أسطرة الدراما اليومية في يرحل العراقي
مخالب الأسلاك الشائعة والأخطاء الشائكة
كرم الأعرجي
الموصل
((هل يمكن لمكواة السلام
ان تعدل ايامنا
التي دعكتها الحرب ))
بهذا المفتتح النصي البارع في تصوير معاناة العراقيين الذين كانوا خاملين في التعبير عن ما ينتابهم من حسرة والم، تسحق ايامهم تحت مجنزرات الاحتلالات والحصار وما غاب عن الذاكرة من تاريخ قاس تندى له جباه حتى القساة من قادة تاريخ البشرية، ومن خلال هذه السمات جاس الشاعر ( احمد جارالله ) في مجموعته الشعرية (يرحل العراقي ) جبين هذه الارض وشعبها ليكتشف انه ليس الوحيد الذي يريد ان يكون للسلام سفر جميل في عيون العراقي الذي يرحل دائما، وبصبره الذي تجاوز حدود المعقول شاخ به الخذلان وتاه عقله في مدار مايجري من نزف يومي خانق بقوله في مقدمته الضاجة بالحزن والاسى : (يامعطف الصبر /كم خذلتنا زمنا اجسادنا هشة والروح.. )
ان محاولة الشاعر في طرح خيارات جديدة لأسطره وأرخنة كل شيء، الطبيعة والانسان ومن له حصة في الترتيب لمفاصل حياتية تكاد تكون سيناريوهات لأفلام اخرجها هو بشخصيته الشاهدة على هذه الدراما اليومية التي يعيشها الانسان العراقي الذي يتوق للرحيل دائما من هذا الجور الحاقد عليه من اطراف نزاعات السياسة والاطماع الاقليمية، فقصيدته ( يرحل العراقي ) التي ترجم من خلالها بالصورة ماوقع من حيف زمني مرتبط عبر موضوعة الجنون المستمر للحرب شاهد على ذلك :
(صامتا كرشفة اخيرة من شاي الظهيرة
تشيعه الشوارع والاشعار…
ومعهما ماتبقى من اصدقاء )
انه الالم الممعن بالذكرى والخوف، يحاول تحفيز نفسه بأنشودة عذّبته وجرّته نحو هذا الوضع المعيش مرددا (( من كل بيت وحارة وشارع)) ((مرة خلف العريف ومرة خلف الندم ))، التي ترتبط بالحروب العربية والحصارات، وما حاصره من ندم في سيرة هذه المفردات التي اهلكت العالم العربي من دون سلام..يتوجس بحذر وخوف من السياسة والاقتصاد وهزائم الحروب / ومايقلقه من وجع الامراض والموت البطيء الذي ينتظر الناس لذا طالت لحية ديونه، هذا الشاعر يشخصن الحياة بدقة العارف لما يحدث من ضياع يحدق بهذا العراقي ليقول :
(( العراقي
لايكلّف رحيله سوى لافتتين
الاولى سوداء
قرب اشارات المرور
والثانية بيضاء..))
اشارة نحو القبر،والصورة الشعرية الجميلة التي هيجت في اللحظة ذاكرته لما مضى من حروب،يستأنف قائلا :
((يلتف بها خجلا
حين تزرع امه قبلتها الاخيرة
في طين جبهته ))
ناذرة خلف رحيله خبز العباس لذهابه والمحظوظ من يعود، لذا يرحل العراقي :
((معطرا برفقة الغيم
نديا
كوردة في ثوب زفاف..))
ولاياتي..هذا لان الموت اصبح ( صديقا لعوائلنا ) قائلا : (( والبندقية زوجة اب والدبابات احضان امهات ) ).
هذه الارض تغرف الحروب من آبار العتمة لتعلمنا الكثير ولنذوب بمفرداتها من أسلحة الجوع،والأمل المخنوق، لنضّل طريق الحب والسلام وترتيب الامنيات، وبما ان الموت اصبح مشاعا للإنسان والطبيعة فانه يصف بحرقة ماتعلمه من اشباح سيرة الوطن مخاطبا :
((علمتنا الحرب ياابي
ان نحشر اعمارنا في اكفان انيقة
مطرزة بالأعلام ))
هذا الرفض المقيم بأحداقه يتشكل من جديد في عصر يبحث عن قشة يتمسك بها لأجل ان ينجو من لحظة الموت، وتتكرر المأساة حتى انه ملّ كل شيء منذ الحروب الاولى حتى الان، الا انه يريد الرحيل دائما، لكن المدى يضيق به باحثا عن منقذ حقيقي.، الشخصية،هو ، فضلا عن ان الشاعر هو، الشخصية / في الحرب، الشاعر في الحرب / كلاهما يحتاج الى اجازة خافرة تحت وطأة الانتظار، الشخصية / على الساتر، الشاعر على الساتر / تعود الشخصية / في اجازة، يقابله الشاعر قادما من اجازة، كلاهما في انتظار الفرج المنقذ. مشكلة الانتظار قائمة، لذا يذكرني الكاتب وبالمقلوب برواية ( صحراء التتار ) للكاتب الايطالي ( دينو بو تزاني ) والتي تتحدث عن ضابطين من الجيش احدهما احيل الى التقاعد برتبة ملازم والاخر استلم موقعه ليلتقيا في نقطة مرور بانتظار هجوم التتار، والتتار لم يأتوا حتى نهاية الرواية وفيها تفاصيل تشبه مايتفاءل به الشاعر والانا في الذات الواحدة، التي تنتظر منقذا ولا يأتي، لذا سيرحل العراقي…:
(( وها انا الان حتى الفجر
اركض وحيدا في الاحلام ) )
اما قصيدة ( رسالة اعتذار الى صديقي الحمار ) فهي مماحكة الذات بطريقة التشخيص الحداثي للشخصية في التشبيه تحت ضغط التجربة السيرية لهذا الحمار المهمش المسكون ابدا بطأطأة الراس للسلطة المهيمنة ايا كان نوعها :؟
(( لأنك طول سيرتك الذاتية كنت تحترق بصمت تحت جمر العصا..))
الأنا سلالة الانسحاق وهكذا دواليك..اما الحمار بصفته (( مع اننا لم نزل نجر عربات الحروب بدلا عنك، ونفتش في قمامة الحياة عن قشور ايامنا ))..فهذه محنة الذات في الذات..
انه فضاء الجمالية في هذا النص الذي احترفته الدهشة منسحبة نحو مرايا الفهم الدقيق لبنيته..تتجلى صوره من خلال التماهي، اما عن مزايا الحكي الشعري فيبدو انه يحاول الولوج في باطن انت لاتراه، ومع هذا ابدع في محاولة التعشيق بين الصورة وترجمتها.
(( فالقاطرات تؤدي دورك الان بنهيق الكتروني/ ولا تجيد التأمل مثلك ابدا / او التوقف تحت الشمس والمطر / صديقي لاتحزن / فكثير من الناس اليوم يؤدون دورك التاريخي ))
ستبقى تنهق خلف قطارات روحك ولا يتجدد فيك الامل.
وحتى نهاية القصيدة يفاجا فيها بزوال السعادة لكليهما في الحياة، يقصد ( هنا ) لذا يشد اقدامه للرحيل نحو فضاءات اخرى، كما يقول في تنظيره حول المهمش في الحياة ( المسكوت عنه في حياتنا اليومية ).
لان العذاب ينزل بغزارة فوق الارض والانسان بمعناه الطبيعي،فوق، الكفر، والايمان، الثري، والفقير، الورد، والبوم..ومواقع المعارك التاريخية والمعاصرة، فوق القنبلة والجمال..الشاعر، والحمار..
وكل هذا الدفق المقصود، من الأنسنة والشيئنة جاء على مزية واحدة تحت العذاب، لأن الصور المتكررة، تستفز الانسان وتقتل أمله لذا يرحل العراقي…
ويتحول الشعر الى فيديو كليب في قصيدة ( دحرجة ) التي تشاهد فيها شريطا سينمائيا لمخرج دقيق في تصوير فعل الحرب وما خلفته من أمنيات منتظرة لامرأة عاشقة لحبيب لم يعد، حتى تصلها المعركة فتذهب سدى.. وتتدحرج معها الاشياء..
(( بعد ذبول الحرب
ورقة صفراء..سقطت من تلك الشجرة
التي تقف فوق الرصيف منذ سنوات طويلة
الريح تقلّب الورقة مثل كرة فوق الرصيف
تصطدم الورقة بحذاء اسود
لامرأة تنتظر رجلا..
لكنه لم يأت ! ) )
وينتهي المشهد بدموع خضراء..هذا النص فيه حركة متواترة تجعلك تعيش سرية اللحظة في ذات الشجرة التي انسنها والورقة الحياة التي نشرها تحت حذاء انثى، وروح الانتظار في ذات المرأة سمات تحفر سمات بهذا الموقف على منصة الغياب..
هذه القصيدة لعبة ادراك مكثفة تجعلك تهيم بحزن مع احداثها..
وهذا ماينطبق على اغلب نصوصه الضاجة بالمغامرة والاكتشاف مثل : الجندي المجهول، حروق، ظلال، برنامج مدينة شرقية، نسخة من خطاب متكرر، وحتى قصيدة ( بيضة الوطن ) التي ينسج من خلالها موقفا مضادا من سيرته الشخصية وكيفية ادلاق التربية مرة واحدة من خلال الاسرة :
(( مرة التهمنا الطباشير كلّه
لنثبت له طاعتنا البيضاء ) )
ثم يقفز فيقول :
(( بين مخالب الاسلاك الشائعة
والاخطاء الشائكة ))
وبعد كل هذا الاتقان في فن حرف المفردات المعكوسة، يضيء لنا الشاعر بان الاخطاء في الحياة لم تكن شائعة لكنها شائكة، علمته مزايا الاحتلالات ذلك لان الأسلاك الشائكة اصبحت مشاعا في كل منفذ وباب:
(( مرة سالت ابي ما المجد ؟
فطلب مني ان اقرأ سيرة ابي زيد الهلالي..
لكنني فضلت مشاهدة وادي الذئاب !!))
الدخول الى المضامين التي تختزل ابعاد الدهاء السياسي اوغلت كثيرا في اعماق التاريخ واختزاله في نظرة مستقبلية هو يراها عن طريق سؤال يبدأ من الناقة : (ثمة حرب طاحنة جدا بين دولتين بسبب ناقة )..
وانتهاءا بمشاهدة وادي الذئاب الذي يفصل احداث المواقف السياسية المرسومة باتقان على ارضه وما يرونه بأبعاد احداقهم لمستقبل الشرق الاوسط..
وهكذا بقي يصفق ووالده والدجاج للسيناريوهات التي تلعب بأعصاب المشاهدين..:
( الاب الذي يعشق مراودة الحروب / لايفقه محنة الام /التي..أجبرها على ضخ مزيد من الابناء لتروي عشقه الحرام..)
فقد الشاعر صوته في بناء النص المتواصل في شرح الالم وهذا نتاج قفزاته في البعثرة لتكوين سلالة الحجج الشعرية، لذا بقي يراوح في المحن..
اما في مقطعاته : الجنرال بعيدا عن ساحة الحرب، ادمان، وفاء، خيوط، نشيد الشهداء، دلال..
فانها مراجيح حروب واقتصاد ودماء تنخر قلبه، لذا بقي يتفجر صورا لأجل ادلاقها بجمل لا تلمس فيها الا قليلا من الشعر.
وحتى مخطوطاته الانسانية التي تحول من خلالها الى ثورة يدعم بها كل من هو مهمش على خارطة الوطن والعالم باحثا عن الحرية الموصودة ابوابها، وهو سجين تحت وطأة الحصارات والحروب، ويستمر في ( طبخته التاريخية ) واصفا ما يحدث :
– من دون ملح –
((طبخة العراقيين تتكون مما يأتي :
ملعقة بحجم السماء من صبر ايوب
ندم بحج حوت
وقميص قد من الجهات كلها ))
وهذه الاحالات كلها مرتبطة بمرجعيات قرآنية ( صبر ايوب )، ( ندم يونس )، ( قميص يوسف ) عليهم السلام.
يبقى احمد جارالله مهموما، يخزن في صدره الرعود في علاقته مع واقع الحال الذي يعيشه الانسان في الوطن.لذا يقول :
((كورق ( الكلينكس) يمسح بنا الوطن لعابه بعد كل سندويتش حرب ))
وهذه تشبيهات غير متوقعة تستدرج الشعرية والصورة نحو الفهم العام. يبدو ان يأس الشاعر اكبر من الالم لذا يريد الذهاب الى اقرف مكان في العالم لأنه بالتأكيد سيكون مفتاحا للحياة، هذا لان الوجع ساخن مرتبط بالمكان المرعب، نحن نموت بطيئا وهذا باطن المآخذ التي حسمها الشاعر برحيله بسبب ال…؟؟؟
اذا غامرت في شرف مروم…..فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في امر صغير……كطعم الموت في امر عظيم
ايها الوجه الذي يقطر منه الندى والطيب، الاسود والابيض، الفرح والحزن وكل المتضادات الارضية.
انت فعلا شاعر يرسم ببصيرته موضوعا حساسا يخرج من جوف عميق ليفشي اسراره الخفية، نحن كمن يذهب نحو الجبل ليشاهد سيزيف وهو يداعب صخرته كل يوم بهذا الابتلاء المشروط بديمومة الحياة، ولما رآنا قال : ارجعوا ان ابتلائي اهون من ابتلائكم، هذا لأني ارى الصخور فوق ظهوركم جميعا وحاذروا ان لا تسقطوا والا لن تنهضوا ابدا :
(( من يمتلك حاسة الغيم لن يضيع ابدا
كفّ أمه
حتى لو كانت
تحت مترين من التراب ))
لطالما انت كتبت من الشعر مايذهل من خلال الاتكاء على هموم الاخرين يمكن ان تكون هذه السمات تجليا في سماء الادب.
وهكذا اصبح الحمار والشاعر كما شخصيات ( ديستوفيسكي ) حيث لايعرفون الفرح ابدا..سوى الفقر والعذاب والحرمان ولأجل هذا يرحل العراقي..
ولا ادري لماذا الانسان في بلداننا لايفهم الحياة على انها سلام…!!؟؟
{ يرحل العراقي : احمد جارالله ياسين، ط1، دار ابن الاثير للطباعة – الموصل، 2013.