
نجوى سيجارة – محمد جبر حسن
الظلام الدامس يحيط بالمكان ورائحة التبغ الافرنجي المغشوش تنتشر في الجو وهناك من يمسكُ بي من كل جانب ، احسُّ بنفسي مضغوط بشدّة ، فجأة انبلج الضوء قليلاً وعرفت انه تم رفع الغطاء عنّا ، لأرى الضوء من جديد بعد غياب طويل ، امتدت يد معروقة بعض الشيء كأنها تعود لعامل بناء وسحبت السيجارة الواقفة في آخر الصف الذي اصطفُّ فيه ، تناهى لسمعي صوت هذه السيجارة وهي تودع بفرح غامر صديقاتها اللواتي بصفها ..
وداعاً ايتها الصديقات ..
اخيراً تخلصتُ من هذا المكان الخانق !
انا ذاهبة الى الحرية حيث الفضاء الواسع الرحب !
ماهي الا لحظات حتى سمعنا تأوهاتها وهي تستغيث بين شفتي رجل كهل مُنهك ، تتأوه بألم من رائحة فمه النتنة ، اسنانه الصفر المنخورة تكاد تقضم الطرف الاسفل منها ، اما الطرف الاعلى فقد كانت النار تشب فيه وتنبعث منه ادخنة بيضاء ورمادية غطت ملامح هذا الرجل وتُخفي وراءها شحوبه وتجاعيد وجهه لتبعثه بخيالات يسرح بها او هكذا يخيّل لي ، لم تتوقف صيحات السيجارة المشتعلة فقد ظلت تزداد كلما يعصرها بين اصبعيه ويضعها في فمه كأنه يسحب روحها وينفثها بحرقة في الهواء ليزيد من احتراقها تدريجياً الى ان وصلت النار لحافتها وتتوقف عند (الفلتر) الذي اكتسى داخله باللون الاسود نتيجة ترسبات الدخان والنيكوتين ، كانت النهاية المأساوية للسيجارة وهي تتأوه وتستغيث انذار خوف ورعب لبقية السجائر الموجودة ، لقد خاب الامل بالحرية التي فرحنا بها بعد رفع غطاء العلبة ، كان من المؤمل ان يُفرج عنّا ونخرج من الحصار الذي كنّا مخنوقين فيه لكن للأسف وأقولها مرة اخرى .. لقد خاب ظني بالحرية التي حلمت بها وما بقي لي غير ان انتظر موتي البطيء مثل زميلتي التي شاهدت موتها على يد هذا الكهل القاسي القلب .فجأة حدث ما لم يكن بالحسبان ، رأيت الرجل يمسك بالعلبة ويقربها من عينيه ويقرأ بصعوبة بعض الكلمات المكتوبة..
(تحذير .. التدخين المسبب الاول لمرض السرطان )
سمعته بعدها يضحك ضحكة مدوّية تبعها بهذه الكلمات ..
هي ناقصة سرطان ؟
ثم قام وبكل برود بحرق العلبة بما فيها من سجائر لترتفع اصواتنا بالصـراخ والنيران تشب في الكل ، ارتفعت سحب كثيفة من الدخــــــان لتزيد من قتامة المشــــهد المأساوي ، يبدو ان الدخان الذي كان محبوسا فينا هو الوحـــيد الذي حصل على حريته بينما نحن بقينا نحترق شيـــــئاً فشيئاً الى النهاية !



















