منهج حسام محي الدين الآلوسي تكاملي في الرؤية وحيادي مع النصوص
حسن مجيد العبيدي
في السيرة: ولد الفيلسوف حسام محيي الدين الآلوسي في مدينة تكريت عام 1934م، وتخرج في مدارسها ثم التحق في قسم الفلسفة جامعة بغداد عام 1952 وتخرج فيه عام 1956م. ثم شدَّ الرحال عام 1961م نحو المملكة المتحدة ليدرس الدكتوراه وليتخصص في الفلسفة الإسلامية، بأطروحة حملت عنوان مشكلة الخلق في الفلسفة الإسلامية وتحت إشراف المستشرق الألماني/ الانجليزي ارفن روزنثال، ولينال هذه الدرجة العلمية بامتياز عام 1966م، ولكن هذه الأطروحة ظلت حبيسة اللغة الانكليزية، على الرغم من طباعتها في بغداد بتلك اللغة عام 1968، ولم يشأ الفيلسوف الآلوسي ترجمتها بنفسه إلى العربية لأسباب عدة، كما كان يصرح بها دوماً، منها خوفه أن يتهم بتهم شتى من السلطات الفكرية والدينية والسياسية في زمانه، إلا أن تهيأ لها من ينقلها أخيراً إلى العربية، فكان ذلك بقلم الدكتورة باسمة جاسم خنجر، وبإشراف وتصحيح مباشر من الآلوسي، فصدرت بحلة قشيبة عن بيت الحكمة ببغداد.
وما بين كتابة هذه الأطروحة حتى يوم وفاته في السابع من تشرين الأول (اكتوبر) من عام 2013م،، أنتج الفيلسوف الآلوسي جملة من الكتب والمؤلفات والأبحاث، ناهيك عن مشاركات عدة في المحافل الدولية والعربية والعراقية، بأبحاث فلسفية معمقة، تركت صداها الطيب والعميق في الوسطين الثقافيين العراقي والعربي، فضلاً عن الإسلامي والعالمي، إذ لا يمكن لهذا المقال أن يحصيها جميعاً، ولكن سنورد عنوانات كتبه دون أبحاثه، خوف التطويل، هي: كتاب حوار بين الفلاسفة والمتكلمين، والذي صدر الجزء الأول منه فقط عام 1967، ولم يعقبه بثاني، بسبب انشغال الآلوسي بمشاريع بحثية وعلمية أخرى، ولو أتم هذا المشروع لكان فيه نقلة نوعية كبيرة في المعرفة الفلسفية العربية الإسلامية في واحدة من أعوض مشكلات هذه الفلسفة، ألا وهي مشكلة الوجود. وقد صدرت لهذا الكتاب طبعات أخرى في بيروت وبغداد. وكتاب من الميثولوجيا إلى الفلسفة، إذ صدرت لهذا الكتاب طبعة أولى في الكويت عام 1973، ثم صدرت لها طبعات أخرى في بيروت وبغداد. وكتاب الزمان في الفكر الديني والفلسفي القديم، صدرت لهذا الكتاب طبعة أولى في بيروت 1980، ثم أعيدت طبعته في بيروت مع إضافة فصل عن الزمان في فلسفة العلم. ويعد هذا الكتاب من أدق ما كتب عن فلسفة الزمان في اللغة العربية، لما احتواه من معالجات فلسفية وكلامية ولغوية لمشكلة الزمان من القديم وحتى اليوم، فهو مصدر غني بالمعلومات عن هذه الإشكالية الفلسفية العويصة، دخلها الآلوسي متسلحاً بسلاح المنهج التكاملي النقدي فأتى عليها شارحاً وناقداً ومعقباً ومثيراً للكثير من التساؤلات المعرفية حول هذا الموضوع. وكتاب دراسات في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، إذ صدرت لهذا الكتاب طبعة أولى في بيروت عام 1980، وتلتها طبعات أخرى في بغداد، ففي هذا الكتاب نجد مجموعة أبحاث جمعها ونسق بينها الآلوسي، مع مقدمة عن المنهج الأمثل على وفق رؤيته، الذي هو المنهج التكاملي، لدراسة الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، وقد خصصنا الفقرة التالية للحديث عن هذا المنهج لدى الآلوسي. وكتاب فلسفة الكندي، وآراء القدامى والمحدثين فيه، صدرت لهذا الكتاب طبعة وحيدة فريدة، عن دار الطليعة في بيروت عام 1985، ويعد هذا الكتاب من أوسع ما كتب عن فلسفة الكندي باللغة العربية وغيرها من اللغات الحية إلى اليوم، ولكنه لم ينل حظه من العناية والدراسة والنقد والتعريف به. وكتاب التطور والنسبية في الأخلاق، صدرت لهذا الكتاب طبعة فريدة ووحيدة عن دار الطليعة ببيروت عام 1989، وهو من الكتب المهمة جداً في مجالها، وقد نشره الفيلسوف الآلوسي وكان متردداً أن يصل إلى العراق خوفاً من أن يقع بأيدي الجهال فيتهم الآلوسي في عقيدته ودينه، إذ طرح في هذا وجهة نظر مغايرة جداً لما يشاع عن فلسفة الأخلاق والمنهج الأمثل لدراسته، فجلب في هذا الكتاب مواقف الفلاسفة المعاصرين حول مطلقية أو نسبية الأخلاق. وكتاب الفلسفة والإنسان، صدرت لهذا الكتاب طبعة خاصة عن مطابع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العراقية، عام 1990، ثم أعيد طبعه بعد إضافة فصول عدة له، وصدر عن بيت الحكمة ببغداد عام 2012م، تحت عنوان: الفلسفة، آفاقها ودورها في بناء الإنسان والحضارة. وكتاب الفلسفة اليونانية قبل أرسطو، صدرت لهذا الكتاب طبعة وحيدة عن مطابع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بغداد1990. وكتاب مدخل إلى الفلسفة، صدرت لهذا الكتاب طبعة وحيدة في بيروت عام 2005، وهذا الكتاب هو تطوير لكتاب مشترك صدر عن وزارة التربية العراقية، عام 2004، تحت عنوان: علم الاجتماع والفلسفة، للصف الخامس الأدبي. وهو من الكتب القيمة جداً لطالب الفلسفة ولمحبها والذي يهوى دراستها وقراءتها من غير التخصص. وكتاب حول العقل والعقلانية العربية، طبيعة ومستقبلاً وتناولاً، صدرت طبعته الأولى عن دار القدس في الأردن عام 2005، وهو من الكتب المهمة جداً في هذا الموضوع. وكتاب ابن رشد، دراسة نقدية، صدرت لهذا الكتب طبعة أولى في القاهرة عام 2005، وهي طبعة مملوءة بالأخطاء الطباعية والإملائية الفاحشة، فأثرت كثيراُ على وضع الكتاب، فاضطر الفيلسوف الآلوسي لإعادة طبعه مرة أخرى مع إضافة فصل جديد له، تحت عنوان: أزلية العالم ودور الإله عند ابن رشد، صدر عن المركز العلمي العراقي ببغداد عام 2010. وكتاب تقييم العقل العربي ودوره من خلال نقاده ومنتقديه، صدر لهذا الكتاب طبعة أولى في القاهرة عام 2007، ولكن الكتاب لم ينل حظه من النشر وتعريف القاري العربي به، فأعاد الفيلسوف الآلوسي طبع الكتاب تحت ذات العنوان، وصدر عن المركز العلمي العراقي ببغداد عام 2011. وكتاب الفن، البعد الثالث لفهم الإنسان، صدر هذا الكتاب عن بيت الحكمة ببغداد عام 2008، وهو من الكتب المهمة جداً في مجال تخصصها، ناهيك عن بيان شمولية التأليف في الفلسفة عند الفيلسوف الآلوسي في شتى مجالات المعرفة الفلسفية وحقولها وأقسامها. وكتاب في الحرية، مقاربات نظرية وتطبيقية، صدر لهذا الكتاب طبعة أولى بالتشارك بين بيت الحكمة البغدادي ودار النهضة العربية ببيروت عام 2010. وهذا الكتاب هو تطوير لمشاركات فلسفية للفيلسوف الآلوسي في محافل عربية فلسفية في هذا الموضوع، يتداخل فيه الفلسفي مع السياسي الراهن. وكتاب نقد المناهج المعاصرة لدراسة التراث الفلسفي العربي الإسلامي، صدر لهذا الكتاب طبعة أولى في بغداد عن المركز العلمي العراقي عام 2011م، وهو من الكتب المهمة جداً في مجال اختصاصها، إذ تناول الفيلسوف الآلوسي المناهج العربية المعاصرة في دراسة التراث، وهي منهج طيب تيزيني ومنهج محمد عابد الجابري، ومنهج جورج طرابيشي، ومنهج حسن حنفي، ثم عرج على دراسة الاستشراق القديم والجديد، وهي مجوعة أبحاث كتبها في مناسبات عدة ونشرها في مجلات علمية عراقية وعربية. كما وقام الآلوسي بتحقيق كتاب الأسرار الخفية في العلوم العقلية، للعلامة الحلي بالتشارك مع المرحوم الدكتور صالح مهدي الهاشم (ت2007م)، وصدر في بيروت 2005. وترجم كتاب التقويمان الهجري والميلادي عن الانجليزية، وطبع في بغداد عام 1968، وأعيد طبعه عام 1986.
وللآلوسي كتب أخرى ما زالت مخطوطة وتنتظر التحقيق والنشر، كتبها في أوقات متفاوتة، وكانت أمنيته رحمة الله عليه في حياته، أن يرى أعماله الكاملة منشورة ، ومن ضمنها هذه كتب خطها بيمينه، لذا أجد من الضروري أن انظر في هذه الكتب المخطوطة في محاولة لإعادة كتابتها وطباعتها، ونشرها كي تكتمل الصورة عن الفيلسوف الآلوسي الموسوعي المعرفة، فمن هذه الكتب المخطوطة، موسوعته في الفكر الفلسفي الإسلامي، الكلامي منه والفلسفي حتى ابن رشد، وتقع هذه الموسوعة في ثلاثة أجزاء كبرى، وكتاب بحوث نقدية على ضوء المنهج التكاملي، وكتاب مواجهات في فلسفة الوجود و المجتمع والأدب، وكتاب فلسفة التطور، وكتاب نظرية التطور.
جملة ابحاث
فضلاً عن هذه الكتب التي ذكرناها للفيلسوف الآلوسي، ترك لنا جملة أبحاث ومقالات صحفية في صحف عراقية، ومشاركات في مؤتمرات وندوات فلسفية عراقية وعربية، تتجاوز الثمانين بحثاً، أنجزها منذ بداية اشتغاله الأكاديمي في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، ونشر معظمها في مجلات عراقية وعربية عدة، بدءاً من عام 1967، وحتى وفاته. ولو لا خوف التطويل لذكرتها بأجمعها.
في المنهج: للآلوسي منهج فلسفي خاص به أطلق عليه الآلوسي نفسه تسمية المنهج التكاملي (التاريخي الجدلي)، حيث عرض لخطوط هذا المنهج وتطبيقاته في كتابه دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي، بيروت 1980، ومارس تطبيقه كذلك على بقية كتبه وأبحاثه، ولاسيما كتبه من الميثولوجيا إلى الفلسفة، وحوار بين الفلاسفة والمتكلمين، والزمان في الفكر الديني والفلسفي، وبحث الغزالي مشكلة وحل.
إذ يقوم هذا المنهج على جملة ضوابط، هي: إن التراث الفلسفي العربي الإسلامي يجب أن ينظر إليه من خلال العلاقات المتبادلة بين الطبقات (الفئات الاجتماعية)، فضلاً عن النظر في مستوى تطور العلوم، ولاسيما العلوم الطبيعية، في هذا المجتمع أم ذاك، مع الاهتمام بالتواصل الفلسفي والفكري، أو ما يسمى بالاحتياطي المتراكم من التصورات والمواد الفكرية، مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصائص القومية والوطنية للمجتمع.
وهذه الضوابط المنهجية بنظر الفيلسوف الآلوسي تعدّ أساسية في كل مجال من مجالات العلوم الإنسانية، فضلاً عن الفلسفة، لأن الفلسفة على وفق الآلوسي هي نظرة عن العالم، وهي نظام لأكثر المفاهيم شمولاً عن العالم، ولعلاقة الإنسان بهذا العالم، وتعبر عن الفئات والطبقات الاجتماعية المعينة، وهي شكل من أشكال الوعي الاجتماعي، ولذلك فإن مهمة التفكير الفلسفي عند الفيلسوف الآلوسي بحسب هذا المنهج ليست معرفة الآراء فقط، ولا رصد الظاهر فقط، بل ومعرفة الأسباب التي تجعل ظروفاً معينة تلد بالضرورة هذه الأفكار أو تلك الآراء. وذلك أن نمضي من الواقع إلى الأفكار لا من الأفكار إلى الواقع.
كما ويمتاز هذا المنهج عند الآلوسي أنه يهتم ويتهم بإظهار المواقف والنظرات من خلال أدائها الوظيفي في زمانها، أي عمن تُعبر، من خلال وقوفها مع حركات التقدم العلمي أو ضده، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن هذا المنهج لا ينبغي أن يُحمِل تلك الآراء والنظريات أكثر مما تحتمل. وفي الوقت عينه لا يهمل دراسة أي موضوع أو يتركه بحجة أنه قديم. ولا يقف عنده مشدوهاً مقدِّساً إياه بحجة أنه قديم، إنه يعد التراث السابق لعصرنا ظواهر ليس المهم معرفتها فقط، بل الأهم معرفة لماذا ظهرت، وكيف أثرت، ولماذا توقفت عن التأثير، ولذا فأن المنهج التكاملي لا يسخر من أي فكر أو عقيدة أو حل أو تقنية أو أسلوب حياة اعتقده الأقدمون أو مارسوه.
مما تقدم يظهر أن المنهج الفلسفي للآلوسي هو منهج شمولي كلياني ذو نظرة تكاملية، أي أنه يدرس نتاج الفيلسوف المدروس دراسة متأنية بمراعاة نموه وتطوره الفكري والروحي، فمثلاً إن تاريخ أي كتاب من كتب الفلاسفة لا يكفي لإعطاء صورة كافية عن الفيلسوف، بل لابد من معرفة أهداف الكتاب، ولمن كُتب، ومنهجه، أو تعليمي فقط، أم هو تعبير عن موقف الفيلسوف الداخلي الحقيقي.
ويقتضي هذا المنهج أن يكون موقفه محايداً من النصوص، مع أمانة في فهمها، وليس المقصود هنا بالحياد عدم الانحياز، بالمعنى الذي يَسِم المتعامل مع مسألة رياضية خالصة، بعدِّ أن الفلسفة متميزة بطابعها الانحيازي، بل أن الحياد هنا يعني الموضوعية في تاريخ الفلسفة في أحسن أحوالها وظروفها عند توفر أسباب هذه الموضوعية قدر الإمكان.
ويدافع الفيلسوف الآلوسي عن منهجه هذا، ويعده مفيداً للدرس الفلسفي بخلاف المناهج الأخرى التي قدمت من وجهة نظره قراءة قاصرة للتراث الفلسفي العربي الإسلامي، لأنها على وفق الآلوسي أخذت بجانب واحد فقط، وأهملت الجوانب الأخرى، وهذه المناهج القاصرة بنظر الفيلسوف الآلوسي هي المناهج المثالية والانتقائية والوضعية والبراغماتية الذرائعية وغيرها.























