
كنا نخاف الله أكثر – عبد الكاظم محمد حسون
في الأمس القريب عندما تحدث حادثة وفاة لشخص ما ،كانما نراها في ذلك الوقت حادثة نادرة لقلة حوادثها ،وسوى كانت هذه الوفاة لاحد أقاربنا او بعيد عنا ، تتفطر لها قلوبنا حزنا و تقشعر لها الأبدان خوفا وخشوعا ، وكل واحد منا يراجع نفسه ان عمل شيئاً لا يرضى الله ليعيد النظر في سلوكه ويصلح مساره ، وكان هنالك ثوابت تحدد سلوكيات الفرد غير ثوابت الدين ومخافة الله ومنها صحوة الضمير والثبات على المبادىء ونصرة كلمة الحق والثبات على الكلمة ،وفي العشائر الجنوبية خاصة والشعائر العراقية عامة خصلة معينة أصبحت اليوم شبه معدومة وهي منح الأمان من شخص لعدوه.
عندما يطلبه هذا العدو مقابل اعتراف بالخطأ او الجرم من خلال طلب إعطاء ( البخت ) فعندما يقول له انت (مبخوت) يعني انت في امان ولا تعاقب حتى على ذنبك او فعلتك مهما كان حجمها وهي كلمة أتت من (البخت ) ، والبخت يعني قيمية روحية يمتاز صاحبها بحسن الحظ والجاه والتوفيق من الله يصل إلى حالة الاعتقاد بأن صاحب البخت له القدرة على (الشارة) بالآخرين وصاحب البخت إنسان لا يـــــــخاف منه لحــــــــسن اخلاقه وصدقه وشجاعته في قول الحق والحفاظ على الامانة ، في الامس القريب كان كلنا يعرف الله بطريقته.
ويعرف طريق الحق ويعرف الثوابت دون الدخول في دهاليز الاختلاف والتفرقة ، فالجار يحترم ويقدر جاره على اساس الجورة وثوابتها وقيمتها في تعاليم الاديان دون التمعن من يكون الجار او من اي طائفة او عشيرة ينتمي ، لدرجة ان صاحب الدار لا يعرف جاره ان كان عربيا او كرديا ، شيعيا او سنيا ، او من اي عشيرة كان او جماعة على الرغم من مرور سنوات على هذه الجورة ، تطغي عليها علاقات المحبة والاحترام وتبادل المشاعر في السراء والضراء وكان أبناء المحلة الواحدة عائلة كبيرة يشعر كل أفرادها بالأمان والمحبة والعلاقات الحميمية ،كان اغلب الناس متدينين بالفطرة ، اسلامهم متواضع وعقيدتهم مخافة الله ، لا يكفر بعضهم بعض ولا يبغض احدهم الاخر ، كل واحد منهم على سريرته يخاف الله وهذا لا يقتصر على الاسلام بل هذا يشمل باقي الاديان أيضا ، حيث يسلكون نفس السلوك وكثير ما سمعنا من اهلنا عن شخصيات يهودية كالاطباء وغيرهم كانوا يسرعون لنجدة الاخرين حتى وان كانوا من غير ملتهم فكثير منا من سمع بالطبيب اليهودي في مدينة العمارة داود كباي وكذلك الاخوان الصابئة المندائين والمسيحين وغيرها من الدينات كلهم كانوا يقدمون العون لغيرهم ، كانت وقتها وسائل الاعلام قليلة وكانت المساجد ورجال الدين قليلون والمدارس التعليمية قليلة أيضا ، ولكن لا نجد تفسيرا شاذا ومعقداً لمفاهيم الدين ، فالكل يحترم غيره والكل يؤمن بالاختلاف ويرون أنفسهم فسيفساء جميلة ، تنوعها يعطي الحياة طعماً جميلاً ، وما بالك اليوم ترى عشرات القنوات الفضائية وعشرات الأحزاب والتيارات الاسلامية في داخل الوطن وخارجها ، تجد اغلب تلك الحركات والأحزاب تطبل ليلا نهارا على مسألة الاختلاف والفرقة ، وكأن لكل طرف له الله وله نبي وله كتاب في حين كلهم مسلمون ، هذا يكفر هذا ، وهذا يسب هذا ، والصراع على أشده حيث يصل إلى القتل والانتقام او ربما التخلص من المخالف له بالتصفية الجسدية دون مراعاة أي قيمة للجانب الإنساني ، وكأن الرحمة قد أزيلت من قلوب الناس وحل محلها روح الكراهية والانتقام ، أصبح الموت شيئاً عادياً حيث تراه يعش بين الناس فلا عجب ان تجد رجلاً مقتولاً غدراً مرمياً قرب مكب النفايات ، او تجد امرأة قد قتلت وألقيت جثتها في نهاية الشارع او في مكان مهجور ، او عشرات الأفراد قد تم تفجيرهم بدم بارد حيث الدماء تملأ الشارع ، او آخر تم تهجيره عنوة ، الكل يدعو إلى الله والكل يكبر باسم الله ولكن لا أحد يرجع إلى قوله سبحانه وتعالى بسم الله الرحمن الرحيم (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا )، الكل اصبح يلهث وراء المال حتى وان كان حراماً .
والكل يركض وراء المناصب والسحت الحرام فمن يدعون انهم اصحاب على (ع) لا تراهم قريبين منه في الزهد وقول الحق والعطف والرحمة ومن يدعون انهم اصحاب الخليفة العادل عمر لا تجد فيهم خصلة من صفاته في الزهد والعدل والجميع يستخدم الدين والطائفة إلا القليل لتحقيق مصالح ضيقة على حساب الاسلام المتسامح ، علينا جميعا ان نرجع إلى مخافة الله الحقيقية التي توصلنا إلى محبة الآخرين واحترامهم ، لا إلى تكفيرهم وقتلهم وتشريدهم لان الدين رحمة للعالمين لا وسيلة للابتزاز والقتل والتهجير وسرقة المال العام والتهميش وقهر الحق .كفانا ان نزرع ارضنا مقابر دون ان نزرعها نخيل البرحي والورد والقمح ، علينا ان نبني انفسنا اولا ثم نبني العراق ثانيا ، عراق للجميع لكل الطوائف دون تميز او تفرقة او تهميش .


















