مواقف في موسوعة العراق الجديد

مواقف في موسوعة العراق الجديد

بغداد – محسن حسن الموسوي

يفاجئنا سماحة العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر  ، حفظه الله  ، بتواصله الشيِّق في نشر أجزاء أخرى من موسوعته النفيسة ( موسوعة العراق الجديد ) وقد اختار للجزء الرابع والستين عنوان( قراءات ) ، والتي ضمّت (42) مقالاً جديداً تطرّق فيه سماحته ببراعته المعهودة لأمور شتى  ، ينظمها الهمّ الإنساني أولاً ثم الهمّ العراقي  ، في نسيج أدبي ، ولغة واثقة، بين همسات المحبّ ، وزئير الغاضب  ، وأريحية العاشق ، وبصيرة الناصح الشفيق. وأنا حين أطالع هذه الكتابات  ، يغمرني شعورٌ أنّني أتنقّلُ بين أفياءٍ من البساتين المثمرة  ، مليئة بالثمر، مبهجة للنظر  ، لا تثقلك  فيها وعثاء السفر. يقول سيدنا العلّامة الصدر حول منطلقه الفكري :

(( إننا نواكب الأحداث والمستجدات في وطننا الحبيب منطلقين مِنْ حرصنا الشديد على شرف الإسهام بالتنوير والتذكير بوجوب الحفاظ على الثوابت العقائدية والوطنية والأخلاقية  )). تلك من أبجديات فكر سيدنا العلّامة الصدر حفظه الله .

ويقول: (( إن على العلماء والمفكرين والأدباء أن يكون لهم حضورهم الفاعل في ميدان الإنتصار للمواطنة الصالحة )) .

في هذا الجزء من الموسوعة تشدُّك الموضوعات التي لايمكن عبورها دون توقّف عندها ، وكم أتمنى أن أعرض لأكثرها ، فهي موضوعات لايمكن قراءتها والمرور عليها دون توقّف وتأمل  ، والنهج الذي يكتب فيه سيدنا العلّامة الصدر ، كما أوضحنا ذلك سابقاً ، هو مزيج نادر من الكتابات المتجذرة برصانة اللغة العربية ، مازجاً بلاغتها الناصعة بالحداثة العصرية وبأسلوب مازجاً بين لغة الأدب ولغة الحوزة الصارمة  ، مزجاً عبقرياً ، قد لايفكّ أسراره مَن ليس له دراية بالأساليب الأدبية الرفيعة.

ففي مقالته النفيسة  (( قراءات )) وهي التي أصبحت عنواناً لهذا الجزء من الموسوعة ، يتحدّث عن واقعة مشهورة في حياة الإمامين المعصومَيْن الحسن والحسين عليهما السلام حينما مَرّا  بشيخٍ يتوضأ ولكنه لم يكن يُحسن الوضوء  ، فهذا خبرٌ مع ملحقاته  ، ولكن كيف تكون القراءة لهذا الخبر؟

(( ما من خَبَرٍ أو نَصٍ إلاّ وتختلفُ فيه القراءات. واختلاف القراءات ناشيءٌ مِنْ تفاوتِ القُرّاء في قُدرتهم الذهنية ومقدار عمقهم في ثقافاتهم الدينية والأدبية  ، وطريقة فهمهم لطرائق التعايش السلمي بين الناس  )) .ثم يُورد سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، خمس قراءات لهذا النَصّ ، ويرشدنا إلى (( القراءة الواعية المتأملة ، ولا يريد أن تكون القراءة في الصفحة برجاء الخلاص منها بسرعة والانتقال إلى غيرها ، حيث يُحْرَمُ القارئُ مِن حزمةٍ كبيرة من الفوائد والعوائد  )) . وللشهادة حضورها في ضمير سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، وهو يستذكر استشهاد العلاّمة السيد مهدي الحكيم ، رحمه الله  ، ذلك أنّ (( الشهداء هم أحقّ الناس بالتكريم والتعظيم ذلك أنّهم جادوا بدمائهم وأرواحهم من أجل قضيتهم العادلة )).

ويذكر مزايا الشهيد السيد مهدي الحكيم  ، رضوان الله عليه :

(( كان أول الإسلاميين العراقيين انفتاحاً على القوى المعارِضة الأخرى .ومشروعه الإسلامي الوطني لإنقاذ العراق من براثن الطغيان والاستبداد هو الذي أقضّ مضاجع الدكتاتورية المقبورة وأعوانها  )) .

لقد ساهم سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، بالخُطَبِ وبالشعر في المظاهرات الاحتجاجية على إغتياله  ، (( ولو جُمعت الخُطب … لكانت كتاباً ضخماً  ، ولكنها كانت خُطَباً مرتجلة  )) .ولكن سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، جمع الشعرَ الذي كتبهُ  عن الشهيد مهدي الحكيم، وأصدر ديواناً خاصاً  ، فكان عنوانه (( هاكَ منّا دماءنا ياعراقُ )) وكان ذلك عام إغتياله( 1988م ) .في العام الفائت نشرتُ برقية الشهيد السيد محمد باقر الصدر  ، قدس الله نفسه الزكية، التي بعثها إلى الرئيس المصري أنور السادات  ، في يوم 1978/9/17 م   ، ويستذكر سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، هذه البرقية  ، فيقول:

(( فاقترحتُ على سماحته ( يعني الشهيد السيد محمد باقر الصدر ) أن أقوم بقراءتها يوم الجمعة وضمن خطبتي الجمعة في جامع التميمي في الكرادة الشرقية  ، وبالفعل قمتُ بقراءتها  .. )) . فهذا تأريخ جهادي في ظرف حسّاس يتولاه سيدنا العلامة الصدر حفظه الله. ويتطرّق سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، إلى وسائل الإتصال الحديثة ، خصوصاً (الفيس بوك) مع مافيه من المزايا الإيجابية  ، ولكنه لا يخلو من السلبيات  ، ولعلّ من أبرزها هو التخفّي تحت الأسماء المستعارة فيكتب ما يشاء دون حساب أو رقيب. (( تستطيع أن تكتب ما تشاء من الاتهامات الكاذبة والمزاعم الباطلة بحقّ مَن تناصبه العداء أو تُضْمِرُ له الكراهية  ، وقد أتاحت لك مواقع التواصل الإجتماعي الفرص الكبيرة في هذا المضمار  ، ولكن عليك أن لا تنسى أنك تكتب  ، والملائكة تسجل عليك ما تكتب وستقرأ يوم القيامة كل ذلك في كتابك )) ومشكلة التخفي وراء الأسماء المستعارة تتكاثر على الفيس بوك  ؛ (( وأنها لحماقة كبيرة أنْ يلجأ بعض بعض المتمرسين بالأكاذيب والافتراءات إلى الأسماء المستعارة ليُخفوا هوياتهم الحقيقية  ، ناسين أنّ الرقابة الإلهية محيطة بهم )) .ويولي سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، الصداقةَ إهتماماً خاصاً في حياته الشخصية وفي كتاباته النثرية والشعرية ، وهو دليل واضح وأكيد على كرم طباعه ، وأريحيته الإنسانية، وصدق مشاعره الفياضة إتجاه أصدقائه ومعارفه  ، واتجاه الإنسان بشكل عام  ، وأنا أراه يحملُ قلباً مفعماً بحبّ الإنسان، مادام ذلك الإنسان لايخرج عن إنسانيته  ، فإذا خرج عن إنسانيته فله ميزان آخر  ؛ (( إنّ الإنسان حين يعيش ملتزماً بأهداب الحق والفضيلة يفوقُ الملائكة قَدْراً )).

ماهي الصداقة عند سيدنا العلامة الصدر حفظه الله ؟ :

(( الصداقة مشروع إنساني واعد  ، ينفتح على عوالم فسيحة من الانسجام  ، والمسار المشترك المغموس بعبق الحب والمودّة  ، وعمق أواصر الصلة، والعلاقة الراسخة التي لاتهتز ولاتضطرب  ، وتسمو فوق كل الاعتبارات المادية والمصلحية… والصداقة عندي هي زينةُ العُمُر  ، فَمَنْ عاش وحيداً دون حُزْمةٍ مِنَ الأصدقاء افترستْهُ الكآبة  ، وفتكتْ به الوحشة المرّة  ، وأصبحت حياته يَبَساً لا اخضرار فيه )) .

ايجابيات وسلبيات

ولوسائل التواصل الإجتماعي إيجابيات ، كما لها سلبيات  ، ونحنُ دائماً ننظرُ إلى النصف المملوء  ، ولا يجذبنا النصف الفارغ :(( من إيجابيات وسائل التواصل الاجتماعي توفير فرص اللقاء بين العلماء والأدباء وعشاق الثقافة والمعرفة على صفحات معيّنة تجمعهم وتعكس ما تدبجه أقلامهم من أفكار وما تخرجه قرائحهم من أشعار  )) .

حب العراق

ولغة الحبّ عند سيدنا الصدر حفظه الله  ، تتصدّر كل كتاباته  ، فهو (( مفتون بحبّ العراق وحُبّ أهله الأطياب  الذين غمروا بِطيبتهم مَنْ يحلّ في بلادهم حدّ التغني باخـلاقياتهم ومناقبياتهم)) .

(( الحبُّ هو كلمة السرّ في إرساء أقوى الصِلات بيْنَ الزوجين ولاشيء يعدلُهُ أهميةً وقيمةً وآثاراً )) .

ويستشهد بذلك الحبّ الذي يُبديه الإمام الحسين عليه السلام لزوجته  :

(( هناك بيتان من الشعر منسوبان إلى سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين عليه السلام هما :

لَعَمْرُكَ إنّني لَأحبُّ داراً

                   حلُّ بها سكينةُ والربابُ

أُحِبُهما وأبذلُ جُلَّ مالي

                 وليسَ لِعاتبٍ عندي عِتابُ ويستبعد بعضهم أنْ يكون البيتان للإمام الحسين عليه السلام إذ كيفَ يُظهر الإمام(ع) حبَّهُ لزوجته على رؤوس الأشهاد ؟

إن الإمام(ع) هو قمة القمم في تجسيد القِيَم الإنسانية  ، فضلاً عن القِيَم الدينية  ، فلماذا نستبعد عليه أنْ يكشف لنا عما تمور به نفسه من مشاعر  ؟!  … وللمتزمتين أنْ يقولوا ما شاؤوا  )) . ولازال التواصل مع سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، من خلال كتاباته في الصحف أو على صفحة الفيس بوك التي ينثر فيها دُرَرَه الجميلة والمفيدة .. وأنا  _ عَلِمَ الله _ استمتع كثيراً بمتابعة كتابات سيدنا العلامة الصدر حفظه الله  ، فهي دروس في الحياة ، ومنهج في الأخلاق  ، في أعلى أساليب البلاغة العربية المعاصرة..

تلك شذرات من كتابه الصادر أخيراً ، وأظن  ، أن الذي يتواصل مع سيدنا العلامة الصدر حفظه الله، سوف لن يبتعد عنه ، بل سيكون له تلميذاً وفياً ، وأنا اتشرف بهذه التلمذة المباركة التي أسعدني بها الحظ، فأصبحت أحد المحبيّن لهذا الفرع من الدوحة العَلَوية المباركة..حفظه الله تعالى  ؛ وبارك له وفيه وعليه…