مصائب‭ ‬الدهر‭ ‬-محمد زكي ابراهيم

  ‬كنت‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬مصائب‭ ‬الدهر‭ ‬التي‭ ‬تبتلى‭ ‬بها‭ ‬الشعوب‭ ‬عادة،‭ ‬هي‭ ‬دروس‭ ‬بليغة،‭ ‬وتجارب‭ ‬عظيمة،‭ ‬هدفها‭ ‬إقناع‭ ‬الناس‭ ‬أن‭ ‬يسلكوا‭ ‬طريق‭ ‬الحق،‭ ‬ويتجنبوا‭ ‬السير‭ ‬في‭ ‬المزالق‭ ‬الوعرة‭!.‬

  ‬لكنني‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الحوادث‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬أدركت‭ ‬أنها‭  ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬للسواد‭ ‬الأعظم‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬سوى‭ ‬مشاهد‭ ‬عابرة‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬يطالها‭ ‬النسيان،‭ ‬وهمهمات‭ ‬عادية‭ ‬لا‭ ‬تلبث‭ ‬أن‭ ‬تمحوها‭ ‬الذاكرة‭.‬

ومثل‭ ‬هذه‭ ‬الحال‭ ‬دون‭ ‬ريب‭ ‬هي‭ ‬غاية‭ ‬ما‭ ‬يصاب‭ ‬به‭ ‬المرء‭ ‬من‭ ‬عقم،‭ ‬ومنتهى‭ ‬ما‭ ‬يؤول‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬بوار‭.‬

  ‬وقد‭ ‬ساقني‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الحديث‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬الفضاء‭ ‬الإعلامي‭ ‬هذه‭ ‬الأيام‭ ‬من‭ ‬همهمات‭ ‬حول‭ ‬تشريع‭ ‬قانون‭ ‬خدمة‭ ‬إلزامية‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬يعيد‭ ‬الشبان‭ ‬إلى‭ ‬المربع‭ ‬الذي‭ ‬غادروه‭ ‬بعيد‭ ‬عام‭ ‬2003‭.‬

وكان‭ ‬إلغاء‭ ‬هذه‭ ‬الخدمة‭ ‬من‭ ‬أعظم‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬لهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬إنجازات،‭ ‬وأفضل‭ ‬ما‭ ‬شرع‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬أجلهم‭ ‬من‭ ‬قوانين‭.‬

  ‬ومبعث‭ ‬الاستغراب‭ ‬أن‭ ‬الجيوش‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬شكلت‭ ‬تحت‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثينات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التجنيد‭ ‬الإلزامي،‭ ‬ولم‭ ‬يدر‭ ‬في‭ ‬خلد‭ ‬مؤسسيها‭ ‬أن‭ ‬تلجأ‭ ‬إليه،‭ ‬لكن‭ ‬عدم‭ ‬كفاية‭ ‬الموارد‭ ‬دفعت‭ ‬الحكومات‭ ‬للاستعانة‭ ‬بالعامة‭ ‬للانتظام‭ ‬المجاني‭ ‬في‭ ‬الجيش‭.‬

وانعقد‭ ‬الرأي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬الأسرة‭ ‬بدورها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭ ‬لدعم‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسة‭ ‬من‭ ‬دخلها‭ ‬الخاص،‭ ‬فكان‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬الأعباء‭ ‬التي‭ ‬نفرت‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬الدولة‭.‬

‭ ‬وقد‭ ‬أثبتت‭ ‬هذه‭ ‬الجيوش‭ ‬أنها‭ ‬ليست‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬بلدها‭ ‬أو‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬قضاياه‭ ‬فحسب،‭ ‬مثلما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬في‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬هذا‭ ‬القرن،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنهض‭ ‬بالمهمة‭ ‬دون‭ ‬الاستعانة‭ ‬بمتطوعين‭ ‬عقائديين،‭ ‬يدفعون‭ ‬عنها‭ ‬غائلة‭ ‬العدوان،‭ ‬حينما‭ ‬تحين‭ ‬ساعة‭ ‬الجد،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تحالفات‭ ‬دولية‭ ‬وإقليمية‭ ‬لأغراض‭ ‬سياسية‭ ‬واقتصادية‭.‬

  ‬هذه‭ ‬الجيوش‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬نافعة‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬ندر،‭ ‬وكانت‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬عبءً‭ ‬على‭ ‬بلدانها،‭ ‬وكثيراً‭ ‬ما‭ ‬انشغلت‭ ‬في‭ ‬انقلابات‭ ‬عسكرية‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬الحكم،‭ ‬وانخرطت‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬قمع‭ ‬وحشية‭ ‬ضد‭ ‬المعارضين،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬بوسعها‭ ‬أن‭ ‬تغالب‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬جعلتها‭ ‬ريشة‭ ‬في‭ ‬مهب‭ ‬الريح،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬امتلكته‭ ‬من‭ ‬معدات‭ ‬ثقيلة،‭ ‬لأن‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يفوق‭ ‬طاقتها‭ ‬بمراحل‭.‬

  ‬والواقع‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬حقيقتين‭ ‬اثنتين‭ ‬أفرزتهما‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬المؤلمة،‭ ‬أولاهما‭ ‬أن‭ ‬الكثافة‭ ‬البشرية‭ ‬العالية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬ذات‭ ‬نفع‭ ‬كبير،‭ ‬وأن‭ ‬دورها‭ ‬قد‭ ‬تضاءل‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس،‭ ‬حين‭ ‬يساق‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬إلى‭ ‬الخدمة‭ ‬قسراً،‭ ‬أو‭ ‬ينتسب‭ ‬إليها‭ ‬كسباً‭ ‬للعيش‭.‬

  ‬وثانيهما‭ ‬أن‭ ‬أدوات‭ ‬الحرب‭ ‬لم‭ ‬تبق‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬من‭ ‬بنادق‭ ‬آلية،‭ ‬أو‭ ‬حراب،‭ ‬أو‭ ‬مسدسات،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأسلحة‭ ‬الشخصية،‭ ‬مثلما‭ ‬أن‭ ‬المدفعية‭ ‬والدبابات‭ ‬والعربات‭ ‬باتت‭ ‬تثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الوحدة‭ ‬العسكرية‭. ‬ويضطر‭ ‬أصحابها‭ ‬إلى‭ ‬تركها‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬المعركة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تصاب‭ ‬في‭ ‬مقتل‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬أصبحت‭ ‬الحرب‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استيعاب‭ ‬الحقائق‭ ‬العلمية،‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتطورة،‭ ‬والمعلومات‭ ‬الاستخبارية،‭ ‬والرصد‭ ‬الجوي‭ ‬عبر‭ ‬الأقمار‭ ‬الصناعية،‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬كثير،‭ ‬ومن‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬الغلبة‭ ‬فعليه‭ ‬أن‭ ‬يتوصل‭ ‬إلى‭ ‬قدرات‭ ‬يجهلها‭ ‬الآخرون،‭ ‬ولا‭ ‬يحسبون‭ ‬لها‭ ‬حساباً‭.‬

  ‬ومن‭ ‬أعجب‭ ‬العجب‭ ‬أن‭ ‬يتجاهل‭ ‬أصحابنا‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬المعطيات،‭ ‬وسواها،‭ ‬ويروجون‭ ‬لأفكار‭ ‬أكل‭ ‬الدهر‭ ‬عليها‭ ‬وشرب،‭ ‬كالتجنيد‭ ‬الإجباري‭.‬

مثل‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يكشف‭ ‬عما‭ ‬جبل‭ ‬عليه‭ ‬القوم‭ ‬من‭ ‬الضحالة،‭ ‬واللامبالاة،‭ ‬وقلة‭ ‬التبصر‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬أظن‭ ‬إن‭ ‬المصير‭ ‬الذي‭ ‬ينتظرهم‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬ينتبهوا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬منزلق‭ ‬خطير،‭ ‬سوى‭ ‬التراجع‭ ‬والضعف،‭ ‬والوقوع‭ ‬في‭ ‬هزائم‭ ‬جديدة‭ ‬مذلة‭.‬