ماذا نفعل بدون كالفينو.. ماذا نفعل بدون كافكا؟

ماذا نفعل بدون كالفينو.. ماذا نفعل بدون كافكا؟

الإحتفاء بالبيئة البصرية

هادي رزاق الخزرجي

“روايات كالفينو مشوّقة، والقارئ يواصل قراءةَ القصة بعد أن يجد نفسه في خضمٍ من المفاجآت المتتالية، وقد شدّه عالم زاخر بالوهم والغموض. لكنه قبل هذا، يجد فيه شيئاً يعنيه، نداءً خاصاً لنقاط بعيدة غافية، أو لمسألة منتظرة في ذهنه”،(1) وكالفينو أيضاً: “استخدم الوهم للحديث عن الواقع”.(2) يقتحم ضياء جبيلي بمجموعته القصصية(3) مجتمعنا العراقي، ثم يواصل سيلُ سردياته الصغيرة الاندفاع نحو العالم، والمجتمعات التي تحتفي بالثقافات والرغبات… لكن لماذا يقف كافكا متوارياً خلف العنوان الذي يتصدى له كالفينو؟ أو لماذا تتجه الخنفساء أو المسخ نحو العنوان تريد أن تلتهمه؟ هل أراد الكاتب مزيداً من الحضور العالمي؟ سنرى أن كافكا له حضور/ محور قوي جداً في المجموعة، وربما هو الأجدر بأن يكون في العنوان.

تأليف مجاميع

 قد يحاول بعض المبدعين الاهتمام بتأليف المجموعة القصصية ضمن محور أو محاور متقاربة، سعياً لجعلها تضيئ أكثر من زاوية، فيكتمل المشهد كله كأنه رواية… وقصص جبيلي تدور حول البصرة/ المدينة، والمجتمع البصري/ العراقي… مجتمعنا العراقي عبر مدينة البصرة، التي كانت عالميةً في زمن غابر، أو هي عالمية لأنها ساحة حرب حدودية، ومغزوة من هذه القوات أو تلك، فهل تكون بعد ذلك كله مدينةً من المدن اللامرئية؟ هل هي مدينة عالمية الآن، وقبلة لكل الأرواح، التي تريد أن تدخل إلى فردوس أرض السواد من البحر؟ جرت القصص في محاور، منها: محور التأثر بكافكا بنحو ما في قصة (المستشفى التشيكي)، وهي الوحيدة التي وضع لها اقتباساً استهلالياً من أقوال كافكا! ويمكن أن نعد قصص: (الطفل الطائر، المغازلة، الوقوف، محنة، بيكا، قمر) ذات تأثر كافكوي/ غرائبي، عبر رمزية التحول عامةً. ومحور الحروب: حرب الخليج الأولى، والثانية، وحرب 2003: (شعرية لانتشو بلحم البقر، بيضة الديك، حسيبة). وقصتان عن مرض السرطان: (المتهجّي، المتسولة)؛ لأنه مرض أوغل في جرح العراقيين، فهذه مسؤولية اجتماعية يتولاها الكاتب.

 ولقد أجاد الكاتب في رسم بعض العبارات والصور، منها صورة: “الفراش الذي تنبعث منه رائحةُ الريش والنوم الممل” (الطفل الطائر)، وعبارة: “تقودها عصاها الخيزران” (حسيبة)، والتعبير برمز النخيل عن المجتمع المشوّه: “لقد رأى من قبل في أثناء الحروب الآف النخيل الميت، وكان يسأل على الدوام: لماذا يبقى واقفاً رغم موته؟” (الوقوف)، وعبارة تهكمية لاذعة بمضمون ثقافي: “وكانت تقرأ عنوان الكتاب قبل أن تسرقه، فإذا رأت أنه من الكتب المهمة تركته…” (بيكا)، وكذلك: “إن الجميع تصلهم مثلُ هذه البرقيات التافهة” وعبارة محملة بالأسى: “يبدو أن جميع اللصوص الذين حاولوا سرقة حسيبة، لم يعرفوا كيف يتصرفون معها! لقد فضحتهم روائحهم… إنها روائح الحياة. وبما أن جاسم ميت، فلا يمكن لحسيبة أن تتعرف إليه إلا من رائحته الحالية، وهي رائحة الموت، رائحة التراب، تراب المقابر” (حسيبة)، وفي الصفحة نفسها عبارة مؤثرة في سياقها: “هل أنت جاسم؟ نعم أنا هو يا أمي. أجبتُ بصوت مرتجف” (حسيبة). أما قصة (بيضة الديك) -التي جعلها الكاتب ذروة في منتصف المجموعة- فقد أجاد فيها رسم مشهد بكاء الأم الصامت المؤثر.

تفاصيل معينة

من جهة أخرى، ربما يمكن لنا أن نسأل بعض الأسئلة عن تفاصيل معينة في بعض القصص، منها: في قصة (شعرية لانتشو بلحم البقر)، كيف يقول الرجل الصيني عن الفرس إنهم أمةٌ شاعرة!؟ أليس هذا الوصف خاصاً بالعرب؟ فضلاً عن كونه وصفاً أدبياً/ نقدياً خاصاً، قد لا يسمع به كثير من عامة الناس بله الصينيين. وفي قصة (المتسولة)، يجب أن يعرف القارئ أن الكاتب يقصد الاحتلال البريطاني للمدينة، ضمن الاحتلال الأمريكي 2003? وإلا فإن القارئ قد يظن أنه يقصد 1914… أو كأنه يخاطب البصريين خاصة… ولا ننفي وجود قرائن، ولكن التسمية الرسمية هي الاحتلال الأمريكي للعراق. وفيها أيضاً، هل تقول متسولةٌ مثل هذه العبارة: “تعرف من أين تؤكل الكتف”!! وفي قصة (تهنئة من رئيس الوزراء)، كيف يكون اللص أكثر وعياً من العامل!؟ وفي قصة (قمر)، كيف لأطفال في سن العاشرة أن يعرفوا عن توحم الحامل؟ ربما يقصد الكاتب إلى أن تكون هذه التفاصيل مغرقة في غرائبيتها ولامنطقيتها، لكنها قد تكون غير منسجمة مع بناء القصة المعتمد على كثير من الأحداث الواقعية مع نسبة مقبولة من الغرابة. في قصة (حسيبة)، ينجر الكاتب إلى النبرة الخطابية الذاتية: “وهل يملك اللص أذناً صاغية، ووقتاً كافياً، لسماع تلك البكائيات المألوفة، التي أنتجتها المنظومةُ الأمومية خلال حروبنا الكثيرة؟” كذلك، قصة (الوقوف)، نهايتها ضعيفة إذ طغت عليها موجةُ التقريرية والخطابية في النهاية، بتعداد الجهات السياسية الذي لم يكن موفقاً جداً، أما القصة الأخيرة (قمر)، فليست جيدة في نهايتها بما يكفي؛ لأنها غير مفاجئة إلى حدٍ ما.

 آخر الأمر، يحتفي الجبيلي ببيئته البصرية الجميلة ضمن منظور عالمي، ذلك عندما تكون البصرة مقصداً للكل: التجار، والغزاة، والطامحين، والمتاعب… ربما تكون قصة (الوقوف) رمزاً للعراق كله، العراق الذي يمر بمرحلة عجز عن الإمساك بأول خيوط النهضة الفعلية الجادة… هذه القصص رسالة اجتماعية مسؤولة، وإدانة واضحة، وتقريع للحرب والأزمات التي تسرق مسار الحياة الجميل والهادئ، وتضع بدلاً منه عالماً غرائبياً غريباً!

الهوامش

1- رواية مدن لا مرئية، ياسين طه حافظ، مقدمة المترجم: 5-6.

2- رواية مدن لا مرئية، ياسين طه حافظ، مقدمة المترجم: 6.

3- ماذا نفعل بدون كالفينو، ضياء جبيلي، دار شهريار/ دار الرافدين، العراق، ط1/ 2017م.Top of FormBottom of Form