبات تسارع الموج من معطيين، الأول ثقة مفعمة بالارادة الذاتية الحرة، والثاني امل يحدوها بالوصول الى الضفة او نهاية الشوط بجهد خارق. ولهذا نفهم سر تطور مهاراتها التقنية، فيما بعد او في اطار حقبة عاصفة، عبر العديد من الأساليب الفنية الضاغطة.
انها واجهت معضلة تالية تكمن في الاختيار مرة وفي التأني والتأمل والدراسة مرة أخرى. لعلها تخلت عن الطموح المتعجل ووقفت على سطح الاحداث تستقصي روحها حتى تجد ضالتها الحقيقية ولعلها بذلك نأت بالنفس عن التماهي والتقليد والاستنساخ وتكرار الخطوط.كان بإمكان الحاج يونس ان تتجه صوب الألوان والاشكال والرموز والصور الكامنة لتؤسس اسما بديلا لكنها ارتأت الانتظار، ولم تتعجل كسواها حتى التحقت بمرسم احترافي في عمان عام 2006 لصقل موهبتها وتطوير ادواتها الإبداعية. وكانت مدينة لهذا النوع من الاحتكاك بالوسط التشكيلي وبالقائمين على التعايش الذوقي فيه.
ولم تعد الفنانة، تلك التي حاولت وتشبثت وترددت وقاومت والتقطت ثم انطلقت حسب، بل وسلمت خلاصة رؤاها الى الفضاء الخارجي مدركة ان المحلية التي تتسم بها لوحاتها تصلح في المساعدة في تثوير عناصر التشكيل في اعمالها، ولاسيما ما يتعلق بتقنية اللون الحاد الذي ميز هوية الحاج يونس ووضعت اقدامها على خط الشروع المناسب. ولم تكن مفاجأة لناقد او متابع لمسيرة الفنانة ان تنبري المنظمة الدولية للهجرة لاعتماد لوحات الفنانة في روزنامتها السنوية.
ومن جهتها كانت المنظمة تمتلك حس الالتقاط المثير والصائب وهي تختار الحاج يونس ضمن الاعمال التي تم الاحتفاء بها عام 2008. لكن المفاجأة المؤسفة ان المؤسسات العراقية تلمست طاقة هذه الفنانة عبر تلك الرسوم المتكونة ذاتيا والمليئة بصدى الذكريات واللون عبر روزنامة المنظمة، فيما كان عليها، من منطلق المثابرة والتقصي، ان تستشعر الوجود المحكم لهذه الهوية الفنية عبر ارهاصاتها الأولى.. فهل هي مصادفة ام كسل ام ضياع رافق رحلة اعظم واوجع هي جريمة ضياع وطن وتشتت شعب في المنافي والمخيمات وعلى هامش الجغرافيات؟ لم يعن الفنانة الجواب، كما لم يشكل لها هذا الجدل الدموي الممتد على المنابر والمجاهل العربية عامل تضاد او استدراج حاد، لقد حملت اللون واللوحة على منكبيها ومضت نحو هدفها بكل هدوء وانات وثقة. لقد اختيرت اعمالها ضمن لوحات كتاب (فيزبول كلجر) للكاتب ثرد فولد الاكاديمي المثابر بجامعة أوسلو مع مقالة تتضمن دراسة في علاقة الفن بالبيئة والمجتمع وتأثير الحرب على الاعمال الفنية. ودخلت لوحات الحاج يونس ضمن رؤى واجتهادات الدرس الاكاديمي لطلبة الفنون في النرويج. وهو انجاز اخر تضيفه الى سجل حركتها الصاعدة. ان ندى الحاج يونس تتربع اليوم على مشهد واسع من فضاءات التشكيل العراقي برغم سيماء التواضع والتواري المؤقت الذي يطبع شخصيتها الإنسانية وملامح سجلها الفني.
ومن المؤكد القول ان مؤسسة بندك آرت جاليري التي اطلقت (فولدر الحاج يونس) مؤخرا، استشعرت كثيرا من مكامن أعماق اللوحة التي تخضع لتكنيكات فرشاة هذه الفنانة، وعمدت الى احتضان بعض اعمالها بوصفها ثروة تشكيلية قادمة من تخوم التاريخ العراقي، تحمل كثيرا من رمزية ذلك الإرث الاشوري والبابلي ومعانيه وتوقيتاته وتعبيراته المثيرة للاهتمام والمجسدة لطاقة حب الحياة والرغبة في مد البشرية بأوائل الإنجازات: الحرف.. العجلة.. المعمار.. القانون، وأجنة البحث عن المجهول والخلود.























