موعد

موعد

أغلق خالد, ذو الخمسة والعشرين ربيعا والمليء بالنشاط وحب الحياة, سماعة الهاتف وهو يتهلهل فرحا لسماع صوتها الناعم الذي يشبه موسيقى عذبة. رمى بنقاله على سريره المبعثر وهو مبتسم. تخللت رأسه كلماتها التي لامست لب قلبه. أغمض عينيه وتخيلها كيف ستكون معه بعد ساعة. فكر ماذا سيقول لها في أول لقاء لهما, ما الذي سيفعله عندما ينظر لعينيها, أين سيأخذها, وما الذي سيهديه لها كذكرى لأول لقاء حب يجمعهما.

نهض من سريرة تقدم باتجاه خزانة الملابس لينظر مايلبس لمناسبة مهمة جدا كهذه. اخذ مايناسبه وهو يبتسم ويتطاير فرحا. القى الملابس على السرير واخذ ينظر إليهم ويتخيل لقاءه بحبيبته ضحك عاليا واخذ يقفز ذهابا وايابا في ارجاء الغرفة.

واخيرا سألتقي بها.. وأخيرا بادلتني الحب.. انا اسعد مخلوق في العالم..كل العالم .

لبس, تعطر, لبس ساعته الجميلة, نظر لنفسه في المراة , سرح شعره, رتب ملابسه, بينما مع كل هذه الأشياء كان تفكيره مشغول بها, صوتها, دلعها, حلاوتها, ضحكتها, وكلمة حبيبي التي نطقت بها.اوووووه كم انا سعيد. لمياء قالت لي حبيبي.

ركض باتجاه المطبخ. قبل والدته التي تجلس شاغلة نفسها بتقطيع السبانخ معانقا اياها,

امي انا سعيد, انا اسعد شخصا في هذا العالم. احبك امي ..احبك.

ابتسمت امه كعادتها الطيبة تفرح لفرحه. الله يرعاك ويسعدك ياولدي. ان شاء الله يفتح كل ابواب الخير بوجهك ويوفقك.

قبلته وهي تنظر اليه يتطاير فرحا, هل لي ان اعرف سبب سعادة حبيبي؟

نظر اليها متوهجا سعادة. سأقابل لمياء..انها تحبني.

اتجه ثانية باتجاه امه وقبلها ..قالت لي احبك ياامي.

نهضت امه فرحا لسعادته وعانقته بدموع. وفقك الله ياحبيبي, كم تمنيت ان اراك سعيداً مع امراة تحبك لتكمل حياتك معها. اتمنى ان ارى هذا اليوم قبل ان اموت.

انا ذاهب لمقابلتها امي.

ودع والدته وخرج متمنيا لقاء جميلا, فبالرغم من انه يعرفها في محل عمله منذ سنة, الا انه لم يجرؤ على التكلم معها بشيء غير التحية ومايخص شؤون العمل. حاول مرارا وتكرارا ان يلمح لها بانه يحبها ولكنها كانت ترفض ان تستمع له. في احدى المرات اضطرت ان تتوقف عن القاء التحية عليه أو ردها لأنه كان قد لمح لها بمشاعره تجاهها.

خرج خالد يسير بسرعة خشية ان يتاخر على الموعد التاريخي مع حبيبته. انفاسه تتسابق مع خطواته الواسعة. حتى باب الدار صار بعيدا جدا..يااللهي .

خرج مسرعا باتجاه الشارع الرئيسي وفي راسه خليط من الفرحة , الخيال , والمشاعر, الحب, صورتها, عينيها,كلامها, صوتها, ابتسامتها, ماذا تلبس, كيف عملت شعرها, وجهها الجميل, لقاؤهم, حبهم, مستقبلهم, احلامهم, وكل شي..كل شي.

كل هذا يدور في تفكيره وهو يسير باتجاه الشارع محتفظا بابتسامته غير ابه بنظرات الناس المحدقة به .

تاكسي..تاكسي..

لم يتوقف التاكسي, ذهب وكانه لم ير شخصا يوقفه.

اوووه يالسوء الحظ, لماذا يحصل هذا؟ لماذا هذا التاخير.

لم يكن هناك اي تاخير, ففي كل مرة يذهب خالد للعمل او لشان اخر يقوم بمحاولة ايقاف التاكسي عدة مرات وتنجح المحاولة الاخيرة والتي ربما الثانية او الثالثة او الخامسة. توتره يوهمه ان كل مايكون امامه هو عائق مقابل لقائه المميز.

تاكسي..تاكسي.

توقف التاكسي وفتح خالد باب السيارة وجلس من غير ان يتفوه بكلمة ولا حتى سلام وعندما استقر بجلوسه ادار وجهه للسائق.. مطعم الرياحين, من فضلك.

تبسم السائق الذي لاحظ علامات الارتباك عليه.. حسنا..وانطلق.

طوال الطريق وهو شارد الذهن يبتسم بين ابتسامة خفيفة واخرى عريضة. اخذ السائق يرمقه بنظراته ويفسر مايمر به هذا الشاب.

اووه ياالهي حتى الاشارة تعاندني هذا اليوم..ماهذا اليوم.

التفت اليه السائق.. على مهلك يااخي, سوف لن نتاخر كثيرا..

لم يرد ولكن تغيرت كل تعابير وجهه الى تجهم وهو ينظر للساعة التي هي الأخرى بدأت وكأنها تتلاعب باعصابه, فلم يتبق من الوقت غير خمس عشرة دقيقة..

سارت السيارة من جديد. دقائق وانحرفت باتجاه الشارع حيث يكون المطعم.. مكان موعدهما. خالد متوتر جدا. قلبه بدأ يخفق اسرع واسرع. نظر باتجاه المطعم هناك جمع من الناس المتجمهرين قرب المطعم .. مالذي يجري؟؟ تاخير اخر ؟ لم يتبق غير خمس دقائق.

خليط من الغضب بسبب الازدحام والتجمع الذي يبدو انه سيعيق مرورهم لفترة طويلة وبين السعادة حيث قرر الترجل والذهاب مشيا.

شكرا, اتعبتك معي, موجه يده للسائق ليدفع الاجرة.

على الرحب والسعة. اخذ الاجرة واستدار.

ترجل خالد وهو يفكر كيف يصل للمطعم ويقابل لمياء. اقترب اكثر من التجمع الذي يسبق المطعم.

دخان, موتى, صراخ, سيارة إسعاف وحيدة. ماهذا؟ مالذي جرى؟

حدث انفجار قبل ربع ساعة تقريبا. اجاب احدهم.

غاب تفكيره لفترة عن موعده, عن لمياء, عن حبهم واخذ ينظر هنا وهناك لهول المنظر.

انها حقيبتها..اجل لطالما رايتها معها. انها هناك لمياء.. لمياء جثة..لمياء ماتت ولم تنتظرني.

ماتت ولن نبوح لبعضنا. تحولت فرحة لقائه بها لحسرات..

سبقني الموت وسرقها مني.

زينب علي- الناصرية