متى أكون ؟

متى أكون ؟

مَتى تَكونُ؟ وَجّه أليْهِ سؤالاً ، وَكانَ بَالإجابةِ عَارِفٌ ، فأمْتَطى الصمْتُ أرجاءِ المَكانِ ، لم يَنبسْ بكلمةٍ وَتهادى عَلى كُرسِيٍ كي يَجْمَعَ نَفْسَهُ فِيه كَعجوزٍ تَرَاكَمَتْ عليه أتْرِبَةُ الماضِي ، وَهو يَقُول : متى أكونُ؟ وَعَادَ يَتَأمَلُ بِعُمْقٍ نَفْسَهُ ” أيُّ وَحشٍ أنا؟” ، أَفْزَعَتْهُ بَشْاعَةُ مَنْظَرِهِ ، وَبَدأَ يَرْحَلُ في طيّاتِ المَاضِي مُسْتَذكِراً نَزْواتَهُ ، وكَمْ قَلْباً ذَبَحَ ، دُونَ اكْتِراثٍ ، جَالَ في صَفَحاتٍ خَلَتْ ، فَلم يَجِدْ حَسَنةً تَنْتَشِلَهُ مِنْ تِيّه الماضي ، أو تَجْعَلُهُ يُغادِرَ صَفَحاتَه بِغيّرِ رَجْعَةٍ ، أيّقَنَ أنَّهُ سَجينٌ فِي دَوامةِ ألْتَأنِيبِ ، وَهنا مَسَكَ أطْرافَ كُرسِيّهُ المُثْقَلِ بِهَمِ الجالسِ ، كي يَنْهَضَ ، وَ يُعيدُ الإجَابَةَ عَنْ سؤالٍ ذَهَبَ بِهِ مَا ذَهَبَ ، وَلكنْ الوَحشُ الذي فِي دَاخِلِهِ كانَ أَقْوى ، وَ رَاحَ يَمْنَعَهْ ، فَحاوَرَهُ : ماذا تُرِيدُ مِنْي؟ كُفَّ عَنْي أنا أرى عَقْلي مِنْكَ يَحْتَضِرُ ، شَوَّهْتَ شَخْصي ، أجابَهُ : مَهْلاً أنْتَ مَنْ أَوجَدَنِي ، فَكِيفَ الآنَ تَقْتُلُنِي؟ وَأنا لا أرْضى الموّتَ ، قَالَ لَهْ : لا أَفْقَهُ نَفْسي، وَأنا أُرِيدُ أنْ أَعْرِفَ مَنْ أكونُ، قالَ لَهُ: أنا أنْتَ وَأنْتَ أنا . صَعَقَتْهُ الإجابَةُ ، وَلم يُحاوِرْ ، فَقَدْ أخْرَسَهُ وَحْشَهُ لأنَّهُ أَدْرَكَ (أنا أنْتَ وَأنْتَ أنا) لَكِنَّهُ لم يَسْتَطِعْ أنْ يُجيبَ عَنْ سؤالِه (مَتى أكونُ) ، عِنْدما عَرِفَ بأنَّ صاحِبَهْ حِينما سأَلَهُ كانَ يَعْرِفُ (بأنّهُ وَحْشٌ ذَبَحَ أُمْنِياتٍ ،وَأخْرَسَ آهاتٍ) ، وَعادَ يَبْحثُ عَنْ أمَلٍ لَعَلّهُ يكون.

جعفر محمد – كركوك