مُكابدات‭ ‬-حسن النواب

‭ ‬بدأت‭ ‬نشر‭ ‬قصائدي‭ ‬مطلع‭ ‬الثمانينيات‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬العراق؛‭ ‬بعد‭ ‬مرور‭ ‬عام‭ ‬أصبح‭ ‬اسمي‭ ‬متداولاً‭ ‬في‭ ‬الوسط‭ ‬الثقافي؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أجلسُ‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬حسن‭ ‬عجمي‭ ‬ونصحني‭ ‬أحد‭ ‬الأدباء‭ ‬الأصدقاء‭ ‬باستبدال‭ ‬لقب‭ ‬النوَّاب‭ ‬من‭ ‬اسمي‭ ‬حافظاً‭ ‬على‭ ‬حياتي‭ ‬من‭ ‬المضايقات‭ ‬الأمنية؛‭ ‬فأجبتهُ‭:‬

‭- ‬وهل‭ ‬أتنازل‭ ‬عن‭ ‬لقبي‭ ‬وأصلي؛‭ ‬ليحدث‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭.‬

طيلة‭ ‬حياتي‭ ‬في‭ ‬الخدمة‭ ‬العسكرية‭ ‬كنتُ‭ ‬مراقباً‭ ‬من‭ ‬الاستخبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬في‭ ‬وحدتي‭ ‬العسكرية؛‭ ‬وهناك‭ ‬شهود‭ ‬من‭ ‬الجنود‭ ‬مازالوا‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة؛‭ ‬منهم‭ ‬الجندي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬حضيرة‭ ‬الاستخبارات‭ ‬‮«‬جبار‭ ‬عايد‭ ‬نعيثل‮»‬‭ ‬من‭ ‬أهالي‭ ‬الحي‭ ‬والذي‭ ‬حاول‭ ‬رفع‭ ‬المراقبة‭ ‬عني‭ ‬دون‭ ‬جدوى؛‭ ‬كان‭ ‬متعاطفاً‭ ‬معي‭ ‬ويعشق‭ ‬مُظفَّر‭ ‬النوَّاب‭ ‬حدَّ‭ ‬الشغف‭ ‬وهو‭ ‬متواصل‭ ‬معي‭ ‬حتى‭ ‬الآن؛‭ ‬وبسبب‭ ‬لقب‭ ‬النوَّاب‭ ‬تم‭ ‬استدعائي‭ ‬للتحقيق‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬في‭ ‬الشعبة‭ ‬الرابعة‭ ‬للاستخبارات‭ ‬العسكرية‭ ‬العامة‭ ‬في‭ ‬الكاظمية؛‭ ‬كان‭ ‬سؤالهم‭ ‬الأوَّل‭ ‬ماهي‭ ‬درجة‭ ‬القرابة‭ ‬بمظفَّر‭ ‬النوَّاب؛‭ ‬كنتُ‭ ‬أجيبهم‭ ‬بوضوح‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬أعمامي‭. ‬وبسبب‭ ‬لقب‭ ‬النوَّاب‭ ‬طُرد‭ ‬أخي‭ ‬علي‭ ‬النوَّاب‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬المعلمين‭ ‬في‭ ‬النجف‭ ‬عام‭ ‬‮١٩٧٧‬‭ ‬والمفارقة‭ ‬تم‭ ‬سوقه‭ ‬إلى‭ ‬الجيش‭ ‬كجندي‭ ‬في‭ ‬صنف‭ ‬المخابرة؛‭ ‬مثلما‭ ‬نالَت‭ ‬الظلم‭ ‬أخيَّاتي‭ ‬وطردتا‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬التربية،‭ ‬واستجوبت‭ ‬أمي‭ ‬بطريقة‭ ‬مهينة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬كربلاء‭ ‬كونها‭ ‬من‭ ‬قبيلة‭ ‬بني‭ ‬تميم‭ ‬واقترنت‭ ‬برجل‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬النوَّاب؛‭ ‬كما‭ ‬تمَّ‭ ‬تسريح‭ ‬والدي‭ ‬من‭ ‬عمله‭ ‬كمراقب‭ ‬فني‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬صخير‮»‬‭ ‬وقبل‭ ‬إكمال‭ ‬سن‭ ‬التقاعد؛كل‭ ‬هذا‭ ‬الظلم‭ ‬الذي‭ ‬تعرَّضنا‭ ‬له؛‭ ‬ويأتي‭ ‬من‭ ‬يقول‭ ‬الآن‭ ‬ما‭ ‬علاقة‭ ‬حسن‭ ‬بمظفَّر‭ ‬النوَّاب؛‭ ‬أقول‭ ‬لهؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يذرفون‭ ‬الدمع‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬مُظفَّر؛‭ ‬لكم‭ ‬أنْ‭ ‬تقرأوا‭ ‬مجموعتي‭ ‬الشعرية‭ ‬شريعة‭ ‬النواب؛‭ ‬وتطالعون‭ ‬قصائدي‭ ‬إقبال‭ ‬الدولة‭ ‬عطايا،‭ ‬وأقول‭ ‬جَّدي؛‭ ‬أُخيَّاتي؛‭ ‬ونوَّاب‭ ‬صاحب؛‭ ‬عمَّتي‭ ‬عِمَّتي،‭ ‬وقصيدة‭ ‬شريعة‭ ‬النوَّاب‭ ‬حتى‭ ‬تعرفونَ‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬سلالةٍ‭ ‬ننحدر‭ ‬نحنُ‭ ‬بيت‭ ‬النوَّاب‭.‬

‭*‬في‭ ‬استخبارات‭ ‬الشعبة‭ ‬الرابعة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1986

المحقق‭/ ‬ماهي‭ ‬قرابتك‭ ‬من‭ ‬مظفر‭ ‬النوّاب؟

حسن‭/ ‬قرابة‭ ‬الشعب‭ ‬لمظفر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرابتي‭.‬

المحقق‭/ ‬بلا‭ ‬فلسفة؛‭ ‬قل‭ ‬لي‭ ‬هل‭ ‬أنت‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬النوّاب؟

حسن‭/ ‬نعم؛‭ ‬وحتى‭ ‬لو‭ ‬أنكرتْ؛‭ ‬فجنسيتي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬نسبي‭.‬

المحقق‭/ ‬هل‭ ‬اشتركت‭ ‬في‭ ‬المعارك؟

حسن‭ / ‬نغم؛‭ ‬أنا‭ ‬سائق‭ ‬دبابة‭.‬

المحقق‭/ ‬هل‭ ‬جُرحت‭ ‬أثناء‭ ‬المعارك؟

حسن‭ / ‬ثلاث‭ ‬مرات،‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬شرق‭ ‬البصرة،‭ ‬والثانية‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬الفكّة‭..‬

ولذتُ‭ ‬بالصمت‭ ‬في‭ ‬حينها‭..‬

سألني‭ ‬المحقق‭/ ‬والثالثة

حسن‭/ ‬استجوابي‭ ‬الآن‭.‬

‭ ‬طلب‭ ‬مني‭ ‬ضابط‭ ‬الاستخبارات‭ ‬الحضور‭ ‬أمامه،‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬كان‭ ‬القصف‭ ‬عنيفاً؛‭ ‬تمنيتُ‭ ‬لو‭ ‬أنَّ‭ ‬رصاصة‭ ‬تائهة‭ ‬تثقب‭ ‬قلبي‭ ‬قبل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬مكانه،‭ ‬في‭ ‬ملجئه‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بارداً‭ ‬مثل‭ ‬دمي‭ ‬من‭ ‬خوفي‭ ‬وقلقي،‭ ‬سألني‭ ‬بوقاحة‭:‬

‭- ‬ما‭ ‬علاقتك‭ ‬بمظفر‭ ‬النوّاب؟

‭- ‬هو‭ ‬عمي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أره‭ ‬في‭ ‬حياتي‭.‬

‭- ‬ولماذا‭ ‬تقرأ‭ ‬كثيراً؟

‭- ‬لأطرد‭ ‬هاجس‭ ‬الموت‭ ‬الذي‭ ‬يلازمني‭.‬

نفث‭ ‬دخان‭ ‬سيجارته‭ ‬بوجهي،‭ ‬كأني‭ ‬لمحتُ‭ ‬في‭ ‬عينيه‭ ‬شفقةً‭ ‬نحوي،‭ ‬راح‭ ‬يقلِّب‭ ‬بأوراقٍ‭ ‬على‭ ‬مكتبه،‭ ‬فشعرتُ‭ ‬بالأمان‭ ‬قليلاً،‭ ‬رفع‭ ‬رأسه‭ ‬لينظر‭ ‬نحو‭ ‬وجهي،‭ ‬صفنَ‭ ‬برهةً‭ ‬ثم‭ ‬قال‭:‬

‭-‬أنت‭ ‬سائق‭ ‬دبابة‭ ‬شجاع

كنتُ‭ ‬أتعذَّب‭ ‬في‭ ‬داخلي،‭ ‬تفاديتُ‭ ‬سقوط‭ ‬دمعة‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬انزلقت‭ ‬من‭ ‬عيني‭ ‬لتهشَّم‭ ‬كبريائي،‭ ‬فجأة‭ ‬سمعنا‭ ‬زعيق‭ ‬قذيفة‭ ‬انفجرت‭ ‬قريباً‭ ‬من‭ ‬ملجئه،‭ ‬بعض‭ ‬شظاياها‭ ‬ثقبتْ‭ ‬خزان‭ ‬الماء‭ ‬الذي‭ ‬يستحم‭ ‬منهُ،‭ ‬سمعنا‭ ‬خرير‭ ‬الماء‭ ‬فارتبك‭ ‬بينما‭ ‬كنتُ‭ ‬في‭ ‬خَلَدي‭ ‬فرحاً‭ ‬لما‭ ‬حدث؛‭ ‬قال‭ ‬بسرعة‭:‬

‭- ‬عُدْ‭ ‬إلى‭ ‬ملجئك،‭ ‬سأكمل‭ ‬التحقيق‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬آخر‭.‬

عندما‭ ‬خرجت‭ ‬تمنيتُ‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬بندقية‭ ‬في‭ ‬يدي‭ ‬حتى‭ ‬أطلق‭ ‬الرصاص‭ ‬على‭ ‬قلبي‭ ‬وأستريح‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الإذلال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسحق‭ ‬بكياني‭.‬

‭ ‬بيت‭ ‬النوَّاب

جاءوا‭ ‬إلى‭ ‬الأرض

من‭ ‬نور‭ ‬ملائكة‭ ‬السماء

أبدانهم

جُبلت‭ ‬من‭ ‬ثياب‭ ‬الفردوس

وصوتهم‭..‬

صيحة‭ ‬أجدادهم

من‭ ‬الأئمة‭ ‬المعصومين

ثروتهم

يعرفها‭ ‬الله

لأنَّها‭ ‬جاءت‭ ‬من‭ ‬عبراته

إلى‭ ‬وجودهم

ملوك

وتواضعهم

حتى‭ ‬العشب‭ ‬يستحي‭ ‬منه

وكبرياؤهم

تتعرَّقُ‭ ‬منهُ‭ ‬جباه‭ ‬الجبال

السماء‭ ‬برقعهم

والغيوم

دخان‭ ‬أرواحهم‭ ‬المستجيرة

بدم‭ ‬الأحرار

وحسراتهم‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬السواد

يلوذ‭ ‬بدفئها‭ ‬الفقراء

والنجوم

درر‭ ‬قلادتهم

التي‭ ‬وهبوها‭ ‬إلى‭ ‬الليل

يقفون‭ ‬كعشاق‭ ‬أمام‭ ‬المنايا

ويركعون‭ ‬بشغفٍ‭ ‬على‭ ‬سجادة‭ ‬الصلاة

وكل‭ ‬ثروتهم

تراها‭ ‬في‭ ‬تربة‭ ‬الحسين

ولذا‭ ‬تركوا‭ ‬التيجان‭ ‬في‭ ‬الهند

وجاءوا‭ ‬حفاة‭ ‬لزيارة‭ ‬كربلاء

ومن‭ ‬ياقوتة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬عمَّتهم‭ ‬السوداء

صار‭ ‬نهر‭ ‬الهندية

ومن‭ ‬جنون‭ ‬عشقهم‭ ‬لأهل‭ ‬البيت

صار‭ ‬عاشوراء

هم‭..‬

بقايا‭ ‬الملائكة‭ ‬على‭ ‬الأرض

وكلما‭ ‬أراد‭ ‬الله

أنْ‭ ‬يحيل‭ ‬الأرض‭ ‬إلى‭ ‬يباب

يتذكرهم

وترتسم‭ ‬على‭ ‬شفتيه

ابتسامة‭ ‬خضراء‭.‬

‭ ‬في‭ ‬غربتي‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬أجيء‭ ‬بأخيَّاتي‭ ‬لينوحنَّ‭ ‬معي‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬العزاء؛‭ ‬يا‭ ‬أمير‭ ‬الكبرياء‭ ‬والغرباء‭ ‬والصابرين‭ ‬والثائرين‭ ‬والكادحين‭ ‬والمضطهدين‭ ‬والمشردين؛‭ ‬كنتَ‭ ‬تقول‭ ‬وطني‭ ‬مظلوم‭ ‬فهل‭ ‬أعتبُ‭ ‬على‭ ‬مظلوم‭ ‬مثلي؛‭ ‬وأقول‭ ‬لك‭ ‬بلغة‭ ‬الأجداد‭ ‬‮«‬خُدا‭ ‬حافظ‮»‬‭ ‬يا‭ ‬أمير‭ ‬بيت‭ ‬النوَّاب‭…‬‮»‬خُدا‭ ‬حافظ‮»‬‭.‬

حسن‭ ‬النواب