كشف سر المرأة الأعلى شأنا في مقبرة ما قبل التاريخ

باريس‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬تبيّن‭ ‬لعلماء‭ ‬آثار‭ ‬أن‭ ‬المدفون‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬فخمة‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث‭ ‬اكتُشفت‭ ‬سابقاً‭ ‬في‭ ‬إسبانيا‭ ‬امرأة‭ ‬تبدو‭ ‬الأعلى‭ ‬شأناً‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬لا‭ ‬ذكر‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬يُعتقد‭ ‬سابقاً،‭ ‬فغيروا‭ ‬تالياً‭ ‬التسمية‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ “‬رجل‭ ‬العاج‭” ‬إلى‭ “‬سيدة‭ ‬العاج‭”. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق،‭ ‬بات‭ ‬درس‭ ‬الخصائص‭ ‬الجينية‭ ‬بديلاً‭ ‬يتزايد‭ ‬اعتماده لتحديد‭ ‬الجنس،‭ ‬لكنّ‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الطريقة‭ ‬محدودة‭ ‬لأن‭ ‬الحمض‭ ‬النووي‭ ‬القديم‭ ‬يتحلل‭ ‬بسهولة‭ ‬في‭ ‬المناخات‭ ‬الحارة‭ ‬والجافة‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬تتسم‭ ‬بها‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الأيبيرية‭. ‬في‭ ‬موقع‭ ‬فالنسينا‭ ‬دي‭ ‬لا‭ ‬كونسيبثيون‭ ‬الشاسع‭ ‬الذي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ،‭ ‬‮ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬إشبيلية‭ ‬بجنوب‭ ‬إسبانيا،‭ ‬اكتشف‭ ‬علماء‭ ‬الآثار‭ ‬منشآت‭ ‬جنائزية‭ ‬ضخمة‭ ‬عمرها‭ ‬نحو‭ ‬خمسة‭ ‬آلاف‭ ‬عام،‭ ‬وهي‭ ‬فترة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث‭ ‬تُعرف‭ ‬باسم‭ ‬عصر‭ ‬النحاس‭. ‬وكانت‭ ‬التقاليد‭ ‬الجنائزية‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬المدافن‭ ‬الجماعية،‭ ‬لكنّ‭ ‬مدفناً‭ ‬فردياً‭ ‬اكتُشف‭ ‬عام‭ ‬2008‭ ‬يعود‭ ‬تاريخه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬2900‭ ‬و2650‭ ‬عاماً‭ ‬قبل‭ ‬العصر‭ ‬الحالي،‭ ‬بدا‭ ‬مخالفاً‭ ‬لهذا‭ ‬المنحى‭. ‬وبيّن‭ ‬تحليل‭ ‬جسدي‭ ‬أنثروبولوجي‭ ‬تقليدي‭ ‬أن‭ ‬شاغل‭ ‬هذه‭ ‬المقبرة‭ ‬ذكر‭ ‬يتراوح‭ ‬عمره‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬17‭ ‬و25‭ ‬عاماً،‭ ‬وفقاً‭ ‬لدراسة‭ ‬نُشرت‭ ‬هذا‭ ‬الأسبوع‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ “‬ساينتيفيك‭ ‬ريبورت‭”‬‭. ‬ووُجِدَت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬المدفون‭ ‬مقتنيات‭ ‬تنمّ‭ ‬عن‭ ‬مكانة‭ ‬مرموقة،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬صحن‭ ‬خزفي‭ ‬كبير‭ ‬يحتوي‭ ‬على‭ ‬آثار‭ ‬نبيذ،‭ ‬ومخرز‭ ‬نحاسي‭ ‬صغير‭ (‬يستخدم‭ ‬لثقب‭ ‬الجلد‭)‬،‭ ‬وأغراض‭ ‬خشبية‭ ‬وعاجية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ناب‭ ‬كامل‭ ‬لفيل‭ ‬أفريقي،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬اكتشاف‭ ‬مثيل‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬أوروبا‭.‬‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬بعض‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬دفنه،‭ ‬وُضِعت‭ ‬قطع‭ ‬أثرية‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬القبر،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬خنجر‭ ‬من‭ ‬الكريستال‭ ‬الصخري‭ ‬بمقبض‭ ‬من‭ ‬العاج‭.‬

ولاحظت‭ ‬الدراسة‭ ‬التي‭ ‬استشهدت‭ ‬بأبحاث‭ ‬سابقة‭ ‬عن‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ “‬كمية‭ ‬القرابين‭ ‬الجنائزية‭ ‬ونوعيتها‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬الميت‭ ‬المدفون‭ ‬كان‭ ‬الأعلى‭ ‬شأناً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬الجزيرة‭ ‬الأيبيرية‭ ‬خلال‭ ‬العصر‭ ‬النحاسي‭”. ‬وشرحت‭ ‬المعدّة‭ ‬الرئيسية‭ ‬للدراسة مارتا‭ ‬ثينتاس‭ ‬بينا‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭ ‬في‭ ‬المجتمعات‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ “‬رجل‭ ‬العاج‭” ‬كان‭ “‬فرداً‭ ‬مميزاً‭” ‬أراد‭ ‬الباحثون‭ “‬تأكيد‭ ‬نوعه‭ ‬الاجتماعي‭”.  ‬ولجأ‭ ‬فريق‭ ‬عملها‭ ‬لهذا‭ ‬الغرض‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬مساعِد‭ ‬مهم‭ ‬هو‭ ‬الأسنان‭ ‬المتحجرة،‭ ‬واستخدم‭ ‬تقنية‭ ‬جديدة‭ ‬لتحليل‭ ‬مينا‭ ‬الأسنان‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬تحتوي‭ ‬على‭ ‬كميات‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬بروتين‭ ‬الأميلوجينين‭. ‬وهذا‭ ‬الجين‭ ‬موجود‭ ‬على‭ ‬الكروموسومات‭ ‬الجنسية،‭ ‬مما‭ ‬أتاح‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الميت‭ ‬المدفون‭ ‬ليس‭ ‬رجلاً‭ … ‬بل‭ ‬امرأة‭.‬

‮ ‬وقالت‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬إشبيلية‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ “‬كان‭ ‬مفاجأة‭”. ‬وللتأكد‭ ‬تماماً‭ ‬منه،‭ “‬أجريَ‭ ‬تحليل‭ ‬لسن‭ ‬ثانية‭ ‬انتهى‭ ‬إلى‭ ‬تأكيد‭ ‬النتائج‭”.‬

وربطت‭ ‬الدراسة‭ ‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬بغرفة‭ ‬دفن‭ ‬جماعية‭ ‬أقيمت‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مقبرة‭ “‬سيدة‭ ‬العاج‭”‬،‭ ‬بعد‭ ‬جيلين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة،‭ ‬وتضم‭ ‬نحو‭ ‬15‮ ‬شابة‭ ‬تم‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬جنسهن‭ ‬بواسطة‭ ‬عظامهن‭. ‬واحتوت‭ ‬هذه‭ ‬المقبرة‭ ‬الجماعية‭ ‬على‭ ‬أثاث‭ ‬ثمين‭ ‬شبيه‭ ‬بذلك‭ ‬الموضوع‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬المرأة،‭ ‬كالعاج‭ ‬والعنبر‭ ‬والملابس‭ ‬المزخرفة‭ ‬وسوى‭ ‬ذلك‭.‬

الأعلى‭ ‬شأناً‭” ‬

ووثقت‭ ‬الأبحاث‭ ‬حالات‭ ‬أخرى‭ ‬لنساء‭ ‬تتسم‭ ‬مدافنهنّ‭ ‬بالفخامة‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬العصرين‭ ‬التاليين‭ ‬البرونزي‭ ‬والحديدي،‭ ‬ومنهنّ‭ “‬سيدة‭ ‬فيكس‭” ‬في‭ ‬بورغوندي‭ (‬فرنسا‭). ‬لكنّ‭ ‬السائد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحقبة‭ ‬كان‭ “‬مدافن‭ ‬الرجال‭ ‬ذوي‭ ‬المكانة‭ ‬العالية‭”‬،‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬أفاد‭ ‬معدّو‭ ‬الدراسة‭.‬

إلاّ‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬مدفن‭ ‬لرجال‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭ ‬الاجتماعي‭ ‬العالي‭ ‬لم‭ ‬يُكتشَف‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬فالنسينا‭. ‬‮  ‬

واستنتجت‭ ‬الدراسة‭ ‬كذلك‭ ‬أن‭ “‬سيدة‭ ‬العاج‭” ‬بلغت‭ ‬قمة‭ ‬الهرمية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬بجدارتها‭ ‬وحدها،‭ ‬مستدلة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬بعدم‭ ‬وجود‭ ‬أغراض‭ ‬في‭ ‬مدافن‭ ‬الأطفال،‭ ‬مما‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬اكتساب‭ ‬المكانة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحصل‭ ‬بموجب‭ “‬حق‭ ‬الولادة‭”‬،‭ ‬خلافاً‭ ‬لما‭ ‬كانت‭ ‬عليه‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬العصر‭ ‬البرونزي‭.‬

ورأت‭ ‬مارتا‭ ‬سينتاث‭ ‬بينا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬كانت‭ ‬تالياً‭ “‬الأعلى‭ ‬شأناً‭” ‬في‭ ‬حقبة‭ “‬كان‭ ‬المجتمع‭ ‬الأوروبي‭ ‬الغربي‭ ‬فيها‭ ‬يتخذ‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬الطابع‭ ‬الهرمي،‭ ‬وفيه‭ +‬نخبة‭+ ‬بدا‭ ‬واضحاً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المرأة‭ ‬تنتمي‭ ‬إليها‭”.‬‮ ‬

وأضافت‭ “‬القيادة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الدولة‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬الرجال‭ ‬عادةً،‭ ‬لكنّ‭ ‬دراستنا‭ ‬أظهرت‭ ‬أن‭ ‬الحال‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بالضرورة‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭”.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬المؤرخة‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬التاريخ‭ ‬في‭ ‬المعهد‭ ‬الوطني‭ ‬للبحوث‭ ‬الأثرية‭ ‬الوقائية‭ ‬آن‭ ‬أوجورو‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تشارك‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬نبهت‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بـ‭”‬أسطورة‭ ‬النظام‭ ‬الأمومي‭ ‬البدائي‭”.‬‮ ‬

وأوضحت‭ ‬مؤلفة‭ ‬كتاب‭ “‬نساء‭ ‬العصر‭ ‬الحجري‭ ‬الحديث‭” ‬أن‭ “‬أي‭ ‬مجتمع‭ ‬أمومي‭ ‬لم‭ ‬يُكتشف‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬بطريقة‭ ‬غير‭ ‬قابلة‭ ‬للشك‭”.‬‮ ‬