مرشحون كثر ورئاسة عصية
حسن حنفي
منذ أول يوم لفتح باب الترشيح للرئاسة تقاطر المرشحون على الباب، يقفون بالطوابير لاستلام استمارات الترشيح. وتقدم ما يزيد على أربعمائة وخمسين مرشحا للرئاسة في أول يوم. فما بال الأيام التالية؟ وقد تعجب الإعلام من ذلك. واستهجن الظاهرة. واستهزئ بالمرشحين، بلباسهم وهيئتهم ووظائفهم ومكانتهم وخبرتهم السياسية. وطالب بوضع قانون للحد من هذه الظاهرة احتراما للرئاسة كمؤسسة وللرئيس كرمز، ودليلا على جدية الانتخابات الرئاسية التي تتنافس عليها جميع القوى السياسية.
والظاهرة لا شأن لها بانتخابات الرئاسة أي ظاهرة موضوعية ولكنها ظاهرة نفسية خالصة. فالمواطن المصري العادي كان مهمشا طول حياته هو وأبوه وجده، وربما ابنه وحفيده في الستة عقود الأخيرة، ولا شأن له بالسياسة. لم يشارك في أية انتخابات سابقة. ويسمع أن نتائجها معروفة قبل إجرائها، فجأة سُمح له أن يرشح نفسه لانتخابات الرئاسة بعد أن أذهل العالم بمشاركته في انتخابات مجلسي الشعب والشورى. فلماذا لا يتكرر المشهد هذه المرة ليس لمنصب النائب بل لمنصب الرئيس نفسه؟ فيظهر في الإعلام الذي كان محتكرا من قبل على الطغمة السياسية أو على مشاهير الفنانين والفنانات. ولا يعرف من الشاشة البيضاء إلا الأفلام والمسلسلات. فالدافع الظهور الإعلامي، وحديث الصحافة عنه، وظهور صوره، وذكر اسمه ووظيفته وسؤاله عن أمنياته وبرامجه وتمنياته للشعب المصري.
لقد أزيح الستار عن التابو الذي نشأ في وعيه على مدى قرون السلطان ، القصر ، الرئيس ، الباب العالي ، بكل ما يحيط به من هالة التقديس. وضاعت الرهبة التي تحيط به وانكسر حاجز الخوف منه كما انكسر من قبل عند الثوار الذين أزاحوه. فهو أيضا يستطيع أن يكون رئيسا. وما كان أمنية مستحيلة التحقيق أصبح واقعا ممكن التحقيق. ينتقل من الهامش إلى القلب، ومن النفي إلى الإثبات، ومن الإهمال إلى الرعاية، ومن النسيان إلى الذكر، ومن هشه بالعصي إذا ما حاول الاقتراب إلى أن تحميه العصي إذا ما حاول أحد الاقتراب منه. تحول نفسيا من الذل إلى العظمة. أصبح آدميا كالآدميين، وبشرا مثل باقي البشر. فالرئاسة ليست حكرا على أحد. لا هي بالانقلاب العسكري، ولا هي بالتوريث العائلي بل هي حق مكتسب للجميع. هو أيضا يستطيع أن يكون رئيسا. لقد تم الاعتراف به كمواطن. صاحب حق وليس فقط عليه واجب. من حقه الاقتراب من الموكب الرئاسي وليس فقط الابتعاد عنه وهشه منه كما تهش الطيور، ويهرب منه كما تهرب القطط من الطريق العام إذا ما أحست بخطر داهم يقترب منها. يدوسها تحت عجلاته. ليس المقصود الرئاسة بل التحول من العدم إلى الوجود، والوجود أعظم من الرئاسة. الوجود حياة، والرئاسة وظيفة. الوجود دائم، والرئاسة مؤقتة. الوجود لا أحد ينقلب عليه إلا بالاغتيال. والرئاسة يسهل الانقلاب عليها بمن هو أقوى منها.
والبرامج المعلنة لمرشحي الرئاسة تعبر عن أماني كل مواطن وتحقيق ما حرم منه. يغلب عليها روح الدعابة، وهي روح مصرية أصيلة تتجلى في النكات على الرئيس وفي نكات الرئيس على نفسه. وما أكثرها. تعبر عن حالات نفسية أكثر مما تعبر عن برامج فعلية. منها منع أكل الفول لأن المرشح زهق منه. وهو طعامه من الميلاد وحتى الوفاة بأشكال عديدة الفول، والطعمية، والبصارة. ويعمم أكل اللحم المحرم عليه طيلة حياته. وهي رموز تعني إشباع الفقراء، والمساواة في توزيع الدخل القومي بطريقة عادلة بدلا مما يرى من التفاوت الشنيع بين الأغنياء والفقراء، بين التجمع الخامس والمدن الجديدة من ناحية والعشوائيات وسكان المقابر من ناحية أخرى. ومن البرامج، زواج كل شاب من أربعة نساء. وهو رد فعل على العجز على الزواج حتى من امرأة واحدة لصعوبة الحصول على سكن ومهر وتكاليف الزواج وأعباء الأسرة ومصاريف الأولاد. وهي رموز تعبر عن أزمة الإسكان والبطالة وارتفاع مستوى المعيشة وانخفاض الحد الأدنى للأجور.
ليس المقصود الرئاسة بل التحرر الذاتي من دوائر الممنوعات والمحرمات ابتداء من الشرطي في القسم مروروا بمدير الأمن ورجال المخابرات والمحافظ حتى الرئيس. لم تعد الدولة دائرة مغلقة تطرده خارجها باستمرار. بل استطاع النفاذ إليها، إلى دهاليزها وأنفاقها وسراديبها. يسمع عن الفساد فيها. واختبر الرشاوى من موظفيها عندما يأتيها ليقضي بعض حاجاته أو للموافقة على تصريح لبناء كشك سجائر أو خضار وفاكهة. المقصود هو التعبير عن هموم المواطن والشكوى العملية من وضعه الاجتماعي عن طريق الاقتراب من السلطان طبقا للقول المأثور إن الله لا يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن . والتعبير عن الآمال أول خطوة في تحقيقها في ثقافة تعتمد على الأقوال. فالحديث عن الشيء يعني تحقيقه. ينتقل المرشح للرئاسة من الحد الأدنى إلى الحد الأقصى طبقا لقانون الفعل ورد الفعل. من اللاشيء إلى كل شيء، ومن النجوع إلى القصور، ومن الغريب إلى صاحب الدار. ويقف المرشحون للرئاسة في طابور طويل لاستلام أوراق الترشيح. ولا غرابة في الطابور هذه المرة. فقد قضى حياته في طوابير الخبز والبوتاجاز والوقود، البنزين أو السولار، لسائقي التاكسيات والميكروباصات، وعلى أبواب الجمعيات الاستهلاكية لاستلام حقه في بطاقة التموين من السكر والزيت أو في شراء اللحم المستورد المدعم. طابور بطابور. وما ضير أن تزيد الطوابير واحدا يكون هو الطريق إلى الرئاسة التي قد تقضي على عذاب باقي الطوابير. ويقف كل المرشحين للرئاسة في الطابور في نظام وسلام، دون زحام أو خصام ودون سباق وعنف. مع أنه من الطبيعي وجود تنافس بين المرشحين، وزحزحة مرشح لآخر. يتعاطفون فيما بينهم. فالكل في الهم سواء. والكل يدفعه نفس الأمل. يتعاطفون مع بعضهم البعض فطالما تقاتلوا من أجل كيس لحم أو لفة خبز أو أنبوبة بوتاجاز. يحبون بعضهم بعضا كما أوصى المسيح أحبوا أعدائكم، وباركوا لأعنيكم . وكما قال الرسول إنما المؤمنون أخوة . فلا نزاع بين مسلمين وأقباط، ولا بين رجال ونساء. في الظاهر هم أكثر من أربعمائة وخمسين مرشحا منذ اليوم الأول. وفي الباطن كلهم مرشح واحد وصوت واحد، صوت الفقير، المغلوب على أمره الذي طواه النسيان. وفجأة استدعاه التاريخ كي يثبت نفسه ويأخذ حقه بيديه بدلا من أن تظل الرئاسة حكرا على غيره. فرصة العمر التي انتظرها. وفقد الأمل من قدومها.
لقد صهر البؤس الجميع ووحّد الأمل الكل. وتحققت المواطنة التي طالما دعا إليها المثقفون. وفي انتخابات سابقة أيام النظام السابق ومن أجل الإيحاء بالتعددية السياسية، وأن منصب الرئيس ليس حكرا على أحد، كان المرشح يستلم مع استمارة الترشيح كيسا من النقود به مليون جنيها مساعدة من الدولة في مصاريف الانتخابات. فكان المرشح سعيدا بهذا المال الذي لم ير مثله في حياته. هذه المرة التقدم للترشيح بالمجان، بل إن هناك سقفا لمصاريف الدعاية وضرورة الإعلان عن مصادر التمويل، وتجميع ثلاثين ألف مؤيد من خمس عشرة محافظة تتطلب منه الحركة، والتحول من السر إلى العلن، ومن الخفاء إلى الظهور، ومن الظلام إلى النور. يفكر المرشح في الحاضر لينسى الماضي ولا يهتم بالمستقبل، فالأعمار بيد الله، ولكل أجل كتاب. يريد فقط الاعتراف به قبل أن يموت حتى يموت راضيا مرضيا. فإن كان وطنه قد نساه فهو لم ينس وطنه. وإن كان الآخرون قد نسوه فهو لم ينس نفسه.
ظاهرة كثرة المرشحين للرئاسة بالرغم من سلبيتها موضوعيا إلا أنها إيجابية ذاتيا. فهي ظاهرة نفسية لإثبات الوجود. وهي ظاهرة وجودية لإثبات الذات. قد تتحول في يوم ما إلى ظاهرة سياسية بعد أن تشبع حاجات النفس، ويصارع المواطن من أجل حقوقه السياسية. وقد تتحول إلى ظاهرة اقتصادية عندما يطالب المواطن بالعدالة الاجتماعية وحقه المتساوي مع الآخرين في الدخل القومي. كلكم لآدم وآدم من تراب .
/4/2012 Issue 4178 – Date 19 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4178 التاريخ 19»4»2012
AZP07
























