وادي السلام .. ملايين القبور وملايين الزوار-مقالات- طالب سعدون
لم تكن هذه الاسطر هي الاولى أكتبها عن مقبرة (وادي السلام ) في النجف الاشرف ، التي لم أنقطع عن زيارتها ، حتى وإن لم تسمح حالتي الصحية بذلك في الايام العادية ، أو في ذروة اكتضاضها بالوافدين اليها في الاعياد والمناسبات الدينية ، لان فيها يرقد قرة عيني ( علي ) فلذة كبدي …
وفي كل مرة أجدها على حالها ، دون خدمات تناسب اعداد الاحياء الذين يزورونها ، و تصل في بعض المناسبات الى الملايين ، وبعد توسعها الكبير والامتداد الشاسع لها بشكل جعلها اكبر واقدم مقبرة في العالم ، وتكون ضمن لائحة التراث العالمي في تصنيف اليونسكو…
الا ان هذا التقويم من المنطمة الدولية ، لم ينعكس على تطوير المقبرة ، واظهارها بما يناسب هذا الاختيار ..
فرغم تاريخها الموغل في القدم ، الممتد الى اكثر من 1400 سنة لكنها تشكو من الاهمال ، وكأن من يزورها كتب عليه أن يمارس تمرينا بدنيا شاقا يفوق قدرته على التحمل ، والسير لمسافات طويلة مشيا على الاقدام ، أو على عربة (الستوتة ) وفي جو غير صحي تتطاير فيه الأتربة ، وتنشر في الجو معها ما تحمله معها من الارض ، جراء وقع أقدام المشاة ، وتحت درجة حرارة عالية في الصيف ، أو باردة أو أجواء ممطرة في الشتاء ..
وما كان للمرء أن يتحمل هذه الصعوبة البالغة لولا قيمة الراحل عنده ، ودرجة الوفاء له ، وإحياء لذكراه ، وتكون الزيارة في الوقت نفسه علاجا نفسيا للحي ، و( مسكنا ) لألم الفراق القاسي ، وسببا للراحة النفسية لانه يشعر أنه قدم شيئا يناسب فقيده العزيز ..ناهيك عن درسها التربوي ، والعظة والاعتبار من الراحلين لإستثمار سنوات العمر بما يفيد ، ما دام المصير الى هذا المكان حتما ، طال الزمن أم قصر …
ومقبرة وادي السلام بالذات تعتبر من أكثر المقابر التي يقصدها الاحياء والاموات .. وتجمع بين الحياة والموت … فمن يقصد زيارة الامام علي ( عليه السلام ) ، لا بد أن يعرج على زيارة موتاه ، ولذلك لا تجدها خالية من الحياة على مدار ايام السنة ، فاصبحت مصدر رزق لمن يعمل فيها ، وموردا اقتصاديا مهما للمدينة ..
والمؤسف ان الجهات المعنية الى الأن تتعامل مع الموتى كاجساد ميتة تحتضنها قبورفقط ، وليس لهم علاقة أو صلة بالأحياء ، أو كأنهم وجدوا هكذا ، ولم يحصل ان مروا في هذه الحياة وتركوا أثرهم الواضح فيها …
فمقبرة وادي السلام الى الأن لم تعط ما يناسب مكانتها التاريخية العالمية ، ولا زخم الحركة فيها ، في وقت أخذ العالم يتعامل مع زيارة المقابر التراثية والتاريخية بانها سياحية ، يؤمها أبناء البلاد ، وسائحون من الخارج ، وتشكل موردا اقتصاديا واستثماريا مهما..
ولذلك أخذت تتشط عند البعض ما يسمى بسياحة المقابر ، لزيارة المشاهير والشخصيات التي تركت اثرها الكبير في مجالات متعددة ، ومشاهدة المنحوتات والتحف التي تتزين بها المقابر بعد أن توفرت لها الخدمات المناسبة التي تساعد على زيارتها ، فتحولت الى متاحف مفتوجة للتعريف بتاريخ البلاد ورموزه العلمية والتاريخية والسياسية ، وحقبه الزمنية …
فاين موقع مقبرة وادي السلام في هذا الجانب ، وهي تخلو الى الأن من كل أسباب الراحة ، والعلامات الدالة التي تسهل للزائر مهمته ، وكأن الوافد اليها جاء لمعايشة الموتى ، وليس زيارتهم ، رغم أنها تصلح أن تكون موقعا سياحيا ، تاريخيا ، متميزا عن مقابر العالم الاخرى ، ففيها أربعة من الانبياء عليهم السلام ..أدم ونوح ( ضجيعا ) الامام علي عليه السلام ، وهود وصالح ، وتحتضن علماء وأولياء وصالحين وسياسيبن وملوكا ورؤساء ووزراء ، وشخصيات عامة ، ومؤمنين وإناست عاديين من العراق ومن دول العالم الاخرى …..
فهل يصعب على الجهات المعنية أن تزرع مناطق خضراء فيها ، و توفر أماكن بسيطة للراحة ومظلات يحتمي بها الزائر في الصيف والشتاء ، و( مصاطب ) للجلوس ودورات مياه ، وشبكة مواصلات نظامية ، تربطها ببعضها ومطاعم ، ووضع علامات تعريفية بالاماكن ، والشخصيات العامة التي تضمها .. وعندها سيجد كل زائر لها مبتغاه .. فمن يريد أن يتواصل مع موتاه يتمكن بيسر وسهولة ، ومن يريد الاطلاع على ما تضمه هذه المقبرة من شخصيات ورموز ، ودلالات تاريخية ، أعطتها تميزها ومكانتها التاريخية يجد ضالته …
فهل يصعب على الدولة أن تبني مرائب ( كراجات ) للسيارات نظامية ، تتوفر فيها الخدمات المناسبة ، بدل ( الساحات ) الترابية الموزعة بشكل عشوائي ، لتنقل الزوار الى المحافظات والمناطق التي جاءوا منها ، وتوزع على المقبرة كلها بشكل مناسب ، يوفر الجهدوالوقت والراحة للزائر ، بدل أن يترك ( للحظ والنصيب ) والصدفة في الاهتداء الى السيارة التي تقله الى بلدته ، وهذه الفوضى التي تحمله عناء كبيرا ، ومشقة تفوق طاقته ، و في ظروف جوية مختلفة ..
واذا كان ذلك صعبا على الدولة ، فهو في غاية السهولة على من يريد أن يستثمر في مكان يقصده الملايين في مناسبات معينة.. وهذا هو شأن السياحة تنشط في مواسم معينة ، وتدر أرباحا كبيرة ، وتتوقف أو تقل في مواسم اخرى … فما بالك بمكان تشرف ان تكون له علاقة تاريخية وطيدة بمرقد الامام علي ( ع ) الذي تشد له الرحال الملايين من ارجاء المعمورة …
{{{{{{
كلام مفيد :
ان تكون فردا في جماعة الإسود ، خير من أن تكون قائدأ للنعام ( حكمة ) .

















