ما بعد الخريف لعبد الكريم الساعدي
النخب تختار قاصاً لجلسة حوار ونقد
كريم جبار الناصري
ملتقى النخب للتبادل الفكري في المتنبي ضيف يوم الجمعة 12-2-2016 القاص (عبد الكريم الساعدي) للاحتفاء بمجموعته (ما بعد الخريف ) دار الجلسة (د.سعد الجابري) حيث قال في بداية الجلسة : المجموعة هي صورة للمرحلة الحديثة للقصة القصيرة في العراق .. فهي واقع ماثل تحمل مرحلة تاريخية وليس فقط تحمل الجمال، ففيها الرمزية التي تمثل حالات الحياة ، والمطلع لا يفرق بين منطقة القوة والضعف فتعتبر نفسك في ملحمة جدلية في بعض القصص وأتساءل هل ما بعد الخريف سيحقق أحلامه القاص وقدم موجز عن سيرة الضيف وهي:
– (عبد الكريم الساعدي/ قاص مواليد 1958 – بغداد حاصل على شهادة بكالوريوس/ لغة عربية / كلية التربية/ جامعة بغداد ودبلوم فني/ قسم التربة / المعهد الزراعي الفني. عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق عضو اتحاد الصحفيين العراقيين عضو نقابة المعلمين العراقيين ..
حديث عن تجربة
تحدث القاص عن تجربته في الكتابة خلال ثلاثة عقود وتطرق الى تأثير الزمان والمكان فقال : المكان أنتج لنا هذه الذاكرة الجميلة التي نستطيع أن نرسم الأحداث وأنا من الجنوب (ميسان )فعرفت من القصص الكثير وكانت مادة لي. عشت في (البصرة ) ثم مدينة الثورة ببغداد ودرست في إعدادية المصطفى وتوجد بقربها مكتبة العباس ابن الأحنف حيث كان لنا شغف القراءة .. فشكلت تلك الأماكن لنا مادة .. وأما الزمان بدأت الكتابة في نهاية السبعينات ونشرت في جريدة الراصد ونشأت محبتي للقصة من خلال قراءة الأدب الروسي فتشكلت لدينا ثقافة ومتابعة وخاصة دراستي للغة العربية ..نشرت قصة في 1978 في طريق الشعب بعد هذا بدأت اكتب وفي عام 1980 انقطعت عن جيلي فمنهم مداهنون باعوا أنفسهم للسلطة وهناك من لم يترك الساحة ومنهم من اعدم أو سجن والجزء الثالث تركنا النشر وبدأنا نكتب ونحتفظ لأنفسنا .. الابتعاد دام ثلاثة قرون ، بعد التغيير أصبحنا أمام مشكلة كبيرة فاكتشفنا إن ما كتبناه هو وثيقة واستطعت أن أعيد صيانة بعض قصصي ونوهت في مجموعتي أنها تستمد أحداثا لثلاثين عاما وذكر القاص منجزه الأدبي والثقافي وهو :
– ما بعد الخريف / مجموعة قصصية / دار أمل الجديدة / دمشق/ 2015
– كوميديا العالم السفلي / مجموعة قصصية (تحت الطبع)/ دار بورصة الكتب/ القاهرة
– مرايا الشيب / مجموعة قصصية / مخطوطة
– ضمير الفصل في القران الكريم/ دراسة نحوية ودلالية (مخطوطة)
الجوائز
– حاصل على درع حضارة العراق من منظمة الكلمة الرائدة عن قصتي الفائزة بالمركز الأول ( طقس عبثي) في مسابقة واقع الطفولة العربية / 2015
– حاصل على درع بغداد للتميز والإبداع / 2015
– فوز قصتي ( قرابين البحر ) بالمركز الأول في المسابقة التي أجراها ( صالون مي زيادة الأدبي
– فوز قصتي ( صهيل القوافي ) بالمركز الأول في المسابقة التي أقيمت في الكويت تحت رعاية رابطة أدباء الكويت / 2015
– فوز قصتي ( هبوط عابر ) بالمركز الخامس في المسابقة التي أجرتها دار ضاد للنشر والتوزيع / مصر / 2015 والتي تنافس فيها أكثر من 700 قاص عربي. نشرت قصصي في أغلب الصحف والمجلات العراقية والعربية، وكذلك في المواقع الألكترونية.)..
القاص والروائي (خضر عواد الخزاعي) قدم ورقة نقدية بعنوان (مابعد الخريف مرثيات الموت الجميل )فتناول فيها :أنها قدمت اضمامة من القصص التي ستحتل حيزا كبيرا من الذائقة الجميلة والفكرية لكل من يقرئها لما حملته من هموم إنسانية عميقة تلامس العاطفة والضمير .. فأستخدم الساعدي تقنيات سردية كانت – اللغة النثرية – بالغة الثراء . احد ارتكازاتها المهمة . أو ما يسميه (رولان بارت )” في هسهسة اللغة ” يوتيبيا موسيقى المعنى ” أي أن تمنح المعنى مشهدية شبحية عميقة ، دون تجزئة كما في قصة (شهقة طين ) موت جماعي وكأنه أراد له إسقاطا خاصا يتمثل في انتمائه لهذه الأرض .. وأشار بورقته :بعدم الاحتياج الى القراءة الثانية في بعض النصوص لسهولة النص السردي الذي يقع بين يدنا ويسر معانيه وبساطة حبكته .. أما في البعض الآخر نعيد القراءة لاكتشاف ما خفي من قيم النص المخبوءة بين سطوره وثيماته .. وأكد :وجدت في القراءة الثانية مطلبا وحاجة ضرورية للاستزادة من فيوضاتها الجمالية من خلال استخدامه للصور السردية .. ونوه الى : الثيمة الرئيسية التي استخدمها القاص هي تلك الصراعات التي رافقت الشخصية العراقية منذ قرون طويلة والتي تلاحظ في قصصه الممتدة بين الفترتين 1984- 2014 ..وختم ورقته بقوله :في مجموعته القصصية “ما بعد الخريف “يكون للأدب القصصي العراقي شرف انضمام قاص كبير اثر الصمت طويلا حاله حال الكثيرين الذين لم تلوثهم صحف العهود الغابرة الصفراء ،لكنه حين تكلم كان فصيحا وبليغا وماجدا فأجاد وأدهش وترك له بصمة من المؤكد أنها ستكون مؤثرة ودائمة الحضور في وجدان المتلقي ..
الناقد( يوسف عبود جويعد) له دراسة نقدية (صوت الماضي الى الحاضر في …خريف الصمت ) جاء في بعضها :
– على أرضية المجموعة القصصية “ما بعد الخريف ” للقاص عبد الكريم الساعدي قصص بدأت في عام 1984 وانتهت في عام 2014 ،فرشت هذه القصص بواحة تشبه بستان يحوي أثمار مختلفة ،من الحقب الزمنية الحافلة بالإحداث الكبيرة ،حيث الحروب ،الضياع ،الظلم ،الغربة ،الحرمان ،الهروب بعيدا ،العودة الى نقطة البداية . ومع خطوات هذه السنين الموحلة تولد قصة ،تجارب عاش هسيسها ،امتص رحيقها وتقلب في لوعتها ،وخاض غمار تجربتها فكانت بين الناس ومن الناس .. وأكد الناقد :كانت اللغة السردية فوق المألوف وكان سبب اختلاف اللغة في المبنا السردي هو اهتمام القاص (عبد الكريم الساعدي ) باللغة كونه امتهن التدريس سنين طويلة في اختصاص اللغة العربية . انه عالم خاص ومميز ، فقد اكتشف إن لغة السرد الاعتيادية لاتروي ضمأ مشاعره الجياشة لنقل ما خاض غمار تجاربه في قصص خبر كتابتها وأجاد سردها ووثق حياتها ..فقد استطاع أن يغلف الأحداث السردية بمفردات شعرية نثرية ….وتناول الناقد بعض القصص ليحلل مغزاها ومنها (ليلة أليمة ،شمس ،رسائل موتى ،دموع خرساء ،في بطن الحوت ،حرائق ساخرة ،ارتعاشة أخر الليل ، ليلة احتضار النور ، أمنية معلم ، مقهى المدينة الفاضة، ما بعد الخريف ) وختم دراسته : إن مجموعة ما بعد الخريف للقاص المتجدد (عبد الكريم الساعدي ) رحلة سردية في إطار مميز نطوف معها عبر سنوات طويلة نحط فيها الرحال بين حقبة وأخرى ..،قصص يظهر الجهد فيها وتطوف المعالجات الفنية فوق سطح المتن السردي ..
– الناقد والشاعر( احمد البياتي) تحدث في الجلسة : تمعنت في هذه المجموعة وتوقفت عند محطات عدة في الثراء السردي /عمق الصورة القصصية /لأصل الى مغاليق عمق القصة وجعلني أتابع هو اللغة الجميلة المكثفة .. لمست انه قاص من طراز خاص يمتلك أدوات القص المكينة ويكاد يعطيك صورة مشخصة لما يدونه قلمه لتراكيب الأحداث وإجبارك على متابعة القراءة ..وجدته بسيطا لكنه صعب المراس هناك أكثر من مدى من طريق بوحه واجده بارعا مقتدرا من حيث البناء لمست مزاوجة ما بين الشعر والسرد وهذا مكنه من إضفاء صيغة جديدة للقصة العراقية فهو شاعر مقتدر امتلك أدوات القـــص …
ذاكرة الوجع
الكاتب احمد عواد كانت له ورقته بعنوان “وجع الذاكرة في ما بعد الخريف” أوجزها بآلاتي :
المجموعة القصصية (ما بعد الخريف) للقاص (عبد الكريم الساعدي )، هي مجموعة أشبه بقصائد نثرية ملؤها الشجن ، وشحت بفن قصصي جميل ، ولغة غنية بمفرداتها ودلالاتها ، مازج فيها القاص بين القصة القصيرة بكل أركانها وثوابتها وبين لغة كانت هي اقرب إلى الشعر .. على امتداد العشرين قصة التي احتوتها هذه المجموعة ، تناثر الوجع العراقي الهائم على شهد الحرائق ،بين طياتها واسطرها لتوقظ فينا شجن غريبا لمحنة ما زلنا نعيشها ونتنفس عطرها الممزوج بالخوف والموت والغربة .. لم أشأ أن أخوض في غمارها كلها ، لذلك اقتطفت منها جزء يمثل جرحا نازفا في ذاكرة الوجع العراقي ، في ستة قصص رائعة ( رسائل الموت ، دموع خرساء ، في بطن الحوت ، حرائق ساخرة، أحلام الذباب، شهقة الطين) .. مثلت أدب الحرب ، ألقى القاص (عبد الكريم الساعدي) رحاله ليستوقفنا معه مرغمين عند هذا السفر المؤلم والحزين من تاريخ العراق الحديث .. ليفتح لنا أبواب الأمس القريب لنطل من خلالها ، على ذاكرة خصبة لإنسان عاش بوعي وإدراك فاقا حدود الحدث والصورة ، لوجع ذاكرة مشبعة بقسوة الحروب ، وغربة الخنادق ، وانين الجرحى ، ووجوه الموتى ، وأمنيات ضائعة بين أصوات هدير المدافع وأزيز الرصاص والفقر والحرمان .. ذاكرة حملت أطلال ماض حزين سرق منا الأحبة والحلم ، ذاكرة انتقلت بنا من أقصى جنوب عراقنا المكبل بالحروب والانتكاسات حيث جحيم معارك الفاو إلى أقصى الشمال ، حيث معارك (جبل كردمند )، وبين هاذين الشاخصين وشم لنا القاص خارطة وطن سرقه منا عنوة ، جنرالات الحرب كما اسماهم ، ودعاة القتل ، وسماسرة السلطة ، هذا الجزء من مجموعتك القصصية سيدي القاص (عبد الكريم الساعدي) ، الذي سحبت فيه ذاكرتنا بسحر كلماتك وعذوبتها، إلى ماض كان لزاما علينا أن نستحضره دوما لنعي الدرس ، وندرك أن الحروب والكراهية لا تخلفان غير البؤس والخراب .. فشكرا للقاص على هذا الانجاز القصصي الرائع .. فلقد نكأ فينا جرحا ما كان له أن يندمل في فوضى الحزن التي نعيشها في عراقنا الجريح..
عنوان “ما بعد الخريف إبداع مؤجل لسارد مغيب ” ورقة نقدية للقاص والمسرحي (عبد السادة جبار) جــاء فيها :
يعتقد البعض إن الإصدار الأول لأي كاتب يعني البداية وهو رأي لا ينطبق على من نأى بنفسه عن خوض تجارب غير مأمونة الجانب واكتفى بالكتابة لنفسه راصدا الواقع بكل تفاصيله القاسية والمؤلمة البعض منا كتب الكثير لكنه لم يسع لإطلاق تلك الحمامات الحبيسات في بيته الى الخارج خوفا من وقوعهن في شرك الضياع أو الموت ..وهكذا تزاوجن وفرخن وترعرعن في بيت روحه بيت الإبداع لينطلقن فيما بعد توفر مناخ آخر ..ذلك لا يعني انه أطلق تلك الأجنحة للوهلة الأولى ..هذا الأمر ينطبق على القاص عبد الكريم ألساعدي ،لان الكاتب ذكر إن قصص مجموعته كتبت بين عامي 1984-2014..أي أن هذه المجموعة تحمل تاريخا إنسانيا لثلاثين سنة خلت فهو إذا كان يبدع ..كان يؤرخ سنة بسنة ..فهو كاتب لتاريخ الأحاسيس ..ومؤرخ للإنسان البسيط المستلب والمأزوم ،تضمنت المجموعة 20 قصة كانت حصة الأعوام الأخيرة 2013و2014ثلاث قصص لكل منهما وتوزعت البقية قصة واحدة لكل سنة ، وكل قصة تحمل تاريخها ، إذا ألساعدي لا يسترجع أو يستذكر التاريخ بل يطلق تلك الحمامات بعمرهن الحقيقي ..يطلق الأفكار بأزمانها الحقيقية عبر سردا مؤجلا وليس جديدا ..يكتبه ألان ..فمجموعته التي نعتقدها الأولى هي ليست الأولى لان نتاج الساعدي ليس فقط هذه الـ20قصة لكنه اختارها من بين مجموع كتاباته لتمثل أحداث تلك المرحلة سرديا بما يراه كمؤلف حيث يفسر اختلاجات أبطالها ، الساعدي يختار من خزين كتاباته ما يراه مناسبا فهذه المجموعة لم تكن الأولى بل مختارات من كتابات كثر ..ولهذا فانا اعتبر إن عمر كاتبنا السردي لم يبدأ اليوم بل منذ زمن طويل .
تداخل القاص (عادل المعموري) بقوله : كاتب مميز من بين عشرات القصاصين العراقيين له لون خاص في تطويع المفردة الشعرية في سياق السرد بطريقة تبهر المتلقي والناقد معا ..إذ كان القاص الأسطورة محمد خضير صاحب (الشيئية الزمكانية ) فان (عبد الكريم الساعدي) صاحب (شيئية المفردة الشعرية ) ما بعد الألفية الثانية بلا منازع .. وسيأخذ مكانه .. الكاتب محمد عواد أثنى على القاص بقوله : كتب بلغة جميلة راقية وأحداث مشوقة ووقائع وأضاف للسرد العراقي شيء جميل ..
إذ ماذا تبقى لنا لما بعد الخريف غير أن نقول سيترك القاص عبد الكريم الساعدي بصماته


















