مجلس‭ ‬ترامب‭ ‬أم‭ ‬مجلس‭ ‬أمريكا؟

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

حين‭ ‬سُئل‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬عن‭ ‬اعلان‭ ‬الرئيس‭ ‬الفرنسي‭ ‬ماكرون‭ ‬عدمه‭ ‬الانضمام‭ ‬لمجلس‭ ‬السلام،‭ ‬أجاب‭ ‬بعدم‭ ‬اكتراث‭ ‬مشيراً‭ ‬الى‭ ‬ناحية‭ ‬رئيسية‭ ‬واحدة‭ ‬وهي‭ ‬انّ‭ ‬ماكرون‭ ‬أمامه‭ ‬بضعة‭ ‬أشهر‭ ‬في‭ ‬المنصب‭ ‬وسوف‭ ‬تأتي‭ ‬الانتخابات‭ ‬الفرنسية‭ ‬ويغادر،‭ ‬لذلك‭ ‬ليس‭ ‬مُهماً‭ ‬أن‭ ‬يلتحق‭ ‬لفترة‭ ‬قصيرة‭ ‬بالمجلس‭. ‬في‭ ‬ايحاء‭ ‬قوي‭ ‬انّ‭ ‬المجلس‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ديمومة‭ ‬تتجاوز‭ ‬المناسباتية‭ ‬والظرفية‭ ‬الى‭ ‬الاستقرار‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬الزمن‭ ‬كحالة‭ ‬دولية‭.‬

‭ ‬وما‭ ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬يوم‭ ‬توقيع‭ ‬الميثاق‭ ‬التأسيسي‭ ‬لمجلس‭ ‬السلام،‭ ‬يؤكد‭ ‬انه‭ ‬منظمة‭ ‬دولية‭ ‬جديدة‭ ‬سيكون‭ ‬من‭ ‬أولى‭ ‬مهامها‭ ‬حل‭ ‬النزاعات‭ ‬الدولية‭. ‬وهذا‭ ‬الكلام‭ ‬يجعلها‭ ‬متشابهة‭ ‬جزئياً‭ ‬في‭ ‬اختصاصها‭ ‬مع‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬او‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬نفسه‭. ‬والمثير‭ ‬هو‭ ‬انّ‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬ينطلق‭ ‬نحو‭ ‬مشروعه‭ ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬المدمر،‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬شهد‭ ‬حرباً‭ ‬ضروساً‭ ‬مدة‭ ‬عامين‭ ‬انتهت‭ ‬بدماره‭ ‬الكامل،‭ ‬وشهد‭ ‬احتكاكات‭ ‬سامة‭ ‬الأجواء‭ ‬بين‭ ‬مصر‭ ‬التي‭ ‬تعد‭ ‬ذاتها‭ ‬بوابة‭ ‬القطاع‭ ‬الكبرى‭ ‬وإسرائيل‭ ‬التي‭ ‬حاصرت‭ ‬القطاع‭ ‬سنوات‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬له‭ ‬وجهة‭ ‬كبيرة‭ ‬للتعامل‭ ‬الا‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬قبل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭.‬

مجلس‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬زعماء‭ ‬مؤثرين،‭ ‬كانت‭ ‬غزة‭ ‬سببا‭ ‬مباشرا‭ ‬في‭ ‬انبثاقه،‭ ‬لكنه‭ ‬لن‭ ‬يتوقف‭ ‬عندها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬انجز‭ ‬مهمته‭ ‬فيها‭. ‬فهذا‭ ‬المجلس‭ ‬هو‭ ‬الواجهة‭ ‬العملية‭ ‬لخارطة‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد،‭ ‬تلك‭ ‬الخارطة‭ ‬التي‭ ‬فسّرها‭ ‬بعضهم‭ ‬واهما‭ ‬انها‭ ‬تعني‭ ‬خطوطا‭ ‬حدودية‭ ‬بين‭ ‬العواصم‭ ‬والبلدان‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬التقسيم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ورقة‭ ‬الأقليات،‭ ‬ليتم‭ ‬الاكتشاف‭ ‬لاحقاً‭ ‬انها‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وانّ‭ ‬الأقليات‭ ‬ذاتها‭ ‬انساقت‭ ‬نحو‭ ‬قراءة‭ ‬خاطئة‭ ‬وستدفع‭ ‬ثمن‭ ‬ذلك‭ ‬الخطأ‭ ‬في‭ ‬سوريا،‭ ‬وربّما‭ ‬ينسحب‭ ‬ذلك‭ ‬الأمر‭ ‬على‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬ما‭. ‬فالحدود‭ ‬الجديدة‭ ‬لخارطة‭ ‬المنطقة‭ ‬الساخنة‭ ‬الجديدة‭ ‬هي‭ ‬إعادة‭ ‬ملء‭ ‬فراغات،‭ ‬وتغيير‭ ‬مهمات‭. ‬وسبب‭ ‬وقوع‭ ‬أطراف‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الخطأ،‭ ‬هي‭ ‬انها‭ ‬راهنت‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تريده‭ ‬او‭ ‬تحبذه‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬تجاهل‭ ‬واضح‭ ‬للقراءة‭ ‬الامريكية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بتبديل‭ ‬الارادات‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬حقيقة‭ ‬مهمة‭ ‬هي‭ ‬ان‭ ‬وجود‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الرئاسة‭ ‬يختلف‭ ‬بنسب‭ ‬عديدة‭ ‬عن‭ ‬مجيء‭ ‬رئيس‭ ‬امريكي‭ ‬جديد‭ ‬بعده‭ ‬لاسيما‭ ‬اذا‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬حزبه‭.‬

وهناك‭ ‬حقيقة‭ ‬أخرى‭ ‬هي‭ ‬مدى‭ ‬نجاح‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬تجربة‭ ‬السلام‭ ‬بالمعنى‭ ‬السياسي‭ ‬والاستثماري‭ ‬لكي‭ ‬يغري‭ ‬من‭ ‬يأتي‭ ‬بعده‭ ‬بالسير‭ ‬في‭ ‬نفس‭ ‬المسار‭ ‬لأنه‭ ‬بات‭ ‬يمثل‭ ‬المصالح‭ ‬الامريكية‭ ‬العليا‭. ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬سينجح‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬انشغل‭ ‬بحرب‭ ‬أخرى‭ ‬مثلا؟

fatihabdulsalam@hotmail.com

رئيس‭ ‬التحرير‭-‬الطبعة‭ ‬الدولية