خبراء بيئة:الحاجة ملحّة لمواجهة انتشار البلاستيك

واشنطن‭ (‬الولايات‭ ‬المتحدة‭) (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أصبح‭ ‬البلاستيك‭ ‬جزءا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬الإنسان‭ ‬اليوميّة‭ ‬وآثاره‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حوله،‭ ‬من‭ ‬التربة‭ ‬والهواء‭ ‬وأغلفة‭ ‬المنتجات‭ ‬حتى‭ ‬براز‭ ‬الأطفال‭.‬

لكن‭ ‬واقعا‭ ‬كهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النحو،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬تقول‭ ‬جوديث‭ ‬إنك‭ ‬المسؤولة‭ ‬البيئية‭ ‬السابقة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬باراك‭ ‬أوباما‭ ‬والتي‭ ‬ألّفت‭ ‬أخيرا‭ ‬كتابا‭ ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الكارثة‭ ‬البيئية‭ ‬العالمية‭.‬

وتقول‭ ‬إنك‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬وكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬إنّ‭ “‬نصف‭ ‬كمية‭ ‬البلاستيك‭ ‬المُنتَجَة‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬كانت‭ ‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2007،‭ ‬السنة‭ ‬التي‭ ‬طُرح‭ ‬فيها‭ ‬هاتف‭ ‬آي‭ ‬فون‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭”.‬

وتضيف‭ “‬لدينا‭ ‬فرصة‭ ‬فعلية‭ ‬للحدّ‭ ‬من‭ ‬استخدام‭ ‬البلاستيك‭ ‬لأنّ‭ ‬ذلك‭ ‬يشكل‭ ‬قضية‭ ‬معاصرة‭ ‬جدا‭”.‬

تتحدث‭ ‬إنك‭ ‬عن‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬يفرضها‭ ‬الرئيس‭ ‬الأميركي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬الذي‭ ‬تصفه‭ ‬بأنه‭ “‬معاد‭ ‬للبيئة‭ ‬بشكل‭ ‬متطرف‭”.‬

في‭ ‬العام‭ ‬الفائت،‭ ‬ساهمت‭ ‬إدارته‭ ‬في‭ ‬إفشال‭ ‬معاهدة‭ ‬عالمية‭ ‬بشأن‭ ‬البلاستيك،‭ ‬وألغت‭ ‬قرارا‭ ‬بوقف‭ ‬استخدام‭ ‬البلاستيك‭ ‬ذي‭ ‬الاستعمال‭ ‬الواحد‭ ‬في‭ ‬المتنزهات‭ ‬الوطنية‭.‬

لكنّها‭ ‬ترى‭ ‬أنّ‭ ‬الزخم‭ ‬يتصاعد‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الإقليمي‭ ‬والمحلي،‭ ‬مشيدة‭ ‬مثلا‭ ‬بقانون‭ “‬تجنب‭ ‬البلاستيك‭” (‬Skip‭ ‬the‭ ‬Stuff‭) ‬الذي‭ ‬أُقرّ‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬نيوجيرسي‭ ‬والذي‭ ‬يُلزم‭ ‬المطاعم‭ ‬بتقديم‭ ‬أدوات‭ ‬مائدة‭ ‬ذات‭ ‬استخدام‭ ‬واحد‭ ‬عند‭ ‬الطلب‭ ‬فقط،‭ ‬وهو‭ ‬إجراء‭ ‬أثبت‭ ‬فعاليته‭ ‬في‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬النفايات‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭.‬

يتناول‭ ‬كتاب‭ ‬إنك‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬عنوان‭ “‬مشكلة‭ ‬البلاستيك‭” (‬The‭ ‬Problem‭ ‬with‭ ‬Plastics‭) ‬تاريخ‭ ‬هذه‭ ‬المادة،‭ ‬من‭ ‬بداياتها‭ ‬عام‭ ‬1909‭ ‬عندما‭ ‬اخترع‭ ‬الكيميائي‭ ‬البلجيكي‭ ‬ليو‭ ‬بايكلاند‭ ‬الباكليت،‭ ‬مرورا‭ ‬بإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬البلاستيك‭ “‬الوهمية‭” ‬التي‭ ‬روّجت‭ ‬لها‭ ‬الصناعة‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭.‬

وتقول‭ ‬إنك‭ ‬إنّ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الأزمة‭ ‬قد‭ ‬أُلقيت‭ ‬بشكل‭ ‬منهجي‭ ‬على‭ ‬عاتق‭ ‬المستهلكين،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬إنتاج‭ ‬البلاستيك‭.‬

وتضيف‭ “‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬لا‭ ‬يُعاد‭ ‬تدوير‭ ‬سوى‭ ‬5‭ ‬إلى‭ ‬6‭ ‬%‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬فعليا‭”. ‬وعلى‭ ‬عكس‭ ‬المعادن‭ ‬والورق‭ ‬والزجاج،‭ ‬يتكوّن‭ ‬البلاستيك‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬من‭ ‬آلاف‭ ‬الأنواع‭ ‬المختلفة،‭ ‬أو‭ ‬البوليمرات،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬إعادة‭ ‬التدوير‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع‭ ‬غير‭ ‬مجدية‭ ‬اقتصاديا‭.‬

وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬الحملات‭ ‬الإعلانية‭ ‬المبكرة‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬مصطلحات‭ ‬مثل‭ “‬مُلقي‭ ‬النفايات‭”‬،‭ ‬بينما‭ ‬تحوّل‭ ‬التركيز‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ “‬إعادة‭ ‬التدوير‭ ‬الكيميائية‭”‬،‭ ‬التي‭ ‬تروج‭ ‬لها‭ ‬الصناعة‭ ‬كوسيلة‭ ‬لتفكيك‭ ‬البلاستيك‭ ‬إلى‭ ‬مكوناته‭ ‬الأساسية‭.‬

لكن‭ ‬بالتدقيق‭ ‬أكثر،‭ ‬يتّضح‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬أيضا‭ ‬هو‭ “‬حل‭ ‬وهمي‭”. ‬وتقول‭ ‬إنك‭ ‬إنّ‭ ‬تقريرا‭ ‬لمنظمة‭ “‬بيوند‭ ‬بلاستيكس‭” ‬غير‭ ‬الربحية‭ ‬التي‭ ‬ترأسها،‭ ‬بيّن‭ ‬أنّ‭ ‬11‭ ‬منشأة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬تعالج‭ ‬نحو‭ ‬1%‭ ‬من‭ ‬النفايات‭ ‬البلاستيكية‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وقد‭ ‬أُغلقت‭ ‬ثلاث‭ ‬منها‭.‬

يدخل‭ ‬نحو‭ ‬33‭ ‬مليار‭ ‬رطل‭ ‬من‭ ‬البلاستيك‭ ‬إلى‭ ‬المحيطات‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ “‬أي‭ ‬ما‭ ‬يعادل‭ ‬إلقاء‭ ‬شاحنتين‭ ‬كبيرتين‭ ‬من‭ ‬القمامة‭ ‬محمّلتين‭ ‬بالبلاستيك‭ ‬في‭ ‬المحيط‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭”.‬

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتسبب‭ ‬الجزيئات‭ ‬البلاستيكية‭ ‬الدقيقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الجزيئات‭ ‬النانوية‭ ‬الفائقة‭ ‬الصغر،‭ ‬في‭ ‬نفوق‭ ‬الكائنات‭ ‬البحرية‭ ‬أو‭ ‬إصابتها‭ ‬بأمراض‭ ‬خطرة‭ ‬قبل‭ ‬دخولها‭ ‬السلسلة‭ ‬الغذائية،‭ ‬لتنتهي‭ ‬على‭ ‬موائدنا‭.‬

لا‭ ‬تزال‭ ‬الأبحاث‭ ‬جارية‭ ‬بشأن‭ ‬تأثير‭ ‬البلاستيك‭ ‬على‭ ‬الصحة،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أنّ‭ ‬بعض‭ ‬النتائج‭ ‬موضع‭ ‬جدل‭. ‬لكن‭ ‬دراسة‭ ‬أجريت‭ ‬عام‭ ‬2024‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬لديهم‭ ‬جزيئات‭ ‬بلاستيكية‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬شرايين‭ ‬قلوبهم‭ ‬يواجهون‭ ‬خطرا‭ ‬متزايدا‭ ‬للإصابة‭ ‬بالنوبات‭ ‬القلبية‭ ‬والسكتات‭ ‬الدماغية‭ ‬والوفاة‭ ‬المبكرة‭.‬

يعاني‭ ‬سكان‭ ‬المناطق‭ ‬المحيطة‭ ‬بالصناعة‭ ‬البتروكيماوية‭ ‬المتنامية‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬الانبعاثات‭ ‬السامة،‭ ‬ويبرز‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ “‬ممر‭ ‬السرطان‭” ‬بلويزيانا،‭ ‬حيث‭ ‬تتجاوز‭ ‬معدلات‭ ‬الإصابة‭ ‬بالسرطان‭ ‬سبع‭ ‬مرات‭ ‬المتوسط‭ ‬الوطني‭.‬

وتقول‭ ‬إنك‭ “‬إنّ‭ ‬رمزنا‭ ‬البريدي‭ ‬يحدد‭ ‬صحتنا،‭ ‬وبالتالي‭ ‬يُشكّل‭ ‬البلاستيك‭ ‬قضية‭ ‬رئيسية‭ ‬للعدالة‭ ‬البيئية،‭ ‬لأن‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬البشرة‭ ‬الملونة‭ ‬ومجتمعات‭ ‬منخفضة‭ ‬الدخل‭”.‬

تضيف‭ ‬إن‭ ‬الارتفاع‭ ‬الأخير‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬البلاستيك‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ “‬وفرة‭” ‬الغازات‭ ‬المتولدة‭ ‬منذ‭ ‬منتصف‭ ‬العقد‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬الألفية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬صناعة‭ ‬التكسير‭ ‬الهيدروليكي،‭ ‬التي‭ ‬سعت‭ ‬الى‭ ‬إيجاد‭ ‬أسواق‭ ‬جديدة‭ ‬لمنتجاتها،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬مساهمتها‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬فقدان‭ ‬الأمل،‭ ‬لكنّ‭ ‬إنك‭ ‬تؤكد‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يفت‭ ‬الأوان‭ ‬بعد‭ ‬لإحداث‭ ‬تغيير،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬مزدوجة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬العمل‭ ‬الفردي‭ ‬والضغط‭ ‬الجماعي‭. ‬يتضمّن‭ ‬كتابها‭ ‬نصائح‭ ‬كثيرة‭ ‬حول‭ ‬كيفية‭ ‬التنظيم،‭ ‬والتأثير‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬المحلية،‭ ‬ودعم‭ ‬التشريعات‭ ‬النموذجية‭.‬

وإذ‭ ‬تُفضّل‭ ‬إنك‭ ‬أن‭ ‬يتسوّق‭ ‬المستهلكون‭ ‬من‭ ‬المتاجر‭ ‬التي‭ ‬تبيع‭ ‬عبوات‭ ‬إعادة‭ ‬تعبئة‭ ‬مستلزمات‭ ‬النظافة‭ ‬الشخصية،‭ ‬وأن‭ ‬يتخلّوا‭ ‬عن‭ ‬كبسولات‭ ‬القهوة‭ ‬البلاستيكية،‭ ‬وأن‭ ‬يتخذوا‭ ‬خطوات‭ ‬أخرى،‭ ‬تدرك‭ ‬أنّ‭ ‬هذه‭ ‬الخيارات‭ ‬ليست‭ ‬واقعية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكثيرين‭.‬

وتقول‭ “‬لستُ‭ ‬من‭ ‬أنصار‭ ‬توجيه‭ ‬اللوم‭ ‬للأشخاص‭ ‬بسبب‭ ‬البلاستيك‭. ‬ليس‭ ‬لدينا‭ ‬خيارات‭ ‬كثيرة‭ ‬عند‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬متاجر‭ ‬السوبرماركت،‭ ‬لذا‭ ‬نفعل‭ ‬ما‭ ‬بوسعنا‭. ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬نحتاج‭ ‬اليه‭ ‬بالفعل‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬جذري،‭ ‬وأعني‭ ‬بذلك‭ ‬قوانين‭ ‬جديدة‭ ‬تُلزم‭ ‬بتقليل‭ ‬استخدام‭ ‬البلاستيك‭”.‬