منظومة النظائر والمناول الثقافية في مأوى الثعبان

فضّاح الناس والسلطة وسيلة للتوصل إلى المرافئ الروحية

منظومة النظائر والمناول الثقافية في مأوى الثعبان

 اسماعيل ابراهيم عبد

حميد المختار يختار فضائح الناس والسلطة ويتخذهما وسيلة للتوصل الى مرافيء روحية بين النفسي والجسدي .. في روايته ـ مأوى الثعبان ـ يمكن التدرج في فهمها على أساس وجود عقلية ثقافية موجهة ومصيّرة لمباغي جهد روائي يشيّد على أعقاب نظائر ومناول هيئت سلفا ..

سنتدرج على وفقها حسب :

أولا : التنظير /

نظرية الرواية الحديثة تعتد بالمأثور وقائله والنتائج المترتبة على فعل التدوين والعمل الإعلامي والاجتماعي والفني الرديف لذلك . ومن كل هذا سندرك ما

يمكن متابعته نقديا من الزوايا الفكرية نظرة وتكوّنا .

إن البنى الكبرى للعمل تعتمد في تشييد مظاهرها ومضامرها على مدى التوافق بين المنظومات العامة لحق الطبيعة والبشر بالوجــود الآمن السليم .

للتنظير الروائي في ـ مأوى الثعبان ـ برأينا ،  ثلاثة مهادات :

المهاد الاول (شخصية الكاتب) :

الشخص ،  الروائي ،  القائم بالفعل الكلي للتدوين ،  يقع في مواقع عدة ،  فاعل ،  بطل منحاز لنموذج معين من القيم ،  هذا المدوّن أخـــذ بالأشكال الآتية /

1ـ أبو طيرو الذي أخذ من صائغ التعاويذ شيئا ،  ومن تاريخ جدّه شيئا ،  ومن لعنات جدة زوجته شيئا ،  وأهم ما يرتبط به مع انتمائه هو عثوره على دفتر يحتوي طلاسم غيرقابلة للفك والتفكيك والتفكك والترميز ،  لها قدرة على التحول الى حروف وكلمات وقراءة نبوءات /

( أما الذي يعثر على هذا الدفتر فعليه أن يعيده الى صاحبه في اليوم نفسه والذي يجازف ويفك الرمز الاول فعليه أن يفك جميع الرموز فسيكشف له الحجاب ويرى الحيوات والمصائر ماثلة أمامه .                                    ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص26،  ص27 )

يحتوي الدفتر على ألغاز مصاغة على الشكل الآتي (هـ + هـ + هـ + هـ + هـ  = +   ط + ط ر+ ر = ج + ج + ج + ج = س ص

 ج + ج = هـ + هـ = ع + غ = س موت        ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص26 )

ما مهمة هذا الفاعل الراوي ،  المدون؟

له مهمّتان ،  أن يحمل أسار المدونة كلها في غيب لن توضحه الكلمات ولا الأفواه ولا كل حركات البشر ،  فهو يوحّد نص القص الروائي مع نص الغيب  الروحي بذوبان الأحرف مع كاتبها .

أما المهمة الثانية فهي التواصل النصي بالتتابع الزمني المأدلج حسب التتابع التأريخي للتغير السياسي .

2ـ الروائي سامر الذي إستصاغ لنفسه مهمة النقل دون إمعان كبير في الإنحياز ،  مهمته أن ينقل عن أبيه ،  عن جده ،  عن جد أبيه ،  ليصل الى المأثرة الآتية :

 (يكتب سامر في ـ دفتره الاسود الكبير : ماذا لو مات الوليد في تلك الليلة ؟ هل كانت ستحصل كل هذه المآسي ؟ وهل نكون نحن أفراد هذه العائلة الغابرة ؟ ليته مات وخلصنا من كل ما يتعلق بنا من عار الوجود ،  مطوّقين بمخاط الشيطان الذي شكل ذاكرتنا بيتا وعائلة وأما وأبا وجنونا مطبقا ….      ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص38]

المستنتج من هذا الدور هو التوصل المحايد للمباغي الثقافية للرواية ،  لكن الرواية بمجملها غير محايدة ،  المقطع أعلاه من النصوص الأقل حدّة لعقلية التقويض السياسي ..

ولعل قوّة الإبصار لدى الروائي (المدوّن) ليست سوى هجاء آخر لأصل وجود الشر في بلادنا وكل بلاد . بمعنى أن غجرية الشر ليست كغجرية طبقات القاع الاجتماعي ،  وهذه إشارة مهمة ،  نلفت النظر إليها من الناحية الثقافية ،  كإشتغال روائي .

إن (الغجرية) تعادل الحرية والجمال الفطري والعفوية القدرية والتلقائية ،  في المثيولوجيا العالمية والمحليّة ،  لكنها هنا تتعلق بفطرية عكسية لطبيعة سلوك بشري بإزاء الظواهر الاجتماعية ،  فالرواية إنحرفت بالقول لتجعله مرتحلا نحو عتمة السلوك الانساني حيث إستزلم النظام السياسي بإستغلاله ضعاف النفوس لأجل تقوية أركان نظامه وحفظ سطوته .

3ـ الدكتور زهير عبد العزيز ،  طبيب أمراض نفسية وعقلية ،  عليه وقع الجهد الأكبر للروي ،  إنه الروائي الحقيقي الذي كتب وحلل وتحمّل كل ما يتعلق بمدونته ،  على الرغم من معرفته بالموت الذي ينتظره ،  كما أنه كتب بهدوء ،  ودون التأثر بالأحداث المتسارعة والحالات المرضية والمزاجية للعليل بن طيرو ! مما يعني أن تخصصه العقلي وموقفه الانساني هما اللذان صاغا مدونته كأنه ضمير الطيبين ،  وصحوة المذنبين .. هوالشاهد على ما جرى والمتنبيء بكل ما سيجري ،  مهمته إذا أن يراقب الضمائر في سرّها وعلنها !

4ـ حميد المختار ،  كتب بصفته راويا ،  وباحثا عن التصوّف الروحي . كتب عن التاريخ المهمل لنسب العراقيين كونهم ـ في أصلهم ـ قبائل غجرية أو بدوية ،  كما تؤكده بعض الوثائق التأريخيةالإجتماعية ! كتب عن أسرار الغيبيّات الحروفيّة ،  كتب هذا كله بالإنابة ،  من وراء حجب يحرّك نوّابه ليقولوا ما يراه .

كتب مباشرة وبفعله ومقام وجوده من ص174 إلى ص184 مستعيرا وجها من وجوه سامر ،   خاصة ،  في التذييل الآتي /

( الآن وبعد أن إنتهيت من كتابة آخر سطر أشعر بأنني حر تماما ،  فقد أزحت ركام الأثقال من على ظهري ،  ها أنا بين أوراقي ودفاتري ماكث في مكمني ،  صامت ،  متوجس ،  أنتظر أمرا ما ،  ربما وقع الجزمات العسكرية على الأرض التي تئن تحت ثقلهم القادم من المجهول

تمت                                     24/8/2001

    سجن ابو غريب )

ماذا أراد حميد المختار من هذا ؟

 أرى أنه يهدف الى /

ـ أن يؤشر مصيره الشخصي شبه المحتوم في تلك الايام .

ـ وضع نهاية مرحلية لأحداث شخصية وتأريخية .

ـ التنبوءبإنهيار النظام السياسي لما قبل 2003

ـ إنهاء القص الروائي .

ـ مصاهرة الراوي بالرؤى الشخصيّة .

ـ تحقيق مسافة معقولة بين السرد والميتاسرد .

المهاد الثاني (وظائف إنجاز الخطاب)

لكل وظيفة شروط إنجاز تتعلق بطبيعتها ،  وشروط الإنجاز الروائي هي إقناعية القول ودرامية الحدث ،  ومن ثم يأتي التأويل والتواصل ومن بعد ستتصيّر الإنشائية الروائية لما بعد التداول لتحقق ثقافية الرواية مباغي إتصالها الانساني .

في لغة رواية مأوى الثعبان لحميد المختار،  لننظر النص التالي ونتحقق من فرصنا :

( كبر(طيرو)وفي دمه بذرة السحر والشرور ،  كان ضعيف البنية قليل الحركة جبانا حتى صار الاطفال يضربونه كل يوم فيأتي الى أُمه باكيا

، ولمّا أصرّعلى جبنه وتخاذله أخذ الأطفال يعبثون بمؤخرته بأيديهم ويسدون فتحة المخرج بالحجارة وهو يستغيث صارخا ،  وعلى هذا المنوال وصل تخوم مراهقته وأخذ يدخّن ويجلس مع شباب يكبرونه سنّا حتى إنتشرت شائعات عن سلوكه وإنحرافه الجنسي ،

وحين أُوغل في ذلك صار من الوجوه المعروفة في مجالس العبث والمجون .

ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص10 ]

أ ـ الأفعال /

كَبُرطيرو ـ صار الاطفال يضربونه ـ يأتي الى أمه باكيا ـ أخذ  الاطفال يعبثون بمؤخرته ـ يسدون فتحة المخرج بالحجارة ـ يستغيث صارخا ـ أخذ يدخّن ـ إنتشرت شائعات سلوكه وإنحرافه الجنسي .

ب ـ الوصف /

في دمه بذرة السحر ـ كان ضعيف البنية ـ قليل الحركة ـ جبان ـ متخاذل ـ مراهق ـ سيء السلوك .

ت ـ الزمن /

يمتد من كَبُر طيرو بعد الولادة الى وصوله تخوم مراهقته .

ث ـ المكان /

البيت ـ الحارة ـ أماكن العبـــث والمجون .

ج ـ التوليف /

التوليف أعلاه هو من شروط السرد التقليدي لكن الكاتب الروائي حاول أن يجعلها روائيةمحدّثة بالتضخيم بزيادة (حين ،  لمّا … الخ) وشحن الافعال بمعان متشظية مثل (يضربونه ،  يعبثون بمؤخرته ) ليصل الى أن الضرب والعبث هما ليسا أفعالا نمطية إنما هما مؤشران هامّان على سلوكه المستقبلي  سياسيا وإجتماعيا .

والسرد في هذاالتوليف يحدد ـ ضمنا ـ متجهات مباغي الروي .

ح ـ الصوغ التأويلي /

إنه يأخذ المعنى غير المباشر ومعنى المضمرات العمقية الأخرى ،  إنه عمل يتّبع وجود الإشارة والرمز والاستعارة وما لدى الروائي من إيجازات بلاغيّة ، ورواية مأوى الثعبان تتوفر ،  ككل رواية ،  على آلاف من هذه العلائم .

من هذا البث اللغوي تقام صياغة تؤهل الرواية لتأويلات متقدمة تنقل النص الى إنشائية تأولية جديدة تحمّل التداول جماليات وأفقا ثقافية متعلقة بالرواية لتكون منار عمل متعدد البلاغات .

خ ـ تصميم الروي /

  فيه يقوم الروائي المؤلف بإخضاع الشخوص لنماذج تصميمية يختبيء وراء إحداها ثم يبث رؤاه بعسر وسيولة نحو أركان الروي ومضمونه ،  لنرقب ما في النص القادم ولسوف نرى المؤلف لائذا وراء شخصية الأم لكونها تمثل التطهر الروحي الذي فوّض الرواية للوجود :

[ قبل أن تتجه الأم الى الباب المفتوح رمقت المرآة ثانية ورأت وجهها الذي تغضن قبل الأوان ،  ثم وقفت لثوان وكأنها لاحظت شيئا ما لكنها إنتبهت الى عفاف التي كانت تراقب ذلك ،  لمحتها بنظرة خاطفة وخرجت مسرعة من الباب الذي أغلق بقوّة معيدا للظلام سطوته مرّة ثانية . دخلت الأم الى غرفتها التي لن تخرج منها بعد ذلك أبدا لكنها ستترك جسدا أثيريا مرسوما على السجادة امام القِبلة .

 ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص82 ]

د ـ توازن المدونة /

هي عملية توزيع الافعال على فاعليها تلك التي تجعل الرقيب (الروائي) متماهيا مع الشخوص ،  بعدما يكون مثل باحث متجرد عن ميوله :

( خرجت عفاف من الشارع بسيّارة تسير بسرعة جنونية ،  كانت ترى الأشياء والمرئيات لأول مرة من دون أن تنبس بشيء . لم يلحظ الرجال العابسون شيئا من إندهاشهاوإنتعاشها بالنسيم الخريفي المنعش ،  كانوا على عجلة من أمرهم ،  لايضحكون أو يتكلمون ،  إنهم واجمون جامدون أشبه بالروبوتات .

وصلت السيّارة الى قصر منيف فخم وثمة الكثير من أفراد الحراسات الخاصّة يحملون الاسلحة الخفيفة .       ــ ماوى الثعبان ، ص88 )

في ما تقدّم تتساوى مساحة العرض المخصصة لكل من عفاف والرجال القادمين إليها والسيارة وأفراد الحراسات الخاصة والقصر المنيف .

ذ ـ روائية الثقافة /

هي تقنية ودلالة يتعاضد فيها الرواة والمؤلفون مع الحكماء والفلاسفة لإنتاج متن يعضّد المنطق الداخلي للمدونة ، يقرّه المسهمون كإعلان عن بوح أولي محايث لخارج النص ، في الحياة العالم والعلائق الكائنية في البيئة ،  جدواه الحقيقي يكمن في:

ـ التبئير النصي .

ـ الزخرفة البلاغية .

ـ الشيرزةالجملية .

ـ تشييد التواصلية .

ومن جانب آخر فهو :

ـ وصاية قرائية .

ـ قسرية فهم .

ـ زرع قيم لا تسويغ فني لها في الرواية.

ـ الخروج من جماليات النص الى مطلق تأويلي غير مبرر .

برأينا ،  مورست هذه (الثقافية) بطرفيها ،  الايجابي والسلبي ،  في الصفحات /

(5،  135 ،  146 ،  160 ،  174 ،  184) ..

لقد صُمّت الثقافية كمحتوى لتقول الآتي /

(انا حميد المختار ،  إخترتُ أن أموت لأجل كلمة الحق لإنسانيتي ،  وكلمة الله كخلود ،  أني وجدت خلودي في التحدي لقوى الظلام) .

وقد يكون القول المكمل الآخر هو /

 (هذه المدونة ليست رواية فقط ،  إنها أنا ،  أنا الذي سأُودِّع الارض شجاعا خالدا)

رـ جدلية الخطاب

اللغة بحرارتها والخطاب بمباغيه والصياغات ببلاغاتها وإبلاغاتها تؤدي الى جدلية نصية  ،  وهي هنا في الرواية ـ الخطاب ـ تدور في مضمون رئيس هو خطورة الحياة في الموت لننظر :

[ أطلب من قاريء الرواية أن يخفيها بعيدا عن العيون المسعورة لأزلام جسام طيرو المرعوبين وليكن على حذر دائما ،  إقرأ الرواية ثم تخلص منها وإلّا فأنا غير مسؤول

عمّا يحدث لك إن وجدوها في بيتك .                ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص184 ]  أجد النص المتقدم أعلاه صالحا لتمثيل العلائق الجدلية الآتية :

ـ المؤلف / يشارك بالموت / القاريء

ـ المؤلف / يشارك بالقاريء / الموت المدون

ـ المؤلف / يشارك بالموت / الحياة المأمولة

ـ النص / يشارك بالمؤلف / الموت

ـ النص / يشارك بالقاريء / الحياة

ـ القاريء / يشارك بالمؤلف / الموت

ـ القاريء / يشارك بالموت / الحياة

المهاد الثالث (فنيّة الشخوص والأحداث والرؤى)

هذا المستوى من التنظير يفترض وجود آليات ضابطة سلفا تبلور العمل على شكل منظومات نوعية منها /

1ـ إرتباط فعل الروي  بالهيكل والحكي والقص . النص الذي سننقل إليه إهتمامنا يحقق هدفنا هذا :

 ما أن دخل طيرو غرفته السابعة حتى دخلت أمه على زوجته التي تنتظر قدومها .

وسرعان ما خرجتا الى العرّافة العجوز التي قادتهما بدورها الى الساحر المندائي .

بعد أن إستمع الى ربيعة إتفقا على موعد قادم بشرط أن تأتي وحدها . وفي الموعد المحدد كانت ربيعة تضطجع عارية في سرير الساحر تنتظر معاينته بفارغ الصبر . دخل عليها وهو بكامل عريه فلم تستغرب الغجرية العتيدة ذلك وإستقبلت لمساته كما لو كانت مجسات طبيب مدرب على خلق الأدواء البشرية . في الغرفة السابعة إكتشفطيرو أنه في صالة للعمليات وثمة طاقم كامل من الأطباء والجرّاحين والممرضين بإنتظار قدومه . فجأة وجد نفسه على الحمّالة وإبر التخدير تنغرز في مؤخرته العارية. أغمظ عينيه وغط في نوم عميق .

حين دخلت ربيعة بيتها إستغربت تأخر زوجها ….. رن جرس الهاتف :

ـ ألو .. ببيت السيد طيرو

ـ نعم تفضلوا !

ـ نحن من المستشفى !!

ـ ماذا حدث لطيرو ؟

ـ وقع له حادث في الطريق أثناء هطول الأمطارفإنقلبت سيارته …

ــ رواية مأوى الثعبان ،  ص35 ،  36 ]

تتوحد رؤى الفعل الحدثي الأساسي بالفعل السردي المقابل على وفق :

أحداث التقابل //

 ما أن دخل طيرو غرفته السابعة حتى دخلت أمه على زوجته

/ بمقابل/

سرعان ما خرجتا الى العرّافة العجوز التي قادتهما الى الساحر المندائي .

المتقابلان تضخما بالأفعال الآتية (دخل ،  دخلت = خرجتا ،  قادتهما)

وتلك الأفعال الأربعة  تصيّر الحدثين السرديّين كنوع من البث اللغوي الذي يقوم بتثوير فعل القصد (الرؤى) ليصيغ الغاية النقيضة (الدخول بمقابل الخروج) ،  (الخروج بمقابل الإقتياد) .

فِعال الرؤى المتكاملة /

ــ في الغرفة السابعة إكتشفطيرو أنه في صالة العمليات ـ

 تكتمل في ـ

 حين دخلت ربيعة بيتها إستغربت تأخر زوجها .

ــ سمعت رنين جرس الهاتف ـ

تكتمل في ـ

وقع له حادث في الطريق .

فِعال الرؤى المتكاملة خمسة أفعال سردية تكمّل في ما بينها خمسة أحداث أساسية في النص ..

يلاحظ على هذه الافعال أنها ذاتها أفعال قواعدية وسردية وهو ما يعني كثافة لغوية خاصة .

بفهم آخر /

 تكون الأفعال متوالدة تبدأ بالدخول في الغرفة السابعة للبيت ،  ثم دخول الغرفة السابعة في المستشفى ،  ثم دخول البيت بغرفته السابعة ،  ثم الاتصال الهاتفي ،  الفعل الجامع للحدثين ….

إن الغرف جميعا هي حيوية مكانية لحدث واحد تم تسجيله بمدونة الروائي سامر جسّام طيرو ،  ذي الكتاب الأسود . بمعنى أنها أفعال حدثية لروٍ سردي ضمن قص  يشبه إعترافات الإدانة التي يدلي بها التائبون بعد سقوط الأنظمة السياسية المؤدلجة .

يلاحظ على النص وجود مؤهلات متضامنة قصدية منظِّمة وضابطة ،  ومحسوب حسابها سلفا ،  ومنها :

1ـ وجود زمن وحدث وهيكل في مضامين وظواهرالأفعال السردية ،  والزمن سيال يشكل عملية قطع لمساحة جغرافية محددة هي ،  مساحة الغرفة السابعة في (البيت والمشفى) ،  والفعل حركة دورانية للزمن .. إما هيكل القص فهو من النوع الفقير بأعمدته محصور في (حادث الطريق،  طيرو وربيعة ،  مكان البيت والمشفــى)

وهذه الثلاثية لا تفعل شيئا سوى أن تستعين بأداة واحدة فقط هي سماعة الهاتف ،  وهذا تخطيط باكر يتضامن مع الكثافة الروائية .

2ـ وحود خيط يشد ويوترويفتح الافق بين فواصل النظم ،  يمكن عدّه مسهما غير مباشر في تسويغ طريقة روي خاصة في الرواية ،  مثلما ذكرنا ذلك في موضع سابق من الدراسة .

3ـ تراتبية التجربة الفردية والعامة لموقف الآخرين من الفنانين وبالعكس حين تندمج القيم الثقافية والفنية لإبراز الوعي بحق الانسان بالحرية والكرامة والرفاه وإبداء الرأي والنقد البناء . تتطرق الرواية الى هذه القيم وغيرها من خلال الرابطة الزوجية المختلّة ،  فالزوجة من أصل غجري والزوج منحرف وكلاهما تعرّض لحالة إستشفاء ،  الزوجة بالعمل الجنسي والزوج يالتطبب السريري ،  ومن ثم سيختل الميزان الاسري كمقدمة للإختلال الاجتماعي فالمجتمع يقدّس العلاقة الزوجية بينما النص يطرح الشيء المعكوس ليقول بأن التربية هي العرف الذي ينتج كل خلل أو صلاح .

الفعل الفردي هنا يقرر المسافة بين التجربة الفردية والعامة بتراتب تعاقبي .

ثانيا : في التحليل /

 سنتطرق الى ظاهرة توافق  الروي والبيئة الشيئية في المروية /

أ ــ الروي وتحولاته

يبدأ الروي والسرد تصاعديا من الادنى الى الى الأعلى ،  من الأبسط الى الأعقد بدءا من ص7 إلى ص54 ،  وفيها تقع الأحداث الشخصية لجسّام طيرو وللمرحلة السياسية الرديفة لوجوده الحياتي .

ينكفيء الروي والسرد كذلك ،  تنازليا من أعلى قمة ـ صعود جسّام طيرو كمسؤول أمني ـ نحو أسفل درك حياتي ـ المرض النفسي ،  مرض الإنتقام لعقد النقص ،  وتسجيل الإعترافات  على شكل مروية للطبيب النفسي . تحفل بهذا الروي الصفحات من ص55 إلى ص134 .

يتحوّل السرد الى الروي التوازني في الفصل الثالث والرابع من ص135 إلى ص184 . وهو من طرائق السرد الطريفة فهو يعتمد على مذكرات سامر جسّام طيرو تارة ،  ثم يتشظى الى أحداث عديدة في مدونة الطبيب النفساني ،  ثم ينقلب نحو مدونة شبه شخصية للكاتب السجين الفعلي في معتقل ابو غريب ،  ثم يوشّح الروي للفصل الثالث بعناوين جانبية وأقوال إفتتاحية للفصل الرابع لأجل زيادة متعة القاريء حين يحاول إكتشاف الرابط بين المتن وعناوينه والمتن ومفتتحه  .

ب ـ البيئة الشيئية

من المحتمل شبه المؤكد وجود مسارين للشيئية،  خاصة وأن الإنسان (الفرد والقيمة )

مضمون بيئي ،  ومن هذ التأكيد يمكن الدخول الى العمل النصي بمساريه (الأدوات الحسية للطبيعة ،  الأدوات الحسية للإنسان ) وما يتيحه لنا صوغهما من إكمال لغوي روائي . لننظر اولا :

[ كنت أسير في سيارتي ،  كان الوقت ليلا والجو ملبد بالغيوم ،  ثم مطرت السماء مطرا كثيفا ،  رأيت أمامي السيارات وهي تتحطم متهاوية في أودية سحيقة ،  فجأة شعرت بخدر في يدي اليسرى وساقي اليمنى ،  بينما الزجاج الأمامي للسيارة يتفطر بالتدريج  كأنما صدمه  شيء صلب وسريع . ظل الألم يحاصرني ،  فجأة لمحت رجلا عجوزا يوميء لي ان أتوقف ،  لم يكن في نيتي الوقوف لكنني وقفت حالما  رأيته يلوح لي ويغطي رأسه بعباءة مبللة . كانت لحيته بيضاء كثّة رأيتها على ضوء مصابيح السيارة . بعد أن توقفت قال لي :

ـ أوصلني الى البيت يا بني .

ثم فتح باب السيارة الخلفي دافعا حقيبة سوداء أمامه ،  أغلق الباب وهو يمسح وجهه  من الماء الذي بلل لحيته البيضاء التي تحولت الى اللون الأخضر الداكن ،  نعـــــــم يا ربيعة ،  لقد رأيتها عن كثب ،  كانت خضراء داكنة . ــ مأوى الثعبان ، ص22 ،  23

النص يمتص عدة مضامين للشيئية ولعل الأشياء الأكثر حميمية هي المتعلقة بالإستعمال البشري ،  وفي النص ،  يؤخذ بالتصنيف الآتي /

أشياء الطبيعة هي (الوقت ،  الليل ،  الجو ،  الغيوم ،  المطر ،  السماء ،  الأودية ،  الماء)

*الأشياء المرتبطة بالأستعمال البشري هي (الزجاج ،  السيارة ،  العباءة ،  المصابيح ،  الباب ،  البيت ،  الحقيبة)

الأشياء البشرية المجسّدة هي (اليد ،  الساق ،  اللحية ،  الرأس ،  الوجه)

الأشياء الذوات هي (هو ،  طيرو ،  الرجل ،  ربيعة)

الأشياء المعنوية هي (الشيء ،  الألم ،  اللون)

المصادر المقاربة للشيئية هي (الكثافة ،  التحطم ،  التهاوي ،  التفطر ،  المحاصرة ،  الوقوف ،  الإخضرار)

تلكالأصناف الشيئية بتنوعها ترسم خارطة الوصف غير المباشر لثلاثة أو أربعة حركات للفاعل هي ،  حركة الفاعل الاول طيرو ،  والفاعل الثاني الرجل العجوز ،  والفاعل الثالث ربيعة . فالأشياء جزئيات متممة وحاصرة ومانحة للحدث فضاءه التكويني ،  وهذه الوظيفة الأداتية الرئيسة لها ،  ولها وظيفة أخرى ليست تكميلية فقط بل تتوسع الى دور البطولة ،  فالتنويع والتركيم الصوري للعلائق الفِعالية هي مبررات للفعل القادم الخاص بأداة واحدة هي الحقيبة السوداء التي تحول لونها الى اللون الأخضر الداكن. سأضع لتلك الأدوات منطقا  يبرر وجودها الحقيقي المضمر في النص ،  لهذا المنطق الوضعي عدة إتجاهات منها :

ـ لأشياء الطبيعة فعل الأسطرة .

ـ للأشياء البشرية المادية فعل الجس العقلي .

ـ لأشياء الإستعمال هدف تبرير وجود الحلم .

ـ لأشياء الذوات فعل الحاضنة التوليدية .

ـ للأشياء المعنوية فعل الإنعكاسالإجتماعي .

ـ  للمصادر فعل صنع الكيفيات الموسعة للتضافر النصي والبشري .

نرى أن الخليط المتسع المكثّف هذا له غرص  هو،  جعل الحقيبة بطلة لأحداث قادمة لما سيترتب عليها من تأويلات  من مثل /

الحقيبة محتوى لحقائق التأريخ .

 الحقيبة مدونة للأوهام .

 الحقيبة إحتياز لسجل الإضطهاد والتسلط  .

هذه الحقيبة ذات الشكل المتبدل ،  القاهرة ،  الملغزة ،  تستحيل بمضموراتها الى شيفرات لايمكن فكها إلّا بتكملة الرواية ،  هي حقيبة عجائبية  فيها من الغرائب بمثل ما في ظرفنا من غرائب لا يصدقها العقل لكنها تحدث يوميا .

ثالثا : في النقد /

من المهم تكرارالقول الشائع ،  أن كل فن لا يتدخل في موضوعة الهم البشري يشك في معقوليته ومقبوليته  ،  على هذا لايوجد فن دونما ثقافة فنية وإنسانية . هذا المبدأ خلق فهما متجددا للمعرفة الإنسانية  العلمية الكمية والمثيولوجيا الحديثة والمعرفية الحسية والذوقية  .

من ثم إنعكس على التأسيسات الإنسانية الفكرية من ثقافة وتقنيات ولوجست . صار بمقدور الفن والفنان التحدث عن متعة التحرر ،  ومتعة النفع ،  ومتعة التخطيط الإجتماعي المتعلق بإشاعة الحق البشري المطلق ـ دون التأثير على حقوق الآخرين ـ في العيش الآمن السعيد . وهذا صار قاعدة عامة تتبناها معضم الفنون والمعارف والمؤسسات  الإدارية بدءا بمنظمة الأمم المتحدة وإنتهاء بأصغر وحدة بشرية ،  الطفل ،  لأجل هذا فلن نجد بعد الآن ولعشرات السنين فنا غير منحاز للهم البشري المتعلق بحقوق طبقات القاع الإجتماعي . روية المختار ،  مأوى الثعبان ،  من ناحية النقد ،  بحسب درسنا هنا ،  هي رواية لإنشائية ما بعد التداول ،  كأنها مصمّمة لتوكيد نصية وثقافية الرواية . لقد حفلت بقيم إجتماعية ومعرفيةتساندت مع بعضها لترسخ المناول الآتية  :

أ ـ الجمالية /إحتمت الرواية بفخامة الجمل ،  وتنويع البث اللغوي والحفاظ على سردية الروي التتابعي للفصل الاول ،  والسرد المركب المتغير للفصول الأخرى .

 هي من الروايات التي يتكافل فيها الراوي مع المروية ،  مع المروي له ،  بطريقة تكاد أن تكون خالية من فبركات الميتاسرد ،  على الرغم من وجوده الخجول في نهاية الرواية .

ب ـ الآيدلوجيا /تنوعت الآيدلوجيا  في الرواية منها السياسية ومنها الدينية ومنها المثيولوجية ومنها الأسطرية،  وقولنا هذا لا يشكّل ركنا واحدا من الرواية بل هو جسد يتكامل بنموه من البدء حتى المنتهى ،  الرواية كلها مثالا لذلك .

ج ـ العُقُد الإجتماعية /أولها الروحانية متمثلة بالأحلام ذوات الدلائل الشعبية المحتفية بأقوال السحرة المشعوذين ،  ثم هناك عقدة الإنجاب ،  وعقدة الشرف ،  وعقدة الدونية وعقدة الإحتقار وغيرها  ،  هذه العقد أخذت مساحة مهمة في المضمر الروائي .

د ـ الطفولة / في هذا الإتجاه تتمظهر ،  متسيدة ،  طبيعة طريفة هي أن جميع عُقُد الإضطهاد والسيطرة والأذى تعود الى خلل التربية في سن الطفولة ،  وكأن كاتب الرؤى في الروي هومن متخصصي علم النفس البشري . الحق أن لهذامبررا فنيا واحدا هو :

( لولا وجود سرير الطبيب النفسي لما كان ممكنا تسجيل البوح هذا كله وبصورة مقنعة عقليا ) .

هـ ـ الجنس / يرتبط هذا المتجه بالعقل الشرقي الذي يربط فحولة الذكورة وفحولة السياسة وفحولة الإشباع بالإرتواء المتوحش من جسد المرأة المستباح !

و ـ الأبوية / هو المرض الملحق بالظواهر السياسية والظواهر الإجتماعية حيث يقتضي التقليد الإجتماعي بطاعة الأب مهما كان مستواه العقلي والسلوكي وبذات الشـــــكل سيــــــــطيع الشعب أباه القائد الضروة ،  الأب المعنوي للمجتمع كله ،  ويصل الأمر الى تشكيل دولة العائلة المتناسلة المتوارثة لرقاب الناس ومصائرهم وثروات البلاد .

الذي يحدث دائما ان يتسلط الأب ويقوم بجرائمه الأبوية كالقتل والتجويع والحروب وتبذيرالاموال والإفساد بشرف الناس و مسخ كرامتهم بموجب سلطة الأب المنحرف ،  الرواية إحتجاج صارخ على الأبوية هذه بصورة مباشرة وفي وقت التسلط ذاته .

ختاما / ليس اللوعة وحدها ما سنجده برواية مأوى الأفعى لحميد المختار ،  إنما المتعة والنفع والسياحة التذكرية لما حل بالبلد من ظلم وخطر ما يزال حاضرا حتى هذه اللحظة .

                                                     {رواية مأوى الثعبان ـ حميد المختار ـ دار ومكتبة عدنان ـ ط1 ـ بغداد ـ 2013