محمد شفيق العاني
استذكار علم في القضاء العراقي
د. أكرم عبدالرزاق المشهداني
في التاسع والعشرين من آب عام 1971 غادرنا الى دار البقاء، أحد أعمدة القضاء في العراق، وهو العلامة محمد شفيق العاني بعد خدمة جليلة في مجال القضاء والفقه والقانون، استمرت منذ عام 1931 عام تخرجه من كلية الحقوق العراقية.
من هو محمد شفيق العاني؟
فضيلة القاضي الاستاذ محمد شفيق بن الحاج محمد شريف بن عبداللطيف العاني ولد في مدينة عانة غرب العراق بمحافظة الانبار عام 1907 وقيل 1908 ونشأ في بيت علم ودين. اذ كان والده الحاج شريف عبداللطيف عالماً فقيهاً من أفاضل رجالات العراق، اذ كان مُفتياً في مدينتي البوكمال وعانة، كما تسنم مناصب علمية ودينية. وقد ترك أثراً وخبراً يتداول في مجلسه العامر الذي كان يقيمه في بلدته، ثم في بغداد، يتناقل أخباره روّاده والمختلفون اليه من مختلف الطبقات والوجوه، حتى توفي رحمه الله سنة 1945. وترك عدة اولاد منهم العلامة الفقيه القاضي الأستاذ محمد شفيق العاني، الذي أحيا مآثر أبيه وأجداده، بفتح باب مجلس أبيه للروّاد والقاصدين من العلماء والوجهاء وطالبي العلم، فكان من أبرز مجالس الفضل والعلم والادب والقضاء في بغداد.
دراسته
درس اللغة العربية وتعلم القرآن عند أبيه، ثم قدم بغداد شاباً وقرأ على علماءها، وكان ذكياً نابغة، ودخل مدرسة الامام الأعظم، وأتم دراسته الثانوية. وبقي يواصل دراسته العلمية واللغوية على ايدي الشيوخ ومنهم عبدالوهاب النائب، ويوسف العطا، وقاسم القيسي، وعبدالمحسن الطائي، ونوري الشيرواني، ونعمان الأعظمي، وحمدي الأعظمي، ومنير القاضي، وطه الراوي، وعبد الملك الشواف، يرحمهم الله جميعا وغيرهم.
خدمته في القضاء
انتسب الى كلية الحقوق وتخرج منها بتفوق عام 1931م، ومارس المحاماة، ثم انتمى الى سلك القضاء وعين حاكماً قاضيّاً لمناطق عدة في العراق من سنة1933 حيث عيّن حاكماً في عام 1935م في مدينة القرنة، ثم نقل منها الى البصرة، ومنها الى مدينة النجف، ثم في مدينة كربلاء، ثم حاكما في مدينة الكاظمية. وحاكما بمحكمة بداءة بغداد، وكان حاكما نزيها عادلا قويا لذلك عين عضوا في مجلس التمييز الشرعي، ثم رئيسا للمجلس عام 1944م. ثم نقل مديراً عاما للاوقاف سنة1952.
استوزاره في وزارة الجمالي
ثم عين وزيرا للدولة في حكومة محمد فاضل الجمالي التي ألّفها في 17 ايلول 1953.
عودته للقضاء
وفي عام 1954م أعيد تعيينه عضوا في محكمة تمييز العراق، وفي عام 1958م عين نائبا لرئيس محكمة التمييز، وفي عام 1962م رقي الى رئيس محكمة التمييز، حتى أحيل الى التقاعد عام 1969م وفي عام 1963م أنتخب عضوا في المجمع العلمي العراقي وبقي فيه حتى وفاته.
وكان شفيق العاني محاضرا في كلية الشريعة بالأعظمية، وكذلك كلية الحقوق في بغداد، كما انتخب عام 1967 عضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية الذي مقرّه في القاهرة. وكان يحاضر في معهد الدراسات العربية العالية بالقاهرة.
مؤلفاته
ترك العلامة الراحل مؤلفات عديدة منها
اصول المرافعات والصكوك الشرعية 1950.
احكام الاوقاف في الفقه الاسلامي 1955.
مشروع القانون المدني العربي الموحد 1965.
حول توحيد المصطلحات القانونية في البلاد العربية 1966.
أحكام الأحوال الشخصية في العراق القاهرة 1970.
له مقالات نشرتها مجلات عصره، منها مقالة القضاء في الاسلام وأشهر قضاته ــ مجلة المجمع العراقي المجلد 20 سنة 1970.
وينقل مير بصري بكتابه اعلام الادب في العراق عن المرحوم القاضي ضياء شيت خطاب قوله في حقه كان الاستاذ محمد شفيق العاني حجة في اصول الفقه وكان قديرا في تفسير النص القانوني وكان مثالا للحاكم المصلح دقة في التفكير وحيادا في الرأي وعدالة في الحكم وعلم في الشريعة والقانون .. وقد أحيل الراحل التقاعد سنة1969.
صفاته يرحمه الله
كان رحمه الله واسع الثقافة، وبارعاً وفقيهاً وحسن السمت ومعروفا بالاخلاص في عمله، وله مؤلفات عديدة ومقالات كثيرة نشرت في الصحف والمجلات. أضافة الى نظمه للشعر حيث نظم قصيدة في شبابه عنوانها الفضيلة المكلومة . وقال فيها
اذا ما عم في الشعب البغاء… فقل يا شعب طوقك الشقاء
وقل حلت بموطنك الرزايا… وقد بدا التفسخ فالفنــاء
تراءت لي الفضيلة وهي تبكي…فقلت عـلام يغلبك البكــاء
فقالت قد أضاعتني شباب…. وأشياخ وعـادتني نسـاء
وها أنا من نبـال القوم صرعى… تضرجني لدى قومي الدمـاء
وأجمعت القوى منهـا وقالت… وقد ظهر التألم والعناء
أرى داء الرذيلة بأنتـشـار… وأخشى أن يطـول به البقاء
وذلك في الحقيقة شـر داء… عضـال لا يعالجه شـفاء
فلا مجد يرجى وهو باق… ولا لنهوضـكم يبقى رجـاء
و لا هـمـم الى العلـيـاء تسعى… ولا روح ولا يبـقى ابـاء
وهل يرجـى الابـاء الى نفوس… ضـعـاف قد تعهـدها البـغـاء
فان لم ترجـعوا نـحوي غـيارى… يـحـيق بكم ويا أسـفي البـلاء
وان لم تـقلعوا ذا الداء عنـكـم… على الأخـلاق والمـجـد العـفـاء
وفاته
توفي الاستاذ محمد شفيق العاني يوم الـ29 من شهر آب عام 1971 وشيع بموكب مهيب سار فيه العلماء والفضلاء ورجال القضاء وجموع غفيرة من محبيه والعارفين لفضله وعلمه وأدبه، وصليَّ عليه في جامع الامام الأعظم أبي حنيفة النعمان، ودفن في مقبرة الخيزران في الأعظمية قرب قبر عبدالغفور البدري صاحب جريدة الاستقلال.
وقد اقام له المجمع العلمي العراقي حفلا تأبينا بمناسبة الاربعين لوفاته تكلم فيه كل من الدكتور عبد الرزاق محي الدين والاستاذ ضياء شيت خطاب والاستاذ عبد الحميد كبه والقى الشاعر خالد الشواف قصيدة رائعة ذكرها شاعر بغداد واعظميتها المرحوم الاستاذ الخطاط وليد الاعظمي بكتابه تاريخ مدرسة الامام الاعظم جاء فيها
كان يقيم العدل في مجلس…ان عثر العدل بجلبابه
وكان اهل الرأي في مجمع….مفتقد جامعا اقطابه
وكان مهوى السمع في منتدى… يضمه مابين اصحابه
كما رثاه العلامة خاشع الراوي في ابيات منها
هو الموت كم ابكى….عيونا وكم أدمىَ
قلوباً فلم يرحم أباً كان أو أماً
ايا راحلا ابكى العلى برحيله
فاوهن منا حين بارحنا العزما
وبموته اغلق مجلسه….
ترجم له كثيرون منهم ابراهيم الدروبي في كتابه البغداديون ومعجم المؤلفين العراقيين ج3» 183 و مير بصري في اعلام الادب في العراق.
كتابه احكام الاحوال الشخصية في العراق ما زال يدرس في معهد الدراسات العربية بالقاهرة.
آثار الدمار بفعل الغارات الأمريكية على مقبرة الخيزران بالأعظمية.
المصادر
مير بصري اعلام الادب في العراق
خالد خلف داخل مقالة عن مجلس الراحل محمد شفيق العاني
وليد الأعظمي أعيان الزمان وجيران النعمان في مقبرة الخيزران مكتبة الرقيم ــ 2001م ــ صفحة 229ــ 230.
معجم المؤلفين العراقيين ــ بغداد ــ 3»183
/9/2012 Issue 4294 – Date 3 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4294 التاريخ 3»9»2012
AZP07
























