محمد حافظ رجب في مجموعته القصصية غرباء

محمد حافظ رجب في مجموعته القصصية غرباء
شفرات النص في الحياة اليومية
شوقى بدر يوسف
يلعب التشيؤ فى قصص المجموعة دورا فاعلا فى تأطير دلالة التحّول من منظور الاعتماد على الأِشياء، واستنطاق كنهها، وبلورة ما يكمن فى دلالتها من مفاتيح، وشفرات، تظهر فى سياق النص، إلى إبراز ما لدور هذه الأشياء الجامدة من حيوية خاصة يمكن الاعتماد عليها ومنحها أحيانا دور البطولة فى ترميز النص، والتعبير عن قضايا الواقع، وأزمة الإنسان وتأزم حياته، وهو ما احتفى به حافظ رجب فى نصوص مجموعة غرباء التى مهدت بعد ذلك فى المجموعات اللاحقة لها فى أنتقال سيميائية المعنى من الأشياء المجسدة للواقع المحسوس إلى سيريالية الشكل وتحرير الشكل الواقعى ليصبح شكلا جديدا يتحدث عن الواقع ويجسده ولكن من منظور ذائقة خاصة تحتوى على أبعاد متخيّلة تغلفها القضايا الإنسانية, وقد كانت مجموعة غرباء وقبلها المجموعة المشتركة عيش وملح بما تحتويه من قصص تحتفى بالمحسوس المادى والأشياء البصرية المحتوية على معنى لا تدركه الأبصار بقدر ما تدركه البصيرة، ولعل هذا المنحى مماثل لما جزم به سارتر فى إطار إحدى بحوثه النظرية بعنوان البصر قائلا هذه المرأة التى أراها قادمة نحوى، وهذا الرجل الذى يمر فى الطريق، وهذا المتسول الذى أستمع إليه يغنى عبر نافذتى.. يمثلون بالنسبة لى أشياء 8 هذه أشياء تتقاطع مع حياة الإنسان، وواقعه، وتتفاعل مع مجريات حياته، ولعل هذه الأشياء فى نصوص المجموعة جاءت لتؤكد بصيرة هذا الواقع الحاصلة فيه الأحداث فى مجمل ما تعطيه نصوص المجموعة من أحوال وقضايا، فالبيت اللعبة فى قصة خناقة يتهدم جراء بداية الشجار الحاصل بين الطفلتين نورة ، و كريمة وهو شجار أملته طبيعة العلاقة السنية بينهما، والذى توسعت بعده دائرة هذا الشجار ليشمل الأخوة ثم الأمهات حتى يصل الأمر إلى تشابك الأبوين العربجى و العسكرى .
إحساس غريب بالقوة
هذا البيت الذى أقامته الطفلتين هو بؤرة التشيؤ فى دلالة الواقع فى هذا النص وهو نفس الشئ الذى انتهت به القصة حين تجمعت الطفلتين لتبدءا معا اللعب من جديد وبناء نفس البيت مرة أخرى بعد أنفضت الخناقة وهدأت. وبعد أن فشلت الأسرتين فى بناء أواصر التجمع والحميمية بينهما بينما اجتمع شمل الأسرتين من خلال نورة وكريمة فى لعبة الأشياء بعيدا عن لعب الكبار، كذلك المدية التى يحملها الراوى مفتوحة فى جيبه فى قصة المدية ، كانت هى الشئ المحرك لهواجس الشخصية تجاه هذه الإشكالية التى ألمت بشقة فى بيت الأب، لقد كان الشئ المسيطر عليه من ممارسات والده حيال موضوع الساكن الغير مرغوب فيه هو رفضه لممارسات والده واصطدامه بالطوطم الرافض لهذا المنحى فى حياته لذا كان الحل فى هذه المدية المفتوحة والتى كانت تعطيه سطوة خاصة وإحساس غريب بالقوة الغير فاعلة، كذلك كان الدوسيه وهو الشئ الذى نسيه البطل فى قصة البطل والذى أعاده إلى مسكنه مرة أخرى ليرى بأم عينيه واقعة خيانة زوجته وبدأ تنامى الحادثة التى أوصلته إلى حالة من الخواء النفسى والذاتى مع أولاده بعد أن تفرق الناس وذهب كل منهم إلى بيته وبقى هو أسير حالة جديدة من الفراغ والخواء والضياع، كان هذا الدوسيه هو بؤرة التفاعل والمتسبب فى هذه الحالة من التشيؤ النفسى، كذلك كان كوب الشاى فى قصة المليونير هو الشئ المهجوس فى ذات شخصية هذا المليونير العجوز القادم من العاصمة بعد أن عرض نفسه على طبيب شاب وأجرى بعض صفقات كسب منها مئات الجنيهات دفع منها أجر الطبيب، وهو هنا عائد فى عربات الدرجة الثالثة من القطار، هاجسه فى ذلك غير معروف، وعلى الرغم من ثرائه الكبير هو يشعر بدونية خاصة لذا فإن حياته كلها مهمشة من الداخل ولكنها من الخارج تتيح له المال الكثير، كان كوب الشاى فى قطار الدرجة الثالثة هو الشئ المستحوذ على هواجسه فهو التسرية الوحيدة لهذه الطبقة الفقيرة العائشة حقيقة حياتها وظل المليونير يتلوى من الرغبة الحارة فى كوب من الشاى، ومن احجامه عن عدم تلبية رغبة نفسه.. وكرد فعل طبيعى شعر بالعطش يلهب حلقه، وبجفاف فى ريقه رغم أن الدنيا برد 9
وفى قصة الفارس يحضر شفيق أفندى موظف الأرشيف الاجتماع الدورى للعمل وهو يتأبط ذراع زوجته وبجانبه أبنه حمدى يتوكأ على عكازه، وخلفه أبنته سوسن تمسك بالقط مشمش قط الأسرة، وكان القط هو الشئ الذى بنى عليه شفيق أفندى خطته فى الحديث عن ديكتاتورية المدير، واتهامه الدائم له بالإهمال فى العمل. لقد حضر شفيق افندى الاجتماعى ومعه هويته كاملة، أسرته، والشئ الذى يعرف دائما أنه لا يتكلم ولا ينطق ولكن سطوته الحيوانية جديرة بأن ترد له هيبته وهويته الحقيقية. تحدث شفيق أفندى بعد أن كان فى كل اجتماع يسكت عن مضض، دافع عن نفسه، وكان الشئ الموظف فى هذا الموقف هو القط مشمش الذى كان فى نهاية الاجتماع هو سيد الموقف تلكأ مشمش قليلا وهو ينظر برهة فى عينى المدير الذى سرت رعشة فى جسده، ثم قفز من المائدة وسار فى خيلاء.. فالتقطته سوسن.. وأسرعت تلحق بباقى العائلة . 10 لقد لعب التشيؤ دورا مهما فى بلورة الأحداث فى قصص المجموعة من خلال توظيف الأشياء، واستخدام واقعية ومنطقية الحدث فى التعبير عن كنه القضايا الإنسانية التى أراد الكاتب تجسيد ملامحها واستنطاق المعنى فى نسيجها. لقد كانت الحقيبة التى دفع بها راكب القطار إلى هذا الرجل فى قصة شغلانة هى الشئ الذى ربما كان يبحث عنه فلم يجده إلا بدافع الصدفة، هو لا يستسلم لهذه الصدفة بمحض إرادته عندما يستسلم العقل للتعب.. وتخور قواه، وينقسم المخ إلى ألف جزء أو أكثر تتناثر فى ألف زقاق ودرب.. تتوه بين متاهاتها كل الأفكار والأحلام.. فى تلك اللحظة.. تتولى الأقدام القيادة على الفور.. سواء كانت أقداما حافية، أو تلبس أحذية.. أى نوع من الأحذية . 11 كذلك كان الجنيه فى قصة الجنيه هو محور التشيؤ وصلب الحدث الذى بنيت عليه هذه القصة، فهذا الاقتتال الذى تم بين العملاق والقزم حول الجنيه، اجرتهما من عمل يوم بأكمله هو صلب الحدث، وهو المشكّل لإشكالية الحياة والموت فى سبيل لقمة العيش.
ملامح السريالية
لقد كانت ملامح وظلال السيريالية عند حافظ رجب واضحة تماما فى مجموعات الكرة ورأس الرجل ، و مخلوقات براد الشاى المغلى ، وغيرها من النصوص القصصية التى ظهرت بعد صدور مجموعة غرباء من خلال الرؤية المعمقّة والمتوفذة فى تجربتها فى نصية القصص الواقعية التى تضمنتها مجموعة غرباء والمجموعة المشتركة التى سبقتها وهى مجموعة أكل عيش حيث سبق نشر قصتى البطل ، و الجنيه التى تضمنتها مجموعة غرباء فى تلك المختارات. فطبيعة النص الواقعى الذى نسجه حافظ رجب فى هذه المجموعة قد أملى عليه الاحتفاء بالتفاصيل النفسية البسيطة الموغلة فى ذاتيتها وفى تجسيد الواقع المهمش والمقعى فى سفح المجتمع من داخل الشخوص بجانب احتفائه ببعض تيمات من الموروث الشعبى المتناثر، وعلى الرغم من أن هذه المجموعة بواقعيتها قد حملت بذور التحول من خلال النظرة السيريالية فى جنبات رؤية الكاتب للسخرية السوداء التى حملتها قصص هذه المجموعة والتى بشرت بعد ذلك بحلول الغرائبى والعجائبى فى نسق وصيغة الكتابة فى مجموعتى الكرة ورأس الرجل ومخلوقات براد الشاى المغلى وقد استعان حافظ رجب فى تجديداته لصيغة القصة القصيرة بتجليات الرمز والسيريالية الحاملة فى طياتها ملامح السخرية السوداء التى يلتبس فى طياتها ملامح التمرد على الواقع وتعرية المجتمع والمغالاة فى ترميز ما يحيط بالإنسان فى حياته، لقد كانت هذه الصيغة تجعله ربما هاربا من واقعه مختبئا وراء كتاباته، فنحن فى الفن السيريالى كله نحس بنفحة الخرافة المحملة بمعانيها الخاصة تهب على وجوهنا، فى شوارع مدينتنا.
ملمح مشترك
على أن السيريالية مع ذلك كله بنت القرن العشرين بل هى إحدى المظاهر المميزة له فى تاريخ الفن. ومن ثم كان لا معدى أن تتسم بالمرارة التى تجرى فى شرايين هذا القن. ومن ثم نجد فيها ما يسمونه بالفكاهة السوداء. والفكاهة السوداء. فى السيريالية هى انفعال الانسان أمام أقداره، وسخريته منها فى الوقت نفسه، بحيث يؤكد حريته حيالها، فهو إذ يسخر منها كأنما يعلو عليها، بالرغم من وقوعه فعلا فى قبضتها 12 كما يكمن الحدث فى قصص المجموعة من خلال تيمات انتقاها الكاتب بدربة وحذق شديدين، لم يكن فيها ثمة غرابة تحول بين تجسيد الواقع وبين وضع الصيغة النصية للقصة فى حراك الغرائبية وعجائبية السرد، وإن كان هناك ملمحا مشتركا بينها جميعا وهو الاتكاء فيها على موقف الإنسان من داخل ذاته المطحونة والعائشة حقيقة أحوالها وأمرها فى الحياة فى مجتمع وبيئة لا ترحم، تملؤها التأزمات ويحيط بها طغيان القمع والقهر من كل مكان وهو ما وضح تماما فى استهلالات النصوص، ووصف ملامح البيئة الشعبية المستمدة منها أحداث النص. فخيانة الزوجة لزوجها فى تيمة قصة البطل وتقاطعات الرؤية عند الشخصيات المساعدة فى الحارة وهى تسير كالزفة فى الطريق إلى قسم البوليس والنتيجة التى آلت إليها شخصية البطل فى هذا النص، لقد حدد الكاتب فى استهلال هذا النص المكان والزمان والرؤية من خلال بعد وصفى كان كل شئ راكدا فى ذلك النهار.. فى حارة مكى بامبابة، الهواء قد استسلم فى اعياء.. فنامت نسماته.. والشمس راحت تتنفس فى صعوبة أنفاسا حارة.. ألخ 13 از وتيمة المشاجرة فى قصة خناقة التى حدثت بين أسرتين مهمشتين يعولهما عربجى وعسكرى كل منهما له تأزماته ومشاكله الخاصة، بدأت المشاجرة بالأطفال ثم انتهت بالكبار فى تقاطعات الرؤية بين عالم الصغار وعالم الكبار وشتان بين هذه التقاطعات، نفس الاستهلال الوصفى الممهد لأحوال الحدث كان القمر يبدو سعيدا ضاحكا فى تلك الليلة.. وهو يطل على حارة أخوان الصفا ببسمته الفاتنة وكأنه يهدى إلى الناس قبلة كبيرة 14 وتيمة البحث عن الحب فى مدلوله الطبيعى والرفض القاطع لدعارة الذات وعريها وعبثيتها فى قصة جداران ونصف . وتيمة هذا الإنسان الثرى ثراء فاحشا ومع ذلك يتملكه الإحساس بالدونية فيركب القطار بالدرجة الثالثة، ولكن المال يسعى إليها أينما كان وأينما وجد. وتيمة الغربة فى قصة غرباء من خلال شخصية أحمد حبيب القاطن فى حجرة وحيدة بالقاهرة، هو يعيش فى خواء دائم ومستمر يفد إليه معارفه من الإسكندية، فيشعر بنوع من الراحة النفسية، وحين ينصرفون عنه عائدين، يشعر بالغربة تطبق عليه حتى تكاد تزهق روحه، الإحساس بالغربة هو التيمة الرئيسية للقصة. وتيمة صراع الأجيال فى قصة المدية بين الأبن وأباه والاتكاء على الطوطم وموت الأب فى هذا النص ورفض الأبن لممارسات الأب واحتكامه إلى المدية فى كل تصرفاته الطائشة المتسرعة. وتيمة الموظف المطحون والمتهم دائما بالإهمال والتقصير فى عمله فى قصة الفارس ، بينما هو فى قرارة نفسه يشعر بالغبن والاهمال من خاصة زملائه وممن يعملون معه، أما أنا موظف الدرجة السابعة الذى دفعت ثمنها من دمى وشبابى وعمرى كله.. أتعرف ماذا أفعل؟ انى أقسم أنك لا تعرف شيئا عن طبيعة عملى رغم أنك تتهمنى بالتقصير فيه.. أنى أشرف على مكاتبات المصلحة، وأراقب، الخطابات الواردة، وأتوسل إلى الساعى الذى تخصصه لمشاويرك الخاصة لكى يذهب، بالبوستة إلى البريد.. أتوسل إليه لأنه بسببك أصبح يحس أنه أكبر من أن يحمل بوستة المصلحة . 15
لقد كانت ملامح التجديد فى فنية القصة القصيرة عند حافظ رجب مثار جدل كبير طال عالمه القصصى، وكانت مجموعة غرباء هى البداية الحقيقية لهذا التجديد أعقبها صدور مجموغاته المتوالية التى مثلت عالما من القص تجاوز فيه الكاتب زمن القصة القصيرة، ووضعها فى آفاق من الغرائبية والعجائبية مع جعل دائرة المعارف البريطانية تضعه فى مصاف الكتّاب المجددين والمحدثين فى هذا المجال الماكر المراوغ.
AZP09