لن أسافر لبيروت ثانية – جليل وادي

كلام أبيض

لن أسافر لبيروت ثانية – جليل وادي

 

ما ان يخطر اسم بيروت في بالك حتى تحضر اسماء لامعة، كان لها صوت وصدى في الثقافة العربية، بيروت تعني جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وخليل حاوي ومي زيادة وفيروز والشحرورة صباح، ودار العلم للملايين ودار العودة، لا احد ينكر ان بواكير النهضة العربية انطلقت من بيروت، فهي الجسر المتين الذي ربط المشرق العربي بمغربه يوم كان المشرق مقروءا والمغرب قارئا، بالتأكيد لن ننسى انفتاح المغرب العربي على الثقافة الغربية، بما أعطاه اطارا منهجيا رصينا أعاد من خلاله تحليل التراث بحثا عن هوية عربية اسلامية، وفي هذا أسهمت بيروت وبغداد ودمشق والقاهرة في بلورة تلك الهوية بعد ان كانت ذائبة في هويات شتى.

ما ان تتذكر بيروت حتى تقف قبالة عينيك الحرية بمعانيها الغائبة في بلادنا، فتستغرب ما بلغته بيروت من مديات لتلك الحرية، وكيف تمكن البيروتيون من هضم ثقافة الحرية ببعدها الاجتماعي الذي فاق بعدها السياسي ؟، بل قل ان بعدها السياسي قد تخلف كثيرا عن بعدها الاجتماعي، بينما في بلادنا الطامحة لبلوغ الحرية السياسية، كانت اولى خسائرها قمع الحريات الاجتماعية ومصادرتها، ولذلك مازالت اؤكد : ان لا قيمة لحرية سياسية تصادر حرية اجتماعية، ليس بالضرورة ان تكون جميع مظاهر الحرية الاجتماعية التي نراها في بيروت صحيحة، كما ليست كلها خاطئة، لكن احترام خصوصيات الافراد شيئا مقدسا، لذلك نحب بيروت بقدر حبنا للحرية وفيروز وجبران وغابات الارز .

ومن بوابة الحرية والثقافة كانت بيروت ملاذا ومقاما وفضاء لمحمود درويش ونزار قباني واحلام مستغانمي وكاظم الساهر وعشرات من المبدعين العرب، وربما هذا وما يشبهه يفسر ازدحام بيروت بالعراقيين، ولا ابالغ ان قلت ان في شوارع بيروت من العراقيين أكثر مما فيها من اللبنانيين، وعلينا ان نبحث عن الاسباب، وهل عصي ان نصنع بدائل مماثلة في بلادنا التي تنعم بمرافقها السياحية من البحر الى الاثار، الى الطبيعة المتنوعة، والى المزارات الدينية المختلفة.

وبعد ان تحررت في زيارتي الاخيرة من الانبهار بحرية البيروتيين، وهمسات الطبيعة التي تنسيك نفسك لساعات وانت تسلك الطريق الجبلي المتعرج نحو منطقة بشري، وصخب البحر في كورنيش جبيل، رأيت ان النزعة المادية لدى اللبنانيين بلغت أوجها، والثقافة بلغت ادناها، وان العراقيين لا يعنون للبنانيين شيئا سوى جيوب ممتلئة بالمال، وان خجلهم وبساطتهم جعلت الكثير منهم ضحية (للتقفيص)، فمساحة عمل (الزعران)، وتعني الخارجون عن القانون اتسعت وبشكل ملحوظ.

وما عادت للعراقي هيبته التي كانت، يتعرض للمساءلة من الجهات الامنية اللبنانية حتى عندما تكون تلك الجهات مخطئة، ويترك واقفا أمام الابواب، بينما يسمح للخليجي أن يجلس باحترام، هذا ماحدث عندما اوقفني أمن المطار بذريعة اني لم اغادر لبنان في زيارتي الاخيرة، وعزز هذا الادعاء ان جوازي جديد وليست فيه تأشيرات سابقة، ولم ينفع قولي بان الجهات الامنية العراقية تسحب الجواز القديم عند تجديده، واني كنت برفقة عائلتي في تلك الزيارة، ويمكن التأكد من ذلك، لا اعرف مغزى سحب الجواز وقد انتهت صلاحيته، ولا مخاطر ارجاعه لصاحبه، بينما يمكن خرمه او ختمه بنفاد مدته، الحكاية تطول، وبدل ان انجز عملي واستمتع بسفرتي، قضيت نصف مدة السفرة بمراجعة الأمن اللبناني العام، ولم يكن حالي بأسوأ من سيدتين عراقيتين كبيرتين في السن حجزهما امن المطار،بسبب ان شركة (الحرمين) للسياحة زودتهما بحجز فندقي مزور، اكرر اسمها (الحرمين) وتعمل في مدينة الكوت.

بهذا أؤكد ما تضمنه (البوست) المتذمر الذي نشرته الدكتورة غادة صبيح العميدة السابقة لكلية الاعلام بجامعة الجنان لما يحدث في لبنان حاليا، وأقول : بيروت الخالية من (الزعران)، والتي تفوح بالثقافة والحرية هي التي نحب يا دكتورة.

ديالى