ما بين الأمـس والـيـوم- خــالــد الــخــزرجــي
قد يصفني البعض بانني انسان غير متحضر …أذْ رفضت الحضارة والتكنولوجيا والديمقراطية في بلدي في هذا الزمان…..فحنيني الى الماضي ببساطته وبراءته وجماله ..يجول في خاطري بالايام بل بالساعات ..في زمن الخمسينات كنا نعيش في بيوت مفتوحه غير مغلقة بالحديد والاسمنت ..كنا نعيش الشتاء مع المطر كأنه ضيف يدخل علينا الى ساحات بيوتنا التي كنا نسميها (الحوش) كضيف دائم لا يحتاج الى أذن للدخول الينا ..نجلس على ممرات البيت نتفرج ونتسلى بحبات المطر كيف تتساقط ..حبات المطر التي أصبحت قطع من الثلج بسبب برودة الجو كنا صغارا نركض فرحين نجمع هذه القطع في اواني صغيرة أنه الحالوب كما كان يسميه أهلنا ..كانت والدتي رحمها الله تضع وعاء كبيراً كي يمتلىء من ماء هذا الغيث الجميل ..كانت تغسلنا به وتقول انه غيث مبارك …. ومع قرب فصل الربيع يشد الشتاء رحاله ليحل ضيفا على بقعة أخرى من كوكبنا الجميل ..كما تشد الطيور رحالها تغادر ترحل تقطع الاف الكيلومترات ..تنتقل من هذا البلد الى بلد بعيد ..تجد في اجوائه ما يلائم حياتها ومعيشتها ..وطبيعة أجسامها ..فسبحان من علمها مالم تكن تعلم..
حل الربيع وحلت معه ابتسامة الورود وجمالها ..الوان زاهية صفراء وحمراء وبيضاء بل بكل الوان الطيف الشمسي تتزين بها الحدائق والمتنزهات …..ترتادها العوائل البغدادية ..
كأماكن للترويح عن النفس ومكان فسيح وهواء طلق .. يتسابق الاطفال ..يلعبون فرحين أمنين مطمأنين ..
لصغر حجم بيوتنا لم تكن لدينا حدائق كبيرة أو صغيرة كما نمتلكها اليوم …لم نكن نمتلك السيارات كما نمتلكها الان….كثير منا اليوم يمتلك القصور والسيارات الفارهة ويمتلك كل شيء الا أنه لايعرف طعما للراحة يعيش غير امن على حياته وعلى حياة عائلته ….لم نعرف ماهذا السلاح ولا ذاك ..لا نسمع أطلاقات النار لا في المناسبات ولا في الافراح ولا غيرها.
فهذه المظاهر المتخلفة لم تجد بين ازقة بغداد وحاراتها مكان لها …كانت تعشعش خارج المدينة خارج الحضارة ..فأن استطاعت أن تخترق هنا وهناك ..كان لها القانون بالمرصاد
أعود الى موضوع بحثي في هذا المقال قبل أن يغضب الصيف بحرارته الملتهبة ..ويسقطني صريعا رغم كل وسائل التبريد الحديثة في بيوتنا …ولكنه لم يكن قادراً عليً أيام الزمن الجميل ….كنا نرش سطوح بيوتنا بالماء ..ونبسط الفراش ..ثم نعود اليه بعد صلاة العشاء ..بجو هادىء ..تداعب اجسادنا نسمات باردة ..غير ملوثة برائحة النفايات وعوادم ما يفرزه وقود السيارات ….نستلقي على فراشنا ..ترنوا عيوننا على لألىء وضياء النجوم المنتشرة في سماء أقل ما يقال عنها انها صافية تتباهى بضياء القمر وتتزين بجماله… يالروعة الحياة وبهجتها .. أنه الزمن الجميل .. زمن البساطة ..زمن الاخلاق والاحترام..
زمن العيب ..زمن الصدق والتماسك الاجتماعي ..زمن حفظ اعراض الناس ..زمن الغيرة والشهامة ..زمن حب الجار ..زمن الحكومات الوطنية المخلصة لشعوبها ..زمن أحترام المعلم والاستاذ ..انه زمن (محمد القبنجي ..وناظم الغزالي ..ولميعة توفيق .. زمن عمو بابا .. زمن الشعراء بدر شاكر السياب وشاذل طاقة ..زمن عمالقة الفن العراقي ( اسعد عبد الرزاق ويوسف العاني). أنه زمن الملك فيصل الثاني رحمه الله .. أنه زمن رئيس الوزراء ..((نوري ألسعيد )) وأرجو ان لا يزعل علي أحد من القراء ..لذكري هذه الشخصية السياسية البارزة .. فأين نحن اليوم من كل ذلك ..تبا لكم ولديمقراطيتكم ..تبا لكم ولحضارتكم وتكنلوجيتكم وتبا لكم ايها السياسيون … فوالله لم تجلبوا لنا في زمن حضارة اليوم سوى التخلف والجهل والامية …لم تجلبوا لنا سوى الموت والتفرقة ..لم تجلبوا لنا يامن ترعرعتم في دول الغرب غير سوء الخلق..
عجزت عقولكم على جلب العلوم والكنولوجيا من هذه الدول المتحضرة
لأنكم تخرجتم من جامعة علي بابا .. من أقسام ألسرقة والموت واقسام التفكك الاجتماعي والحقد والطائفية .. فهل علمت أيها المتلقي عزيزي القارىء …لماذا ألعن الديمقراطية والحضارة التي جاء بها سياسيوا اليوم …أترك الاجابة لك مع جل أحترامي لكل الاصدقاء والاحرار والوطنيين.
















