لا
تُفرطْ برمانة الجنّة – نعيم عبد مهلهل
في ستينيات القرن الماضي ، كانت الفاكهة متوفرة جدا في بساتين كل العراق ، مثلا كانت ديالى تزرع برتقالا واعنابا ورمانا ، وكربلاء تزرع البرتقال ، والبصرة تمرها يصل حتى فلوريدا وشنغهاي، وفي الناصرية اشتهرت ناحية قلعة سكر بزراعة الرمان .ولا ننسى بطيخ سر من رأى وحقول ميسان والتين القادم من بساتين جومان في اربيل أو رمان حلبجة.
والحديث هنا ليس عن العراق وفاكهته . التي شحت قليلا سلالها بسبب شحُ المياه .وغزو المستورد الذي لا يوازي لذة طعم المنتج العراقي . ذلك لأن برتقال كربلاء حين تشمه فأنت تشم عطر برتقالة ، فيما البرتقالة المستوردة كأنها مصنوعة في الصين.
في المتوارث الشفاهي والمكتوب كانت هناك حكايات وموروثات شفاهية ومكتوبة تهم الفاكهة ، واهمها قصة حواء والتفاحة ، ومتى بدأت استوعب قراءة القصص التي شعرت بلذتها بدءا من كتاب مطالعة الثالث الابتدائي مع قصة القرد مقطوع الذنب ، حتى بدأت اكتشف عالم القصص الساحرة ،ومن بينها قصة امنا حواء مع التفاحة ، بالرغم من اننا كنا نأكل التفاح ولا نتذكر حواء وقتها وهبوطها من الجنة ، بل كنا نتذكر جوعنا فقط واغراء الأحمر اللامع في خد التفاحة . وفي درس التربية الاسلامية كنا نشتاق الى التين كلما مرت علينا الآية الكريمة والتين والزيتون وطور سنين .
غير ان حكاية حبة الرمان التي اتت ذات مساء من بين حكايات جدتي التي لا تحكيها لي بالمجان إلا عندما اشاركها بقطعة النستلة التي اشتريها بيوميتي ب4 فلوس . ومتى شعرت جدتي بلذتها اسردت لي حكاية عن جنية طيبة أو درويش غريب يدخل الى المدينة ويسيطر على احلامها .
كانت قصص جدتي فوق مستوى سنوات عمري لكنني جاهدت كثيرا لاحتفظ بأخيلتها واحفظ أجواءً منها عن ظهر قلب .
ومن بين تلك الحكايات ، ما اشارت اليها ذات مرة أن في كل ثمرة رمان توجد حبة واحدة من حبات الجنة .
وعلى اديم تلك الحكاية عشت لذة تخيل انني استطيع مع كل ثمرة رمان ان اتناول حبة من حبات الجنة فأعيش الجنة وانا في الارض ولن احتاج الى رهبة تلك اللحظة التي يأتي بها الملاكين منكر ونكير ويفتحان دفتر الحساب .
مرات ينال والدي الرزق الجديد في علوة بيع القمح ويأتي بكيس من الرمان ويوزعه علينا .وكنا نأكله بسرعة ويتفرط الكثير من حباته على الأرض .وحدي كنت أحرص ان اتناول الرمانة حبة ن حبة لاعتقادي إن في كل رمانة هناك حبة من حبات شجرة الرمان التي في الجنة .وان هذه الحبة تمنح الجسد قوة ومناعة ضد الأمراض وربما تساعدني ايضا في حفظ حكايات جدتي . وكنت احرص ان اكسر الرمانة فوق صحن الكبير كي لا تضيع منها حبة واحدة فلربما هذه الحبة من حبات رمان الجنة. فأفعل ذلك حتى لاا ضيع حبة واحدة . ومرات انسى من فرط الجوع فتضيع الكثير من حبات الرمان.
لا ادري ان كانت تتذكر الناس هذا المعتقد ام نسته .ولكني على يقين أن جدتي لم تختلق الحكاية وانها من معتقد متوارث تعتقد تماما أن كل رمانة تحتوي على حبة من حبات الجنة ، وفوق هذا جدتي اخبرتني بهاجس ربما سكنها وحدها بتلك القناعة التي اخبرتني بها : ان كل حبة من تلك الحبات ستكون حمراء لأنها بلون دم شهيد كربلاء الحسين ع.
لهذا صار الاحساس يسكنني عندما لا تكون حبات الرمان حمراء فلن تكون من بينها حبة من حبات رمان الجنة .
واليوم وانا في اوربا كلما اشتري رمانه احرص ان لا أفرط بحبة واحدة ولم ازل مؤمنا بما كانت تؤمن به جدتي التي اتخيلها الآن في الجنان البعيدة جالسة تحت شجرة تفاح ولكنها لا تأكل تفاحة ، بل تأكل ثمرة رمان ولن تفرط بحباتها ابداً.






















