لقطات متنوعة في إشارات لزمن ضائع
مختبر سردي داخل المخيّلة
يوسف عبود جويعد
إستخدم القاص كامل التميمي في البنية النصية لمجموعته القصصية (إشارات لزمن ضائع ) وهي من إصدارات أمل الجديدة للطباعة والنشر والتوزيع – سوريا – دمشق عام 2016 اساليب مختلفة ، وهو يشيد المبنى السردي لكل نص ، متوزعاً بين ضمير الغائب (الانا) ، والسارد العليم ، وفي بعض القصص تكون بطلة القصة إمرأة ، فتقوم بمهمة سرد الأحداث ، ويخيل للمتلقي وهو يتابع المجموعة إنها كُتبت بنفس متأنٍ هادىءٍ ، وإن القاص جاد في المحافظة على السياق الفني لصناعة القصة القصيرة ، حيث استحضر معالم هذا الجنس الادبي ، ووضعه نصب عينيه وهو يقوم بمهمة التدوين ، وكانت اللغة منتقاة لتحتضن الثيمة السردية بأنسجام تام ، حتى إنها شكلت الايقاع المتنامي المتصاعد للمبنى السردي ، وهو لم يبخل في إستخدام أدوات القص ، الزمان ، المكان ، الشكل ، المضمون ، الثيمة ، الرسالة الانسانية ، الخطاب الثقافي ، الخطاب النقدي ، وهي قصص واقعية عُولّجت في مختبر فن القصة داخل مخيلة القاص الخصبة ، إضافة الى إنه جعل من البنية لشخوص النصوص السردية حياة ونمو ، وحركة وحس واضح ، فلم تقف تلك البنية في زمن عمريا محددا ، بل إنها تتنامى وتتصاعد مع المسيرة السردية ، وهي حالة من الحالا ت التي يجب ان تؤخذ بنظر الأعتبار ، عندما يقوم القاص بصناعة قصة تتوفر فيها معالمها وأصولها وإشتراطات كتاباتها ، وأن حركة أدوات القص سالفة الذكر ، يجب ان تكون مرافقة للحركة ، وليست جامدة ، وعلى القاص ايضاً أن يراعي حركة البناء للنص بشكل عام ، وأن لا تتخلف بنية عن أخرى ، فهذا يحدث خللاً واضحاً في المبنى السردي ، ويقلل من مستوى إكتمالها ، وتجانسها ، وتماسكها ، وبالرغم من كون القاص حافظ على هذا المكون بشكل متقن ، إلا أن فن صناعة القصة يحتاج دائماً الى الممارسة المستمرة ، والخبرة والمهنية ، فتلك الجوانب تمنح النص درجة صعود نحو الارتقاء بها الى
سموها المطلوب ، وتحقيق الطموح في جعلها ذات شأن ، كما ان المتعة والتشويق كانتا حاضرتين في كل نص ، ولكي نكتشف ذلك علينا الرحيل مع عالم القاص كامل التميمي ، في قصة (ذاكرة للموت ) يستخدم القاص الرمز كمحور يحيط المبنى السردي لاظهار الثيمة ، إذ أن السائق يمثل الهم الانساني لهذا البلد ، وهو يراه أي البلد مطحنة كبيرة تطحن الناس ، اذ أن بطل القصة يجلس خلفه ويتابع حركاته وتوقفات المركبة بدون مبرر ، ونزول الناس لهذا السبب ، إلا ان السارد ظل خلفه يتابعه وهو يستعرض من قتل بالحرب ، (حتماً سيأتي يوم يوقف هذه المطحنة في هذا المكان البائس ! لكن من سيوقف مطحنة الانسان وهرسه في هذا البلد؟! أكثرنا سيسلم رأسه مرغماً لهذه المطحنة .. ستنبت رؤوس مغتربة عن كل القيم .. سيكون بلدنا غريباً ..لا يفهمه أحد ولا يفهم أحد !! ) ص16 ، وبالرغم من إن هذا النص يستعرض حدثاً واقعياً ، إلا إنه نحا منحى رمزياً يعكس واقع حياة البلد المؤلمة ، أما قصة (غيرة زوجة) تنقلنا الى الحياة بين الزوجين ، والغيرة عندما تكون سبباً في خراب عش الزوجية.
نص قصصي
أن القاص كامل التميمي يحاول ان يقدم النص القصصي مجرداً دون تدخل منه ، وظف القاص الحكاية الشعبية والموروث الشعبي ضمن احداث قصة (خرافة الطيور) التي اختلفت في بنائها كونها استمدت من هذا الموروث مضمونها ، فهي تحكي عن الطيور وما يحدث للبلدة عند ظهورها ، وإهتمام الناس بهذه الخرافة ، إننا نعيش من خلالها مع حكاية شعبية وظفت فنياً لتكون نصاً قصصياً ، تحيلنا قصة (وسوسة) الى تلك الحالة التي تصيب الانسان فيكون سجين الوسواس ، ويحاول التخلص منه عن طريق قراءة الكتب ، إلا انه يكتشف إنها لم تجد نفعا ، فيخرج وسط المطر المنهمر،ويكون ذلك سبباً في الخلاص منه ، في قصة (بيت الآلهة)ننتقل الى مضمون آخر وجه آخر من وجوه القص ، إذ إن القاص يوظف الموروث الحضاري ضمن المبنى السردي ، وينقلنا الى حيث الاله مردوخ واحداث تدور هناك من خلال الحلم لبطل القصة ، وهي إنتقالة منوعة أخرى ، قصة (آخر الناجين ) تحمل أكثر من زاوية للرؤيا ،فأن الظاهر منها يكشف شابا يحذر من هم على السفينة والأمواج والعواصف ويطلب منهم التماسك ، (ايها الرجال ، قفوا وتمسكوا بعروتكم الوثقى ، إن أردتم النجاة ، فالموج قادم ، كأنه ريح صرصر تعصف بكل ما يتمناه المرء) بينما انساقها المضمرة ، تذكرنا بكوارث حدثت نتيجة عدم التماسك والاستسلام ، وأقربها كارثة سبايكر الرهيبة ، اذ انها صيغت بلغة انفعالية عالية ، وهي قريبة الى المشاهد المسرحية في تكوينها ، وحوارها ، والذي هو اشبه بنداء صارخ ، في قصة (تبدد غيوم ابي ) التي حفلت بأحداث قصصية ، وبنية سردية ونصية مكثفة ومتدفقة الأحداث ، وهي تستعرض وترصد حياة بطل القصة ابتداءً من متابعته لمضيف أبيه ، وانتهاء بسفره خارج البلد ، وقد تناولها القاص باسلوب سردي متواصل متداخل واقعي ، قصة (بسمة) تضم في مضمونها حدثاً سردياً رغم إنه يحمل الواقعية إلا إنه ينتمي الى الغرائبية في سياقه الفني ، وانه يبدو مختلف عن بقية لنصوص ، كونه يستعرض حياة رجل أسود يتزوج من إمرأة سوداء ، فينجبا طفلاً أسود.
أنه بات لايتحمل هذال السواد ، فيتزوج من امرأة جميلة بيضاء؛ فتنجب له ابنة جميلة اسماها “بسمة”، إلا أن زوجته الثانية تموت فيضطر متحججا؛ لزوجته السوداء عند جلب ابنته من أنها ابنة صديقه المتوفي وقد اوصاه بأن يبتناها ، ويحدث أن يقع بالاسر مدة خمس عشرة سنة ، وعندما يعود يجد ابنته متزوجة اخيها ، ان ما دفعني لاستعراض تلك الاحداث ، غرابتها ومتعة مشاهدتها ، اذ انه كتبها بنفس متواصل ، وهي حافلة بالاحداث ، ولم تكن ضيقة الافق ، و انها في بنائها تبرز الحدث السردي بتتابع متصاعد متواتر ، وتبدو الاحداث أمام المتلقي محسوسة ، بعيدة عن التفاصيل الزائدة والترهل ، وهي تحمل رسالة أنسانية كبيرة ، في قصة (امنية معلقة) ننتقل الى سن المراهقة وما يحدث فيها ، وقد جعلنا نعيش لحظات المراهقة ، ونحن نحس بهذه المرحلة العمرية التي نمر فيها جميعاً ، اما قصة (بعد العودة) فأنها تشكل بؤرة هذه المجموعة ، وتعطي انطباعاً لدى المتلقي بمقدرة القاص في الهيمنة على الحواس وشد المتلقي نحو بنية نصية تتضمن انتقالات كبيرة في الزمان والمكان واحداث واسعة ، في سلسلة من الأحداث السردية ، التي جعلها قاص واضحة جداً ومميزة كونها مجردة وبعيدة عن تدخل القاص ، حيث نتابع هذا الصبي ، الذي يهرب من البيت في بعقوبة الى الموصل ، ويعيش هناك بعد ان تتبناه عائلة ، ثم مناظر الجبال ، وطرق تهريب الأغنام ، وبعد أن يكبر يعود ليجد أمه غانية ، وبيته عبارة عن حانة خمر ، فيعود ثانية ، وهذه الاحداث في هذا النص تؤكد على مهنية القاص ، حيث أنه استطاع استخدام ادوات القص بكامل عدتها ،وحركها مجتمعة نحو النمو والتصاعد ، كما إنه استطاع أن يجعل بنية الشخوص متنامية متحركة ايضاً ، حيث الطفولة ، والصبا ، والشباب ، اما قصة ( خيبة امرأة) والتي تدور أحداثها عن إمراة عندها أربعة أطفال وهي أرملة ، وتدور علاقة حب بينها وبين أحد الرجال ، وقد توسمت فيه خيراً ، الا انها تفاجأ بكون حياتها صارت أكثر صعوبة واكثر ضيقاً ، وإن الاطفال حرموا من اللعب بسبب سطوة زوجها فتصيبها خيبة الامل ، وفي قصة ( اليوم السابع) التي تختلف في بنيتها النصية شأنها شأن بقية النصوص ، حيث نكون مع العمل ، وانتظار صاحب العمل ، واحداث متروكة للمتلقي ، كما الاشادة ببنية العنونة التي اعطاها القاص اهتماماً واضحاً ، فهي تشكل العتبة النصية ، وهي جزء من المبنى السردي ، وتنقلنا احداث قصة (الثمن) الى ربوع شمالنا الحبيب والطبيعة الخلابة ، وأصوات الطيور الشجية ، في قصة (اشارات لزمن ضائع) والتي حملت المجموعة اسمها ، نكون مع بطلة القصة والساردة ، وهي تسرد لنا ، مسيرة حياتها وتداعياتها ،أن في هذه المجموعة تنوع واضح في الثيمة وفي السرد ، وفي الاسلوب ، وفي التناول ، إنها أحداث اقتطعت من صميم واقع الحياة ، إلا إنها عولجت بنفس هادىْ وبتأن واضح ، وهي لم تخرج عن إطار فن صناعة القصة، بتناول حداثوي متميز .


















