لعنة ميثراداتس – مقالات – هشام الطائي

لعنة ميثراداتس – مقالات – هشام الطائي

 دعوني المس الجرح غير المُندَمل هذه المرة من خلال قصة ملك قبيلة تدعى (بنو عرافة) وبنو عرافة نسبة الى ما عرف عنهم من ذكاء ومعرفة شعبا وحاكما وباختصار شديد قيل انه حضرت المنية يوما لاميرهم الحكيم فجمع اولاده الثلاثة الذي اطلق عليهم جميعا اسم (عبد الله) وكتب في وصيته ان (عبد الله يرث وعبد الله يرث وعبد الله لا يرث) ولم يتضرر غير عبد الله الذي لا يرث والذي لم يُعَيَّنهُ اباهم لا بعيونه الزرقاء ولا بفمه العريض ولا برائحته ابطه النتنة.

 فكان الثلاثة يشتركون في هذه الصفات وبعد وداع ابيهم عند مدخل مقبرة باب الطوسي المهاب عادوا الى مطعم قريب لياكلوا التكة والكباب وتشاوروا من هو عبد الله الذي لا يرث؟

فقال كبيرهم: فلنذهب الى قاض لا يشطط في حكمه ولنبحث عنه وليحكم بيننا فاتفق الاخوة وعقدوا العزم على السفر ولقاء القاضي وبعد ايام من الِحلِّ الترحال وجدوا ضالتهم واستقبلهم القاضي في ديوانه وقصوا له ما كتب في لغز وصية اباهم فامرهم بالمكوث عنده ثلاثة ايام ضيوفا مَكَرَّمين وبعدها سيكون لكل حادث حديث وامر حاشيته ان يحسنوا ضيافتهم، فأمر خادمه ان يرسل اليهم غداءهم وكذلك اختار عينه الجاسوسية ليذهب خلفهم ومن وراء الخيمة ليتجسس عليهم ويسجّل ما يدور فيما بينهم من احاديث.

وفي اثناء تناول الغداء قال قائل منهم اتعلمون اخوتي؟ ان المرأة التي اعدت لنا الخبز حامل ؟ وانبرى عبد الله الثاني اتعلمون يا اخوتي ان هذا اللحم الذي ناكله لحم كلب ؟

واردف عبد الله الثالث وهل تعلمون يا اخوتي ان القاضي (ابن زنا) وفي اليوم التالي اسرع هذا اللوكي وعرض التسجيل امام مرأى ومسمع القاضي فاندهش واستشاط غضبا فارسل اليهم واجلسهم وقال انتظروني ساعود اليكم.

وذهب مسرعا ليسأل من خبزت الخبز وبعد الحاح شديد اعترفت بحملها ثم ذهب الى الذباح وساله ماذا ذبح لغدائهم واعترف هو الاخر بذبح كلب لعدم توفر الملاك من الماعز ولم يبق له الا امه فذهب اليها في مخدعها يجر اذيال الحيرة والريبة وفي خاطره ذلك التساؤل المهين ماذا لو تصح نبؤة عبدالله الثالث وانه ابن زنا وبعد التي واللّتيا والانكار والاستعذار اعترفت والدته انه ولد غير شرعي وان محاربا قد اغتصبها عنوة في احدى غزوات ابوه القذرة.

عاد القاضي منكسرا الى العبادلة الثلاثة وسأل الاول عن كيفية معرفته ان التي خبزت كانت حاملا؟

فقال : سيدي القاضي من شكل الخبز حيث كان سميكا من نصف قطره وعلى عكس الاخر وذاك كان بسبب انتفاخ بطنها نتيجة الحمل مما يصعب عليها ان تطال جميع قطر القرص وهو في التنور لتعدله وسال عبد الله الثاني كيف علم ان اللحم لحم كلب؟

فقال : ياسيدي ان لحم الكلب يكون حسب الترتيب ..(عظم ..شحم ..لحم) وان لحم الماعز (عظم لحم وشحم) وسأل عبد الله الثالث السؤال المصيري والمخجل وانت كيف عرفت ان القاضي ابن زنا ؟

فقال ياسيدي :لانك ارسلت من يتجسس علينا وعادة لا يفعلها الا اولاد الزنا وهنا وقف القاضي واستجمع قواه وقال له اذن انت الذي لا يرث لانك ابن زنا (ولا يعرف النغل الا النغل).

ومربط النعجة ما يحدث في حضيرة الدوابِّ وتبادل السباب بين ساكنيها من النهّاب والاقزام وتعايرهم باسماء بائسة لم نسمعها الا في حيٍّ للمومسات والقوادين أثناء عراكهم واختلافهم على الوارد اليومي لم يكن عراكهم وتبادل فضائحهم لمصلحة الشعب انما اختلافهم في اختلاس الغنائم وتمسكا بكرسي السيادة الرذيل ما شهدناه من هؤلاء الطغاة (الطفيليات) الذين ملكوا الحكم عن طريق الانتخابات او المحاصصة هو صورة منحطة لتطفلهم كالجراثيم الوبائية وامتصاصهم دماء شعبهم الجائع واسترضاعهم من اثداء الجبروت لبنا آسنا اعمى بصائرهم فاصبحوا ينظرون الى شعبهم نظرة العبيد المستحمر ويتصرفون في امواله تصرف الذي ورثها عن اجداده .

لم يكن هؤلاء قادة عظماء او جهابذة علماء انما هم صعاليك جبناء مكنهم شعب مستكين عشق الرق والعبودية وخدمهم فاستعلوا بجنون العظمة وحب المال.

 لم يكن هؤلاء الا حفنة من السراق انتخبهم الشعب فاصبحوا ينظرون اليه كفريسة او كقطيع من الاغنام ينتظر دوره في النحر ليتقاسموا لحمه فيما بينهم ويرموا بعظمه تلك العبودية التي انساق لها عامة الناس سواء مكرهين او مخدوعين ومكرهين بالخوف والارهاب ومخدوعين من قبل امراء الطوائف الدينية السياسية فسقط الشعب صريعا في اودية النسيان السحيقة وضاع في ادوار الاغماء المستديمة حتى نسي معنى الحرية وعجز عن الاستيقاظ والامساك بمقومات الثورة ولذا فمن البديهي ان تظهر لنا اجيالا مغلولة الاعناق يقنعون بالذل الذي تربوا عليه ونمت لحوم اكتافهم منه .فلاشي يذكي جذوة الخنوع لدى عامة الناس الا حاكم جبان تكون يمناه حاشية من حماة لماله الحرام ويسراه حاشية اخرى من أئمة مذاهب وطوائف دينية ينعقون خلفه.

ربما سيكون حالنا بتجرعنا اليومي لسمِّ العبودية والاسترقاق سيكون لنا عادة دون ان نشعر بمرارتها وهوانها فننسى طعم الحرية التي فُطِرنا عليها وكما ذكر عن الملك (ميثراداتس) الذي حكم شمال الاناضول قبل اكثر من الفي سنة وهزم الرومان حيث قضى حياته يتناول السم يوميا حتى الِفهُ دمه واعتاد عليه لحمه فكانت النتيجة أن فشل في قتل نفسه يوما .